عدد11

في هذا العدد

الاستهلال

''الإشارة'' عند الصوفية ذ· محمد المصطفى عزام

بين الفقه والتصوف ذ·مبارك أبو معشر

الفكر الصوفي وحدود العقل في حل الأزمة الأخلاقية المعاصرة (نحو أنثربولوجيا جديدة)ذ· محمد أديوان

أخلاقيات التواصل··· أية آفاق ؟ذ· منير القادري بودشيش

البودشيشية الظاهرة الروحية الجديدة بالمغرب  ذ· حبيب عمر الفهري

المهتدون بمشكاة الولاية  (Eva de Vitray Meyerovitch)د· رشيد حميمز

 

الاستهلال

 أحبتنا، ها قد استكمل مولودنا العزيز سنة من حياته، ويبدأ خطوته الأولى على درب سنته الثانية· وبافتتاح هذه السنة، يسعدنا أن نتوجه بجزيل الشكر والعرفان لكل الذين عانوا معنا قطع أشواط السير الشاق عبر فجاج السنة الماضية وفيافيها، محتضنين الوليد صائنينه من عتو الرياح والأعاصير، ممدينه بما يحتاجه جسمه الصغير من غذاء ودواء ·وليدنا استقام سويا ولله الحمد، رافع الهامة ثابت القدمين، متطلعا إلى الضياء مستمدا منها ما ينير الطريق ويقوي على المسير عبر محجة بيضاء، لا أمت فيها ولا التواء·اقترح علينا بعض الأحباب من القراء والكتاب، منذ الأعداد الأولى أن ننهج في منشورنا نهج التوحيد، فلا نخرج عن خطنا المنذور لمعالجة الشأن الأخلاقي إلى مواضيع أخرى، لكننا كنا نود مشاركة أكبر عدد من الأصوات من جميع الجهات والاختصاصات، وكنا ننتظر شيئا من التمكين لوليدنا، كما التلميذ في ابتدائيته وإعداديته يعب من جميع العلوم إلى أن يتوجه إلى ما هو ميسر له قبلا في المشيئة الإلهية· ولقد كانت إرهاصات للتوجه الأصلى والموعود في كل الأعداد السابقة، خصوصا منها الأخيرين إن تلويحا أو تصريحا·وفي هذا العدد الذي يأتي في لحظة من أحرج اللحظات حضاريا وإنسانيا وإسلاميا يجد القارئ تمحورا حول المواضيع الأكثر أصالة وتجذرا في تاريخنا الإنساني والإسلامي، المواضيع الموحدة في أمر واحد ألا وهو بناء إنسانية الإنسان، هذه الإنسانية التي بغيرها لن تقوم لنا قائمة أو ظهور على أعدائنا، هذه الإنسانية هي مبدأ الخلق وغايته التي جسدها الدين الإنساني النهائي في قول رب العالمين: >وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون< والعبادة خُلق أولا وأخيرا·
 

المهتدون بمشكاة الولاية  (Eva de Vitray Meyerovitch)

د· رشيد حميمز

 معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة- الرباط

 

 عن سن تناهز 90 سنة، انتقلت إلى دارالبقاء المفكرة الفرنسية المسلمة إيفا دوفتراي، وقد حلت الذكرى الأولى لوفاتها يوم 24 يوليوز المنصرم، ولم تخلف وفاتها أي صدى في وسائل الإعلام الفرنسي (1) بالرغم من أنها ساهمت بشكل كبير في التعريف بالمبادئ السمحاء للإسلام في الغرب إلى جانب بعض المفكرين المسلمين، فريتجوف شيون، تيتوس بوفاردت، روني جينون(2)·وقد كانت السيدة ''ميروفيتش'' حاصلة على الدكتوراه في الفلسفة و باحثة في المركز الوطني للأبحاث العلمية (سزخ)، كما أنها صاحبة العشرات من المؤلفات حول الإمام جلال الدين الرومي (3)، الأب الروحي لطريقة الدراويش في تركيا والمسمى أيضا ''مولانا''·وقد ساهمت ترجمة مؤلفاته من الفارسية إلى الفرنسية في تعريف الغربيين والمسلمين على حد السواء بالقوة الفكرية والروحية لهذا المفكر الكبير والذي كان من جملة من استطاع على امتداد العصور إحياء الإرث الروحي للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم·وبفضل العمل الجبار الذي قامت به إيفا من خلال ترجمتها لأعمال الرومي استطاع الكثير من الغربيين من التعرف على الإسلام وفهمه، بل إن الكثير منهم أحبوه واعتنقوه·وقد كان اللقاء مع هذا الولي الصالح مناسبة بالنسبة للعديد من المثقفين الفرنكفونيين المسلمين للبحث من أجل تعميق معرفتهم بحضارتهم، ومن بين هؤلاء:فوزي الصقلي (4)، والذي يعبر عن الواقع الذي خلفه في نفسه إطلاعه على كتاب ''فيه ما فيه ''(5)· والذي قامت بترجمته إيفا ميروفيتش، يقول: ''لقد كان بالنسبة لي بمثابة الانطلاقة وفي الواقع فإني لست الوحيد الذي عاش مثل هذه التجربة، فقد علمت فيما بعد بأن العديد من الأشخاص كان لهم نفس الشعور وارتبط مصيرهم فيما بعد بقراءة هذا الكتاب'' (6)·إن العلاقة شبه السحرية التي كانت لـ ''إيفا'' باللغة الفارسية، هي التي ساعدتها في عملها من خلال الترجمة والتعليق واللذان يمكنان القارئ ليس فقط من فهم المعاني الدقيقة لنصوص الرومي ولكن من تذوقها أيضا· وتشير في هذا الصدد ''إلى أنه وفي كثير من الأحيان، عندما أحصل على مخطوط جديد، وأشك في معنى كلمة ما، وحين أتمكن من فهمها، ينتابني شعور بأنني كنت على علم بها من قبل'' (7)·لكن بعد ترجمتها للعمل الجبار للرومي ''المثنوي'' والمتكون من 51 ألفا بيتا شعريا روحيا، يمكن اعتباره بدون منازع من روائع الأدب العالمي، ومن خلاله استطاعت ''إيفا'' أن تنهل من بحره·فالمثناوي هو في نفس الوقت: ''ديوان شعري، منهج فلسفي، دراسة عامة للفقه الإسلامي، مذهب ميتافيزيقي، دراسة للفكر والمذهب الصوفي، دراسة معمقة لعلم النفس، كما أنه وثيقة غير مسبوقة لعلم النفس الاجتماعي في زمانه بالإضافة إلى أنه منهاج تعليمي لشيخ تربية (مربي) وطريقة بيداغوجية ثاقبة''(8)·سنة ,1954اعتنقت الإسلام وسوف توضح فيما بعد هذا الاختيار تقول:'' بالنسبة لي، اكتشاف الإسلام كان بمثابة هداية وتلاقٍ'' وقد علق زميلها لوي ماسينيون على هذا الاختيار قائلا:''إذا كان هذا هو مذهبك فأنا أحتضنك ملأ يدي'' (9)·هذا الإحساس بالهداية (ما عشته وما رأيته من قبل) أو ما يسميه روني جينون، حسب تجربته الخاصة بالرجوع إلى الأصل أو الدين القيم، لم يكن ممكنا على الإطلاق لولا احتكاكها بالأولياء، في البداية عند اكتشافها لجلال الدين الرومي في إحدى كتب الشاعر الصوفي الباكستاني محمد إقبال، وقبل أن تصبح شغوفة بالترجمة والتعليق على مؤلفاته، وفي المرة الثانية عندما قابلت في المغرب الشيخ الروحي للطريقة القادرية البودشيشية، في يوم مشهود ومنذ ذلك اللقاء أصبحت من مريديه(10)·إن الاهتداء بالفطرة واللقاء مع الأولياء هو ما يفسر بكل موضوعية المسار الروحي ل ''إيفا''، ولفهم ذلك يقول جلال الدين الرومي: ''إن الله سبحانه وتعالى بعث الرسل والصالحين كالماء الغدق الصافي ليطهر بها كل المياه الصغيرة المدنسة، وعند صفائها تتذكر بكل يقين نقاءها الأصلي الذي تعكر صفوه من جراء الألوان الحالكة التي تندثر فيما بعد، يعني الرجوع إلى الفطرة'' (11) ''هذا الذي رزقنا من قبل وأوتوا به''· (قرآن: سورة البقرة آية 25)· وإذا كانت ''إيفا'' قد استشفت من خلال جلال الدين الرومي، كنوز الإسلام، فإنها كانت في حاجة لمرشد حي'' ينهض حاله ويدل على الله مقاله'' (12)· ولهذا فإنها كانت في حاجة إلى ولي صالح من عصرنا، محيط بهذا العالم، '' فالصوفي ابن وقته''·حين تقدم بها العمر بعد عشرات السنين، وجدت الرجل الذي عرفها على هذا الجوهر، إنه الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش·ويؤكد المريدون الذين حضروا هذا اللقاء الأول على قوة التأثر الذي انتاب ''إيفا''، عندما أشار الشيخ إلى قلبه قائلا:''الرومي هنا'' فأجهشت بالبكاء، وبكت طويلا· فماذا كان يقصد الشيخ؟ هل مجرد إثارة العواطف؟ أم أن علم الرومي في قلبه إشارة إلى أن النور الذي يحمله الأولياء كلهم موروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؟من الصعب جدا الإجابة عن هذه الأسئلة، فالرابطة التي تربط الشيخ المربي بمريديه رابطة ''روحية''، والكلام المتبادل لغز مُحيِّر· وبخصوص هذا اللقاء فإنها قالت لأحد أصدقائها:''هذا ما كنت أبحث عنه منذ أربعين سنة''·لكنها لم تكشف رسميا عن انتمائها لإحدى الطرق الصوفية المغربية إلا في بداية التسعينات ''صحيح أنني من أتباع الشيخ، إنه شخصية فذة، وله أتباع كثيرون، لقد أعطاني كثيرا، وليس بإمكاني أن أقول أكثر·''(13)· لقد كانت ''إيفا'' امرأة ذات قيمة كبيرة، وكانت أعمالها دقيقة ومتقنة، مما ساعد المئات من الأشخاص الباحثين عن الحقيقة، والذين استطاعوا ليس فقط اكتشاف الإسلام ولكن التعرف على الوجه الحقيقي له والذي لم تتمكن الأحداث السياسية المأساوية ولا وسائل الإعلام الغربية من تلويثه·توفيت ''إيفا دوفتراي ميروفيتش في شهر يوليوز1999 (يوم السبت)، في حضرة عائشة صديقتها الوفية، والتي تكن لها إعجابا شديدا والتي كانت ممرضتها، سكرتيرتها وطباختها في نفس الوقت·وقد ماتت وهي مرتاحة البال لأنها استطاعت أن تعرف وأن تتعرف على رجال ذكرهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: لاتزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس· (14) ولعل ''إيفا'' كانت تتذكر في هذه اللحظات الأخيرة الأبيات التي تلاها الرومي قبل وفاته بقليل: ''لماذا أحزن، وكل قطعة مني انشراح؟''- ''لماذا لا أغادر هذا البئر؟''- ''أليست لي عروة وثقى؟''- ''لقد بنيت بيتا مرتفعا لحمائم الروح''·- ''يا طائر روحي، حلق، فإني أتوفر على مائة برج حصين'' (15)

·تعريب ذ· إدريس عبدو

الهوامش :1- أنظر مثلا الفقرة الصغيرة التي خصصتها جريدة Le Mondeالفرنسية لهذا الغرض بتاريخ 29 يوليوز .1999 ص·23لكن يجب التنويه بالمجلة الفرنسية Soufisme التي تصدرها جمعية البرزخ '''Isthme'، والتي خصصت عددا كاملا للباحثة الإسلامية·2- هؤلاء المفكرون الثلاثة هم الممثلون البارزون للمدرسة الفكرية المسماة ''بالتقليدية'' فهم فلاسفة وميتافيزيقيون وقد ساهموا في التعريف بالحكمة التقليدية الكبرى في وحدتها العميقة وحقيقتها الأزلية وعلى الخصوص الموروث الإسلامي الذي يعتبر الدين القيم·3- انظر حياة الولي الصالح ضمن مؤلف Rumi et le Soufisme) Eva de Vitray Meyerovitch( منشورات 1977 Maitre Spirituel ·4- فوزي الصقلي حاصل على الدكتوراه في الأنتربولوجيا، أستاذ بالمدرسة العليا بفاس، صاحب عدة مؤلفات حول التصوف ومؤلف كتاب حول المسيح في الإسلام بمشاركة ''إيفا'' وهو المشرف على مهرجان الموسيقى الروحية الذي ينظم سنويا بمدينة فاس·5- جلال الدين الرومي:Le livre de dedan ''فيه ما فيه'' المترجم من الفارسية من طرف de vetray Sindbad - Eva 1989- أعادت طباعته ٌAlbin Michel.6- مجلة Soufisme النصف الأول من سنة 2000 العدد 4 ص·127- Eva de Vitray Meyerovitch الوجه الآخر للإسلام لقاء مع 1991 ْRachel Criterion: jean pierre Cartie·8- المدخل إلى ''المثنوي''، مطبوعات 1990 Rocher 9- الوجه الآخر للإسلام - مرجع سابق·10- الكتاب الأخير لفوزي الصقلي ، باعتباره من مريدي الطريقة القادرية البودشيشية ، يصف بعمق العلاقة التي تربط الشيخ بالمريد والتي تذهب أبعد بكثير من التواصل اللفظي العادي ·فوزي الصقلي Le soufisme aujourdhui منشورات Relie يناير .200011- جلال الدين الرومي du dedans Le Livre مرجع سابق·12- كلام لإمام صوفي·13- الوجه الآخر للإسلام ، مرجع سابق·14- حديث مسلم·15- Rumi et soufisme مرجع سابق·


البودشيشية الظاهرة الروحية الجديدة بالمغرب

  ذ· حبيب عمر الفهري

رئيس تحرير مجلة >التواصل< التي تصدر بالنيجر

رننشر هذه المقالة عن ''الطريقة القادرية البودشيشية'' التي بعثت لنا بها الزميلة مجلة ''التواصل'' النيجيرية وهي مجلة فصلية شاملة مستقلة تصدر عن مجموعة من المثقفين الأفارقة· وباسم ''الإشارة'' نرجو لهيئة المجلة كامل التوفيق والسداد في مهامها الثقافية وإنها لبنة في تكريس ثقافة التواصل والاتصال بين مختلف وسائل الإعلام الثقافية الأخلاقية· وقد قامت ''الإشارة'' بإضافة الهوامش قصد توضيح بعض ما ورد في المقال

·البودشيشية ''طريقة صوفية صافية يرتفع نسبها إلى العارف بالله سيدي عبد القادر الكيلاني''· وقد أسسها في المغرب سيدي علي بودشيش القادري في تاغجيرت (بني يزناسن) وتطورت كثيرا على يد الشيخ العباس القادري (ت:1972) ثم الشيخ بومدين بالمنور(1) الذي ينظر إليه كعالم مجدد في البودشيشية قبل أن تنتقل بالوصية إلى شيخها الحالي في المغرب الشيخ سيدي حمزة ابن الشيخ العباس القادري·وللبودشيشيين وثائق تلحقهم بالشيخ عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسميت ''البودشيشية نسبة إلي نوع من الطعام في المغرب يسمى: ''الدشيشة'' وبعد وفاة شيخ البودشيشية الشيخ المختار 1914م الذي كان معاصرا ومناصرا للأمير عبد القادر الجزائري، تفرعت الزاوية البودشيشية إلى عدة فروع، من أهمها الفرع الذي استقر قريبا من قرية ''مداغ'' المغربية· وتولى أمر الزاوية البودشيشية مؤخرا، الشيخ حمزة البودشيشي -المتقدم- الذي أوصاه أبوه الشيخ العباس بالاهتداء بهدي الإسلام وتربية الأتباع واحترام العلماء··وترتكز نظرة البودشيشية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ''القلب'' باعتباره محورا في نظرية الصلاح والفساد كما جاء في حديث ''المضغة''· وهكذا يزاوجون بين التحلية التي تسبق والتخلية التي تلي، ويضرب الشيخ سيدي حمزة مثلا لذلك مفاده ''أن المرء إذا دخل إلي بيت مظلم فلن يستطيع ترحيل الظلمة منه إلا بإشعال المصباح، واذا جاء النور رحلت الظلمة أوتوماتيكيا، وهكذا قلب المرء حينما تسلط عليه أنوار الحب يخلع العذار -أي العيوب والذنوب-''· ويقول شيخ البودشيشية الحالي سيدي حمزة: ''التصوف عندي هو:وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا· ويشرح الأستاذ أحمد ارحيحات أحد مريدي البودشيشية ذلك بقوله:''فحقيقة الطريقة الصوفية هي الولوج إلى مقامات الإيمان والإيقان عن طريق الاتباع لا الابتداع، ولابد من الإشارة إلى أن الهجوم على المقومات الروحية للإسلام والمتمثلة في السلوك الصوفي، دفع الكثير من الباحثين عن واحة المعاني وسط صحراء الغفلات، إلى التوجه نحو بوذا وكريشنا ونحو عبادة الأصنام''·ولا تتعاطى البودشيشية السياسة إلا إذا مس مثلث المقدسات: الإسلام، الملكية الدستورية، الوحدة الترابية· بالإضافة إلى البيعة الأميرية ومحبة رسول الله وآل بيته الأطهار·وينظر البودشيشيون إلى قضية التنمية والمرأة من زاوية أخلاقية حيث يضربون المثل برابعة العدوية وليلى رمزا للوصول إلى العشق أو الحب الإلهي ولم يختاروا زيدا ولا عمرا·ويتألف نسيج الطريقة البودشيشية، من ثلة كبير من العلماء الكبار خريجي القرويين وغيرها·

 الهوامش:(*) مجلة التواصل العدد الثاني ديسمبر 2000 ·(1) الشيخ بومدين القادري (ت1955) هو شيخ الحاج العباس القادري وشيخ سيدي حمزة في الوقت نفسه وكلهم من عائلة واحدة في شرق المغرب·


أخلاقيات التواصل··· أية آفاق ؟

ذ· منير القادري بودشيش

أستاذ باحث في التواصل والتصوف بالسربون

إن البشرية اليوم تشهد تطورات معقدة وسريعة وفائقة في كل مجالات الحياة، والتي من أبرزها الثورات العلمية والتكنولوجية التي ساهمت بدورها الفعال في تحقيق التقدم الهائل والمذهل لتكنولوجيا الإعلام والمعلوميات والاتصالات، حتى إنه يمكننا أن نصف عصرنا هذا بأنه عصر الاتصال والتواصل بحق·وعالم الاتصال والتواصل دخل مرحلة عالية من التطور الواسع والمتشابك، وتقلصت المسافات والأبعاد الزمانية بفعل التكنولوجيا المعلوماتية والإعلامية، إلى درجة أن قال أحد الخبراء المعاصرين في هذا المضمار:بواسطة التلفزيون ونتيجة للتطور في التكنولوجيا والإلكترون، وعبر الأقمار الاصطناعية والتلفزيون الأتوماتيكي سيصبح في مقدورنا غزو المنازل الخاصة في بلدان أخرى، بل سيصبح في مقدور الأقمار الصناعية البث مباشرة لأجهزة استقبال دون محطات وسيطة تستقبل البث وتعيده ثانية(1)·يظهر من هذا مدى التفوق التكنولوجي والمعلوماتي والإعلامي المدعم بالشبكات الهائلة والمعقدة للأقمار الصناعية والعقول الإلكترونية والحواسب وغيرها؛ وهذا التطور رغم كل إيجابياته وثماره وآفاقه؛ ورغم ما يحمله للإنسانية من خيرات ومكتسبات وفوائد وإنجازات رائعة، فإنه ينطوي أيضا على مخاطر شائكة وغير محدودة، بعضها أصبح موضوع أبحاث ودراسات علمية لتقصي طبيعته وعواقبه الوخيمة، ومن بينها تلك الدراسات التي تصدت لبحث ومعالجة آثار التلفزيون على العقول والنفوس والقيم، بل والهويات والثوابت، نظرا لقدرته الخاصة على سرقة الانتباه والاستحواذ على مشاهديه، وتمرير رسائل الدول الغربية إلى أرجاء العالم وبثها في النفوس والأدمغة بكل آليات وأساليب التمويه والإيحاء والاستهواء والتوجيه والبرمجة المعولمة لتدمير القيم الخلقية، وتذويب الثوابت والخصوصيات، و''أمركة'' Américanisation العالم أجمع، والتحكم أخيرا في الذاكرة الثقافية لشعوب العالم، وهذا ما حمل ''جون ميشال تراي''- وهو من الاختصاصيين العاملين في المفوضية العامة للتخطيط في فرنسا-على القول بأن الوضع المشار إليه على صعيد الإعلاميات يشكل: مساسا بالتراث الثقافي واللغوي لفرنسا وسائر بلدان أوربا الغربية(2)·فإذا كان الإعلام المُعولم وهو إعلام غربي يشكل-حسب هذا المختص مساسا بالهوية الفرنسية، فماذا نقول نحن المسلمين الذين أكرمنا الله تعالى بالإسلام الذي هو أغلى وأعز أمانة نتحملها، وعلينا حمايتها وصيانتها والتمسك بها، بل ونشرها وتبليغها لكافة الأنام، لأن الإسلام دين الله الخالد، دين التوحيد والأخلاق الكريمة والحق والعدل، والمحبة والأمن والسلام·ومن هنا نتساءل بعمق-ونحن في زمن الاكتساح الجارف للعولمة- Globalisation هل من المتوقع فعلا أن تمتطي كل الشعوب المسلمة- على اختلافها وتمايزها- عربات قطار العولمة؟ هل يمكن أن نعيش- نحن المسلمين وقلوبنا تنبض إيمانا وتوحيداً- تحت رحمة النمط الواحد من التفكير والتدبير والشعور كما يخطط لذلك رواد العولمة؟ وهل سَنَنْصَاعُ لهاته الهيمنة الطاغوتية، وهذا الإفقار القيمي والثقافي الناتج عن هاته القولبة النمطية الموحدة -التي تستهدفها هاته العولمة؟ وهل يمكن بسهولة القضاء على التعددية والخصوصيات الثقافية والثوابت الدينية من قبل تقنيات ووسائل الاتصال والتواصل المعولم؟أما بالنسبة للشعوب الغربية فقد حاولت حماية قيمها وثوابتها الحضارية من الإعلام المعولم عن طريق تأسيس وتطوير أخلاقيات للتواصل التي تعتبر قفزة نوعية في تاريخ المجتمعات الحديثة، حيث وعت بضرورة التحكم في حسن توجيه عالم الاتصال والتواصل وإرسائه على أسس أَخلاقيات منسجمة وإنسانية تقوم على الاحترام المتبادل، واحترام أهم خصوصيات العنصر البشري وهو التنوع والاختلاف، علاوة على مراعاة الحريات والحقوق، وتحقيق التشاركية والتبادلية، في المنافع والمصالح والخيرات، ونبذ كل أشكال العنف والتأثير القسري والاستخفاف بالقيم·ما أَجمل هاته الأخلاقيات لو تحققت في الاتصال والتواصل والتزم بها الإعلام المعولم؛ لكن هيهات لهذا الإعلام أن يتخلق ويتأنسن، وقد أصبح أداة تدمير للقيم الإنسانية والكونية، كقيمة السلام والحق والخير والعدل والسعادة وصار وسيلة لفرض هيمنة القيم المعولمة والتي هي قيم فارغة من كل معنى، وخاوية على عروشها·أما بالنسبة للشعوب غير الغربية-ومنها الإسلامية- فهل تتمكن من تحصين قيمها وأخلاقياتها وثوابتها من أخطار الدمار والاندثار؟ وهل سيسهل على الإعلام المعولم أن يبتلعها ويقولبها كما يحلو له؟ لقد أصبح هذا من أبعد الاحتمالات ومن أكبر المستحيلات· وهذا بشهادة بعض كبار المختصين الغربيين أنفسهم ،وهكذا فإننا نجد ''صمويل هنتغتون'' يكشف عن حقيقة الشعوب غير الغربية وقدرتها الصمودية الفائقة أمام أية محاولة لتغيير خصوصياتها وهوياتها، أو طمس قيمها، فيقول:>إن شعوب العالم غير الغربية لا يمكن لها أن تدخل في النسيج الحضاري للغرب، حتى وإن استهلكت البضائع الغربية وشاهدت الأفلام الأمريكية، واستمعت إلى الموسيقى الغربية، فروح أي حضارة هي اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد···<(3)إن هذا الموقف النقدي للإعلام الغربي المعولم له دلالته الخاصة، لأنه صدر عن شخص هو نتاج عصارة الحضارة الغربية، لكننا نحن المسلمين يجب ألا نكتفي فقط بمثل هاته المواقف، بل علينا أن نطور أبحاثنا الخاصة لتحصين ديننا ولغتنا وهويتنا ·إن العالم العربي والإسلامي عليه أن يطرح ويجيب عن السؤال الملح اليوم-أكثر من أي وقت مضى-ماذا أعددنا لعولمة ظاهرها فتان وجذاب تغري بقيم مزيفة وباطنها يهدد خصوصياتنا الثقافية وهويتنا في ظل عالم شديد التغير والتحول؟وكيف يمكن الحديث الآن عن مواجهة حقيقية مع العولمة في ظل عالم إسلامي لم يتفق أهله بعد حتى على تحديد مفهوم وطبيعة العولمة وقراءة خلفياتها وأخطارها وبالتالي تحديد موقعنا في أفق القرن الواحد والعشرين؟!فالكتابات والأدبيات في تكاثر حول هذا الموضوع لكن ذلك ليس كافيا لحد الآن· ومما يجب علينا أن نكون على بينة منه واطلاع عليه، هو أنه رغم وجود تطور معقد وسريع لعالم الإتصال والتواصل، فهناك أيضا تطور متزامن لأخلاقياته وقيمه من جهة وأزماته من جهة أخرى· مع العلم أن هذه الأخلاقيات نشأت وازدهرت في عالم متطور صناعيا وتكنولوجيا ومتأثر بالانحراف الكبير نحو الماديات والربح المضمون والمصلحة الخاصة، والمنافع المتبادلة والعدل والسلام على حساب القيم الإنسانية والكونية، إن التراث الأخلاقي الإسلامي يشكل منجما غنيا بالنفائس يجعلنا قادرين على تجاوز أدق الأزمات والعوائق التواصلية لأنها مرتبطة بالنفس التي لم تتمكن الآن، جميع الدراسات والمناهج النفسية، من الإحاطة بكنهها وطبيعتها ناهيك عن معالجتها واستئصال عللها وأمراضها، ويبقى التصوف كمنهج هو الكفيل بمعرفة أدق خلجات النفس البشرية وتعرية ألوان حيلها ودسائسها وبذلك فهو قادر على مداواتها وعلاجها مما يسهل التواصل الاجتماعي والمؤسساتي وغيره بفضل ثمرة التربية الصوفية الإسلامية ذات البعدين الروحي والأخلاقي، المادي والمعنوي والفردي والاجتماعي·وأملنا كبير في مستقبل إسلامي مشرق ووضاء يعيد للإنسانية توازنها ويحقق للدين عزه ونصره المبين·

 الهوامش:·(1)-صلاح صالح : الثقافة العربية ومشكلات تبادل الإنتاج الثقافي مجلة الوحدة · السنة العاشرة· العدد 105 ، 1994, ص:127(2)-مونية رحيمي : الثقافة المغربية بين الخصوصية وهاجس الأمركة ص·33(3) ·Huntington Samuel, Le Choc des civilisations; Edition Odile Jacob,1997


 

الفكر الصوفي وحدود العقل في حل الأزمة الأخلاقية المعاصرة -نحو أنثربولوجيا جديدة

ذ· محمد أديوان

 كلية الآداب - ا

إن البحث في الأمر الصوفي بحث قديم في الثقافات البشرية نظرا لالتصاق الفكر البشري بالتجربة الصوفية في مغامرة الكشف والأذواق، فالإنسان فكَّر في الظواهر الفزيقية حوله مليا وهاله ما يعرفه العالم الطبيعي من التحولات البطيئة والسريعة، فحاول أن يفهم ما يقع حوله· وكان المنطلق هو نفسه أو ذاته· ففكَّرَ الإنسان منذ العهود الغابرة في أصل وجوده وفصْلِه وتكهن بما قد يكون عليه بعد الموت والزوال، فنضج التفكير الميتافيزيقي جنبا إلى جنب مع التفكير الفيزيقي في الظواهر أو المعالم الطبيعية·فالإنسان فكَّرَ في وجوده لأنه وجود محير ويحتاج إلى حل الألغاز المحيطة به في كل حال وآن·إن ثمار التفكير في الشرط الوجودي للإنسان على وجه الأرض أنتج الميتافيزيقا والعلوم الطبيعية والاجتماعية المختلفة في ظل ما عرفه العقل البشري من تطور ورقي من مرحلة ما قبل العلم إلى مرحلة العلم· وداخل هذه المرحلة الأخيرة قطع العقل البشري أشواطا مذهلة ما تزال متتالية ومتعاقبة في زمن الكشوفات العقلية الباهرة إلى حد الآن!في غمرة هذا الاندهاش بالعقل كاد الإنسان ينسى طاقة من طاقات وجوده القوية التي ترفده بأنساق من الحياة في كل لحظة وآن، ألا وهي طاقة الروح·فقد أهملت الروح في غمرة الانشغال بهموم العقل فحدث الخلل الحضاري في التاريخ الإنساني إذ فُسِخت العقدة بين العقل والروح، وانفرط عقد الوئام والتصالح بينهما، فتزلزلت الحضارة وانشق كيانها وكادت تتهاوى لولا أثرة باقية من هذه الروح تتحرك في الخفاء وتوجه تصاريف القدر ومصائر الوجود بأياد خفية لا يكاد العقل يأبه بها أو يعترف بها، لأنها ظهرت وعاشت بعيدا عن حدود العقل في أعمق تلافيف الوجدان والقلب الصوفيين·وإذا كانت العقول قد تعبت كثيرا في صناعة الأروقة والسياجات بمنطق الحدود والتعاريف الثابتة والمنحوتة من أحجار الحياد والموضوعية والتجريد، فإن ما أثمرته التجربة العقلية في مضمار الأخلاق والأبنية الصورية لتجربة الأذواق والأحوال، نزر يسير لا يكاد يتعدى المحاولة اليائسة والمشروع المجهض، لأن أهلية العقول محدودة، ومهارة المحللين والمنظرين في هذا الباب ممهورة بالأقيسة المكرورة والمفاهيم المقترضة من الفلسفات الاجتماعية والتصورات النظرية، التي تغذي النماذج المتخيلة لأنماط من السلوك الذي يُحتمل أن ينهجه الفرد في حياته هنا أو هناك في أرض الله الواسعة ليصلح حاله الأخلاقية المائلة ·في هذا السياق الفلسفي والاجتماعي المحموم تناسى عملاء العقل من ذوي الفلسفات المادية والمتتالية المغرقة في الحدود والتعاريف والمقولات، حركة الروح التي هي سر الأسرار في تلوين الطبائع وتمييز أجناس التصرفات وأنواع السلوكات في هذه الحضارة أو تلك من الحضارات الإنسانية· فعكفوا على مدارسة القياسات العقلية للتفاعلات الاجتماعية، وصيروا الفرد مجرد معادلات رمزية تحدد المسارات الحضارية المتباينة، في حين أن ما يلزم في حضارتنا اليوم هو رد الاعتبار للإنسان· وهذا أمر قد دعت إليه الشرائع السماوية بلا استثناء، ورسخته التقاليد الوضعية في التشريعات القانونية المختلفة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا في أرجاء المعمور، بحيث صرنا نستمع لنداء الإنسان يصم الآذان عبر المطالبة بحقوقه والبحث المتواصل عن تفعيل الطاقات كلها من أجل تحقيق أفضل مستوى للرغد والرخاء بين شعوب الأرض باسم شعارات أهمها: ''حقوق الإنسان''·غير أن هذه الدعوات تصطدم بجدار الواقع المنخور الذي سيطرت فيه عوامل الجشع والطمع في صورها القاسية السياسية والاقتصادية واللاأخلاقية على مجتمعاتنا التي خلقت فيها عوامل الصراع الحضاري والأمن الغذائي والهيمنة العسكرية والسياسية، ،إنسانا مذعورا مفزوعا، يهرع في كل لحظة خوف إلى ''أنانيته'' يتعبد في محرابها ويبثها لواعجه من قلق حضاري وخوف غير مبرر أحيانا··!إن هذا الإنسان الذي فقد ثقته في ما صنعه من المعبودات الاقتصادية والمالية والسياسية والجمالية والفكرية صار تائها في منتوجاته العقلية عن حل لأزمته الروحية، فضل الطريق وزاغ عن الجادة فبقي في صحراء حيرته لا يكاد يفهم ما يجري ويقع· إن الأزمة التي يعيشها العقل الحضاري اليوم، أزمة لا ريب فيها· وليس هناك من سبيل لتجاوز لحظة الأزمة هذه إلا بالاستعانة بالنموذج الروحي الذي يتجاوز حدود العقل ويسخر من منتوجاته وثمرات إبداعه في المجال الأخلاقي والسلوكي على وجه الخصوص·فنحن لا نكفر بالعقل وليس من الإيمان ولا من ''المعقول'' الكفر بالعقل، ولكن نشك في أن يكون وسيلة ناجعة لاقتراح البدائل الموضوعية والحلول الأنجع للمشكلة الأخلاقية والسلوكية التي يتخبط فيها الإنسان المعاصر، ومن آياتها ما يعيشه هذا الأخير من إحباط وقلق حضاري عارم أدى في أكثر الدول تقدما وإيمانا بالعقل إلى مظاهر من الشذوذ والانحراف والأنانية الجارفة والنقمة الاجتماعية العامة وحب الذات بصورة نرجسية فاقعة وغيرها من مظاهر إفلاس النموذج العقلي في حل الأزمة الأخلاقية والحضارية في الأزمة الراهنة·إن ما نقترحه اليوم كبديل للخروج من هذه الأزمة القاتلة أخلاقيا هو الرجوع إلى التصوف لا كمعرفة وإنما كسلوك وطريقة في الحياة والعيش· ولا أقصد بهذا تصوف اللباس أو الخرقة أو التمسح بأركان البناءات، وإنما التصوف كوجدان وأحوال ولحظات كشف وعرفان يصل فيها الإنسان إلى أعمق ما في كيانه من قوة روحية دفينة تبعثه على الحياة وتخرجه من قتامة اليأس والقنوط والقلق إلى سمو الانشراح ويفاع الانبساط والأنس·فلنترك حدود العقل ورواسمه التقليدية ولو من أجل المغامرة والاكتشاف!، فعالم الأذواق هو أفضل حل لأزمة العصر الأخلاقية والسلوكية!إن الأذواق هي الآليات الضرورية لخرق سجف الظلام والحجب التي تنسجها العقول حول المعرفة الحقيقية المتجاوزة للسطوح والمتوغلة في الأعماق·فالإنسان ''حيوان معرفي'' بطبيعته لأنه يسعى إلى المعرفة بكل الوسائل المتاحة له· وقد تلونت أساليب المعرفة واقتناص الحقيقة في التاريخ البشري منذ العهود السحيقة، فاجتاز الإنسان مراحل عديدة في تاريخ مواجهته للحقيقة طلبا للمعرفة وصدا عن الجهل· وما تاريخ العلم والمعارف إلا تاريخ هذا البحث المتواصل عن المعرفة والحقيقة·فمن عالم الأساطير إلى عالم العقل الوضعي، ومن التفسير السحري إلى التفسير الرياضي السيبرنيطيقي، تطور المنتوج المعرفي للإنسان وصار أكثر قوة وصرامة·بيد أن المفَسَّر ظل في حدود الموضوع المادي أو الذي نتصور له حدودا مادية ومقاسات ومعادلات وأوضاعا ذهنية دقيقة أو قريبة من الدقة، بينما ظل المدى الروحي بزخمه ونبضه القوي في منأى عن التجربة المعرفية العقلية ووسائطها الموضوعية، لسببين:أحدهما كون المعطى الروحي معطى متعاليا عن الأوضاع والهيئات والأشكال وغير ذلك من مقاسات العقل وقدراته الصورية المبنية على طاقات استدلالية وبرهانية·وثانيهما أن المدى الروحي هو رديف ميتافيزيقا لا يتحكم فيها بعد السؤال عن الماهية الوجودية للأشياء، بقدر ما يتحكم فيها أبعاد الاستبطان الروحي والذوقي لماهية الأسماء ومسمياتها داخل اللغة والعالم·إن السببين السابقين هما اللذان جعلا المعرفة الذوقية أو ما يسميه القوم من الصوفية ومن لف لفهم من الصلحاء، ''العرفان'' وهو قمة العلوم وأس المعارف، لأنه معرفة البواطن وأسرار الأنبياء لا معرفة الظواهر وأنواع الأسماء·إن بعث القوة الكشفية والذوقية لأرواح الناس هي السبيل الأقمن برد الثقة إلى سلمية القيم الأخلاقية في نفوس الناس، وبذلك تصير الأزمة مجرد عطب بسيط لا يُحدث ردما وجوديا ولا صدعا حضاريا في هذا الزمن العاثر وإنما يحدث قلقا حضاريا لا يتجاوز حدَّ إيقاظ الأضمرة السادرة والساهية لتعيد الاعتبار إلى قوتها فتحيا من جديد مدارية غبنا تاريخيا كثر ضحاياه في الجبهة الأخلاقية في المعركة الحضارية الراهنة التي ما تزال النماذج الكبري للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تتهاوى في حركة متسارعة يلفها إيقاع متوتر من الرعب والفزع من الغد المجهول وآفاقه غير الواضحة·



بين الفقه والتصوف

 ذ·مبارك أبو معشر

أستاذ باحث - آسفي

لقد خفف رواد التصوف خلال القرن الخامس الهجري، من عناصر الغربة عن الفكر الصوفي، باجتهاداتهم المبنية على المقياس الشرعي، وتخليص التصوف من طوائف البدع والانحلال· وباجتهاداتهم الاجتماعية الهادفة إلى إصلاح الأمة ·وقد تيسر لفكرهم أن ينضج خلال تلك المرحلة، دون أن يتأثر بتجليات الضعف، والهرم الذي أصاب الحكم الإسلامي، حين فقدت الدولة العباسية سلطاتها الفعلية، بعد استيلاء السلاجقة عليها، وإن كان هذا الأمر لا يقدح في استماتة الدولة السلجوقية، وجهادها ضد الزحف الصليبي·إن عدم التأثر بهذا الضعف، دفع بالصوفية -في القرن الخامس الهجري- إلى فرض وجودهم بشكل صارم في حركية المجتمع، من أجل إعطاء صورة أمثل عن كيانهم، الذي طالما طمسته عوامل الخناق التي أسسها التراكم التاريخي·ومن هذا المنطلق استطاع التصوف أن يتخلص من أكبر إشكالياته التاريخية، المتمثلة في الصراع الدائم بين رجل الفقه، ورجل التصوف، فقد أخذ كل من الإمامين القشيري (ت465 هـ)، والغزالي (ت505 هـ) على عاتقهما وضع حد لصيرورة الخصام والعداء، لأن حاجات الأمة والمجتمع تقتضي مواجهات أعمق من ذلك الإشكال·و نعرض فيما يلي نظرة عن طبيعة العلاقة التي حكمت الفقيه والصوفي معا، فقد حفظت لنا الكتب المتقدمة أخبار نكبات عظمى بين النظامين المعرفيين بسبب عداء بين الفقه والتصوف: الصوفية يرمون الفقهاء بأنهم لايعبأون إلا بالقشور من مظاهر الأمور، والفقهاء يرمون الصوفية بأنهم غلوا في أحوال الروح أكثر مما كان يعرفه الإسلام، وسموهم أهل الباطن(1)· وتطور هذا العداء إلى أن صار كل منهما ينظر إلى الآخر نظرة شذوذ وانحراف عن الشرع، مادام كل فريق يلقي حكمه من زاوية نظره الخاصة، فانقسم علم الشريعة على صنفين، صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات؛ وصنف مخصوص بالقوم [أي بالصوفية] في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها، والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها(2)ولم يلبث هذا الجدل المعرفي -(بين الظاهر والباطن، أو الشريعة والحقيقة)- أن تحول إلى صراعات دموية، وإزهاق لأرواح المسلمين من جراء الاضطهادات التي مارسها بعض الفقهاء بأحكامهم على الصوفية· وبلغ الأمر أن سيق مجموعة من الصوفية إلى ضرب أعناقهم بعد المحاكمات المتتالية التي لم ينجح منها إلا من استطاع الإفلات أو الهرب·وقد ظهر هذا الاضطهاد على أشده ببغداد حيث يسجل لنا التاريخ فرار أحد أعلام الفكر الصوفي إلى مصر، وهو أبو سعيد الخراز (ت277 هـ)(3)، واتهام سبعين صوفيا بالزندقة إلى أن حُكم عليهم بالموت الذي عجزت السلطة عن تنفيذه، وكان من بينهم الإمام الجنيد (ت297 هـ)، والإمام النوري (ت295 هـ)(4)، وكتب التاريخ حافلة بأحكام الإعدام، وممارسات الاضطهاد التي أسماها المؤرخون >محنة الصوفية<·ويعتبر الإمام أبو القاسم الجنيد (ت297 هـ) (5)على جلالة قدره، واحدا من الذين قاسوا ظلم الفقهاء· فقد كان -رحمه الله- أحد علماء الإسلام، الذين بلغوا من الاستقامة مبلغا أجمع عليه جمهور نقاد الأمة، بما فيهم الإمام ابن تيمية (ت728 هـ) الذي كان كثيرا ما يذم بعض الصوفية لكنه عند ذكر الجنيد يشهد له بالعلم والورع واقتفاء أثر النبوة· وكان فقيها يفتي على مذهب أبي ثور، بل وكان يفتي في درسه بحضرته وهو ابن العشرين من عمره إلى أن تكالب عليه فقهاء بغداد وقالوا للخليفة: >إن الجنيد قد تزندق هو وأصحابه فقال لهم الخليفة: يا أعداء الله ما أردتم إلا أن تفنوا أولياء الله في الأرض واحدا بعد واحد··· وهذا الجنيد لا سبيل لكم إليه حتى تغلبوه بالحجة، فأجمعوا له الفقهاء، واعملوا له مجلسا، فإن أنتم غلبتموه وشهد الناس بأنكم غالبون عليه قتلته، وإن هو غلبكم والله لأمشين عليكم السيف حتى لا يبقى منكم أحد على الأرض<·(6)وعند احتكام الجنيد والفقهاء عند الخليفة بين يدي قاضي القضاة علي بن أبي ثور، بكى هذا الأخير ومن معه أثناء مرافعة الجنيد وأصحابه لما في كلامه من حق، واستمع إلى الطرفين إلى أن انتهى كل منهما والناس شهود ثم حكم قاضي القضاة بالآتي: >يا أمير المؤمنين أترك هؤلاء [يعني الجنيد وأصحابه]، فإن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض مسلم، هؤلاء مصابيح الدين ودعائم الإسلام؛ فعند ذلك عطف الخليفة على الجنيد وقال: يا أبا القاسم هؤلاء الفقهاء ما جمعوا لك هذا المجلس العظيم، واستعدوا لمناظرتك إلا ليقتلوك لو غلبوك، والآن أنت الغالب عليهم· وأنا آليت على نفسي إن أنت غلبتهم أن أمشي عليهم السيف، فإما أن تعفو عنهم، وإما أن يموتوا فقال: العياذ بالله يا سيدي أن يموت أحد منهم بسببي عفا الله عنا وعنهم، ولا آخذ عليهم في إنكارهم علينا، لأنهم ما ساقهم إلى ذلك إلا الجهل، وقلة العلم بما طلبوا، عفا الله عنا وعنهم· فانحل المجلس على سلام ولم يمت فيه أحد<(7)·وإذا كان الجنيد قد وجد الخليفة فطنا عند وشاية الفقهاء، ولم يتسرع في الحكم عليه إلا بعد سماعه على شرط تحكيم قاضي القضاة، فإن بعض السلاطين الآخرين احتوتهم سلطة الفقهاء كما حدث في نهايات الدولة المرابطية بالمغرب رغم ما أثر عن الحاكم ''أمير المسلمين'' من عدالة، ومروءة وورع وتقوى لولا استسلامه لسياسة الفقهاء، الذين أحيوا الاضطهاد الفكري تجاه الصوفية من جديد حيث صب هؤلاء الفقهاء نقمتهم على الإمام الغزالي بحرق كتبه في المغرب، والأندلس ثم محاربة المدرسة الصوفية بالمغرب على شكل متابعات، ومحاكمات، فكان أن سجن بعض أفرادها وقتل البعض الآخر· وأهم الأعلام الذين ذاقوا مرارة هذه الفترة ابن العريف (ت536 هـ)، وأبو الحكم عبد السلام ابن برجان (ت536 هـ) الذي أمر الفقهاء بإلقاء جثته على المزبلة، وأن لا يصلى عليه وهو الذي كان يُدعى ''غزالي المغرب''· ونظرا لعلو مكانته العلمية، والخلقية، >فإن متصوفة المغرب تضامنوا معه، ضد علي المرابطي، إذ أشرف ''علي بن حرزهم'' (ت559 هـ)(8) على انتشال جثتة من المزبلة وأمر خادما له بالبريح في أسواق مراكش لحضور جنازته، ودفنه جنبا إلى جنب مع ابن العريف<(9) الذي طالما عانى هو الآخر من الفقهاء الذين نعتهم بعلماء السوء، وكبراء أهل الدنيا المغترين بها في جمع الأموال والجاه(10)·ويذكر لنا التاريخ أيضا أن بعض فقهاء المغرب تجاسروا على أحد كبار الصوفية في القرن السادس، وهو أبو شعيب أيوب بن سعيد الصنهاجي المعروف بأيوب السارية (ت561 هـ) الذي كان متواجدا بمنطقة أزمور، فاتهموه في دينه وعلى وجه التحديد في العقائد، فناظرهم في مجلس عبد المومن الموحدي وكانت له الغلبة في ذلك حيث رجع مكرما إلى بلده(11)·لقد خلق هجوم الفقهاء انطباعا سيئا لدى الصوفية، حيث صور الفقيه بصورة المهيمن، أو الوصي على كل أنماط المعرفة باسم الشرع، وبآليات الحل والتحريم والتكفير، أو إصدار أي حكم يخص الحياة العامة، وإن كان فعلا هذا هو دور الفقيه المجتهد في مؤسسة التشريع الإسلامي، لكن انطباع العنف والقسوة شكك الصوفية في هذه الوظيفة عند ''بعض'' الفقهاء وذلك لاكتسابهم العلم على حساب الخُلُق الذي هو أهم مقومات الشخصية الإسلامية· فالصوفي ينظر إلى الفقيه من خلال مواقف إصدار الحكم التلقائي بأنه ذلك الرجل الغضوب، السريع الانفعال، وهذه الخصلة حسب رجال التصوف تمنع أيا كان من أداء مهامه على أكمل وجه مادام يفتقد إلى جزء ولو يسير من الحلم، وتذكر كتب الصوفية أن بعض الفقهاء التجأوا إلى المنهج الصوفي بالذات(12) قصد معالجة هذا النمط من السلوك·وقد أدت هذه الوضعية إلى محنة كثير من علماء الأمة بحيث لا يقتصر الأمر على الصوفية فقط· فهذا ابن تيمية (ت728 هـ) رحمه الله، رغم جلالة قدره وورعه، ورجاحة علمه قضى السنوات تلو الأخرى في السجون، بل ومات سجينا بعد تحامل الفقهاء والأمراء عليه في غير ما مرة·ولا ينبغي أن ينسينا هذا الحديث شرف الفقه والفقهاء ودورهم الريادي في إفراز تراث علمي للأمة· وعلى حد تعبير ابن عربي الحاتمي (ت638 هـ): فإياك يا أخي عافاك الله من الظن السوء أن تظن في أني أذم الفقهاء من أجل أنهم فقهاء أو لنقلهم الفقه، لا ينبغي أن يظن هذا بمسلم، وإن شرف الفقه وعلم الشرع لا خفاء به، ولكن أذم من الفقهاء الصنف الذي تكالب على الدنيا وطلب الفقه للرياء والسمعة(13)·فالتقريع موجه إلى فئة معينة من الفقهاء؛ تلك الفئة التي كانت لها مع قلة علمها وضحالة فكرها يد في صنع قرار تلك الفتن فإذا سمعتني أذم الفقهاء في كتاب فإنما أعني به هذا الصنف الذي اتبع شهواته وغرض نفسه الأمارة بالسوء(14)·وإذا كان الصوفية قد تأثروا في نظرتهم إلى الفقهاء من خلال المواقف التي تعرضوا لها، ومن خلال ''المحن التاريخية''، فإن بعض الفقهاء الأجلاء أيضا استندوا إلى بنية أخرى من الأحداث·لأنه لا تخلوا جماعة من علاقة أو وسيط تاريخي مؤسس لنظرتها تجاه الموضوعات الأخرى· وعلى هذا الأساس مارس علماء الأمة الأفاضل -من الفقهاء وغيرهم- نقدهم السليم المبني على النظر إلى بعض الطقوس الشاذة في التصوف·ومن أكثر العلماء انتقادا للصوفية ابن الجوزي (ت597 هـ) الذي جمع نظرته النقدية في كتابه تلبيس إبليس· وقد تبنى مجموعة من آرائه ابن تيمية الذي تجاوز النقد إلى تكفير بعض الصوفية أمثال: الحسين الحلاج الذي صلب ببغداد سنة (309 هـ)، وعمر بن الفارض (ت632 هـ)، ومحي الدين بن عربي الحاتمي الذين انتقدهم في كتابه مختصر الفتاوي المصرية كما انتقدهم تلميذه ابن قيم الجوزية (ت751 هـ)· ويعتبر برهان الدين البقاعي (ت885 هـ) صاحب كتاب تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي أحد رواد هذا النقد أيضا وبرز في ذلك من المعاصرين كل من عبد الرحمان الوكيل، وأبو بكر الجزائري·وأغلب انتقادات بعض أولئك العلماء لم تخرج عن الأمر والنهي الشرعيين فقد كانوا بذلك كمن كبح جماح العابثين بالشريعة من جهلة الصوفية، وممارساتهم التي ابتدعوها من غير دليل، وكذا الأقوال الداعية إلى إسقاط التكاليف الشرعية·فقد كانت ثورة العلماء متجهة نحو الخرافات والأوهام والدجل وتقديم الذوق على الشرع، لأن تمرد جهلة الصوفية على الشريعة وابتعادهم عن طريق المحجة البيضاء هو الذي دفع العلماء إلى انتقادهم، بحيث كان الهم الوحيد هو تخليص الشريعة من أوهام العابثين بها، ولم يكن في حسبانهم مهاجمة الصوفية لأنهم يكنون لهم كل الاحترام، لكن الأمانة العلمية لا تترك مجالا للسكوت عن الحق· وهذا ما أكده الإمام ابن الجوزي رحمه الله بقوله: >والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط، إلا تنزيه الشريعة، والغيرة عليها من الدخل· وما علينا من القائل والفاعل· وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم· ومازال العلماء يبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار الغالط<(15)·إن انتقادات العلماء لم تكن تعني رفض التصوف في عمومه بقدر ما كانت دعوة تقويمية إلى ربطه بالشرع، والدفع به إلى النهج السلفي السني، وهذه الانتقادات لم يمنعها إيمانها بالولاية والكرامة أن تغض الطرف عن مواطن الخلل لأنه قد >يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلته<(16)·أما الانتقادات التي ضمنها ابن تيمية رسائله، وكذلك برهان الدين البقاعي فقد كانت في مجملها تسقط على كلام ابن عربي الحاتمي، وفي مدى صحة عقيدته وإسلامه من خلال تتبع ألفاظه، مع العلم أن القارئ لكتب ابن عربي يتنبه إلى أن جاذبية معانيه ومراميه تشد أكثر من الألفاظ·وقد أدى هذا المنهج بالشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه المذكور إلى نعته بأوصاف يعف اللسان عن ذكرها·وكان من شأن هذا التجريح أن خلق فتنة في مصر على عهد البقاعي تصدى لها الإمام جلال الدين السيوطي (ت911 هـ) دفاعا عن ابن عربي ومصنفا في ذلك كتابا أسماه تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي وكتابا آخر قمع المعارض في نصرة ابن الفارض(16)·وإن كان ابن تيمية يحمل القارئ على تكفير ابن عربي عن طريق الاستدلال ببعض الكفريات القولية والاعتقادية التي يقول بها أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، فإنه بالرغم من ذلك يظل أقل حدة وأرفق لسانا بابن عربي من برهان الدين البقاعي، لأنه يعتقد أن ابن عربي >أقرب القائلين بوحدة الوجود إلى الإسلام، وأحسن كلاما في مواضع كثيرة فإنه··· يقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه ويأمر بالسلوك بما أمر به المشايخ من الأخلاق والعادات<(17)·ولعل هذا التضارب في الأقوال حول ابن عربي في تكفيره من جهة ثم إثبات إقراره بالأمر والنهي الشرعيين من جهة أخرى وغير ذلك من الأحكام، كل هذا قد يرجع إلى اختلاف الأقوال المبثوثة في كتبه، والتي يمكن التساؤل عن مدى صحة نسبتها إليه؛ خصوصا أن كتبه تحمل الفكرة ونقيضها معا على نحو تجد فيه الرجل يدعو إلى عقيدة وحدة الوجود أو الاتحاد والحلول، في حين تجده هو نفسه يذم القائلين بهذا النوع من الاعتقاد!وقد تنبه الإمام الشعراني (ت973 هـ) إلى هذا الأمر حين قيامه بنسخ الفتوحات المكية التي كانت متداولة بمصر إلى عهده، فوجدها تحتوي على أقوال لا وجود لها في النسخة التي يحتفظ بها هو من نسخ المؤلف(18)·وبتمحيصه لتلك النسخ استخلص أن تلك الأقوال مدسوسة على ابن عربي؛ وأغلب من ترجم لابن عربي يقر هذه الحقيقة وأكثر الطوائف اتهاما بالدس عليه هم الباطنية وقد ذكر ذلك كل من حاجي خليفة (ت 1067هـ) في كشف الظنون وابن عماد الحنبلي (ت 1089هـ) في شذرات الذهب والمقري (ت1041 هـ) في نفح الطيب·ولو أردنا أن نجعل ابن عربي يدافع عن نفسه لما وجدنا خيرا من كلامه الذي طالما كرره في رسالته روح القدس عن أهل الاتحاد الذين يخيل إليهم محادثة الخالق جل وعلا، واعتقاده فيهم أنهم أناس >قد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا لا تسمع إلا من يقول لك رأيت الحق وقال لي وفعل وصنع، ثم تطالبه بحقيقة منحها أو إسراء استفاده في شطحه فلا تجد إلا لذة نفسانية وشهوة شيطانية، يصرخ الشيطان على لسانه فيصعق<(19)؛ فإن كان ابن عربي يعيب عليهم هذا الانحراف الخطير، فكيف ينسب إليه نفس الادعاء، بل كيف يعقل أن يقول هو نفسه عكس هذا الكلام وهو الذي جند مقالاته من أجل انتقاد الصوفية في أحوالهم الظاهرة، وعدم اهتمامهم بالعلم الشرعي؛ وكان أشد ما يكون انتقاداً للطوائف >الحلولية والإباحية وغيرهم من هذا الطريق [الذين] ظهروا، وتظاهروا بالدعاوي··· فهم قرناء الشيطان، وحلفاء الخسران<(20)·أما الحديث عن تفضيل ابن عربي لآخر الأولياء على بعض الأنبياء أو تفضيل الأولياء على الأنبياء والرسل عامة، فهذا كلام يرفضه عوام الأمة فضلا عن علمائها·ولعل تفصيل ابن عربي في مقامات الأنبياء والأولياء يكشف عن زيف هذا الادعاء ويؤكد كذلك عملية الدس في مؤلفاته فهو يقول: >ليس لنا ذوق في مقامات الأنبياء حتى نتكلم على أحوالهم، وليس لأحدنا من مقامهم الإرث من مقامهم إلا كما يرى خيال النجوم على وجه الماء<(21)· إن طبيعة مثل هذه الأمور التي يجري فيها التعارض تحتاج إلى جهد جماعي من أجل إعادة قراءة تراث الأمة وتاريخها من جهة، وإلى إحسان الظن بأهل القبلة من جهة أخرى؛ ومهما يكن من أمر هذه التفسيرات فإن الذي يهمنا من عرض هذه الأحداث، هو تكوين صورة عن طبيعة العلاقة المتوترة التي خلقت مسافة فاصلة بين الصوفية والفقهاء قبل القرن الخامس الهجري على شكل محاكمات وتصفية جماعية لافتة للنظر، وبعد القرن الخامس على شكل انتقادات علمية أكثر اعتدالا، وإن كانت باقي القرون هي الأخرى شهدت بدورها صورا عنيفة لا تقل حدة وتوترا·وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القرن الخامس الهجري شكل منظورا تجديديا كان من شأنه التخفيف من شدة التصورات التي باعدت بين الفقيه والصوفي على يد رجلين مارسا الفقه بتخصص وعاشا التصوف بحرارة، هما القشيرى(ت465 هـ)، والغزالي (ت505 هـ) مع الأخذ بعين الاعتبار، أن للإطار الواقعي دوراً كبيراً في إنتاج هذا الحدث، فإطار الواقع الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي يتعين النظر إليه على النحو الذي ظهر لنا فيه تعدد الطوائف الفكرية، والانهيار الاجتماعي والتمزق السياسي وغير ذلك من آثار الواقع التي تحتاج إلى تفصيلات أخرى·ومهما يكن من أمر هذه التفصيلات فإن القضية لا يحكمها الإطار الواقعي على شكل صراع بين ''الفقه'' و''التصوف'' كنظامين معرفيين، بقدر ماهو صراع بين طائفتين تتنازعان القرب أو البعد من الشرع، وإلا فهناك التاريخ الذي يشهد بأن أغلب الفقهاء صوفية·

·(1)- ظهر الإسلام: أحمد أمين، ج2 ، ص57 ،ط5 ، دار الكتاب العربي، بيروت (د·ت)·(2)- المقدمة: ابن خلدون، ص469 ·(3)- أبو سعيد، أحمد بن عيسى الخراز· من أهل بغداد صحب السري السقطي وذا النون المصري· ومن أقواله: >كل باطن يخالفه ظاهر، فهو باطل< وهو رائد المدرسة الخرازية في التصوف·(4)- أبو الحسن، أحمد بن محمد النوري، ولد بغداد وصحب كبار الأئمة، وكان من أقران الجنيد -رحمهما الله جميعا-· من كلامه: >أعز الأشياء في زمننا شيئان: عالم يعمل بعمله، وعارف ينطق في حقيقة<· وكان يقول أيضا: >من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي، فلا تقربن منه<·(5)- أبو القاسم الجنيد البغدادي· لم يصحب إلا الأجلاء من المسلمين كخاله السري السقطي (ت257 هـ)، والحارث المحاسبي (ت243 هـ)· وكان يُعرف بسيد الطائفة الصوفية· رفض كلام الصوفية في حالات فنائهم، وقال لمن يقول في ذلك أن أهل المعرفة يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقوى إلى الله عز وجل: >إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال· وهو عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا<· وبنى الجنيد طريقته على صحو الإرادة، ومتابعة السنة ومراقبة الباطن، ورياضة النفس ومداومة الذكر والصوم· من أقواله: >الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم<· والناظر في كتب التراجم، والطبقات يجد الرجل في معزل عن التجريح· وللمزيد في تحصيل هذه الأقوال يُرجى أيضا الاطلاع على: ''الطرق الصوفية'' مخطوط بالخزانة العامة ضمن مجموع رقم 637 ك· و''المواهب القدسية'' مخطوط بالخزانة العامة بالربط أيضا رقم 97 ج·(6)- إيقاظ الهمم في شرح الحكم: ابن عجيبة، ص395 ·(7)- المصدر نفسه، ص398 (القصة بكاملها من ص 395 إلى ص(398 ·(8)- أبو الحسن علي بن إسماعيل بن حرزهم من أهل فاس·· كان قد رحل إلى المشرق، وانقطع مدة بالشام، فلقي هناك الإمام أبا حامد الغزالي، ثم عاد إلى فاس ومات بها· وهو من الصوفية الرواد في القرن 6هـ توفي سنة 559 هـ·(9)- معلمة المغرب: محمد زنيبر، ج4 ، مادة (ابن برجان)، ص1160 ·(10)- معلمة المغرب: ج4 ، ص1159 ·(11)- التيار الصوفي والمجتمع في الأندلس والمغرب أثناء ق·8 هـ 14/م: محمد مفتاح، ص168 ، رسالة جامعية: مرقونة بكلية الآداب، الرباط، المغرب، 1981م·(12)- الأخلاق المتبولية: الشعراني: ج1 ، ص137 ، 138 (13)- روح القدس في محاسبة النفس: محي الدين بن عربي، ص41 ·(14)- المصدر نفسه، ص42 ·(15)- تلبيس إبليس، ص193 ·(16)- المصدر نفسه، ص193 ·(17)- اليواقيت والجواهر في بيان عقيدة الأكابر: عبد الوهاب الشعراني، ج1 ، ص11 ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر 1959م·(18)- مجموع الرسائل: ابن تيمية، ج1 ، ص176 ·(19)- تراث الإنسانية، ج1 ، ص162 ·(20)- روح القدس، ص38 ·(21)- المصدر نفسه ص42·
 

''الإشارة'' عند الصوفية

 ذ· محمد المصطفى عزام(*)

كلية الآداب-الرباط

حجبهم بالاسم فعاشوا، ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا، ولو كشف لهم عن الحقيقة لتلاشوا< الحلاج·····l من معانيها اللفظية:للفظ الإشارة ثلاثة معان:- معنى المصدر الذي هو فعل الإشارة·- الشيء المشار به جارحة كان أو خطا أو صوتا أو غيرذلك·- المعنى الحاصل من الإشارة وهو الذي يستفيده المتلقي(1)·

الإنسان والأكوان بين السيميائية والعرفان استفاد الإنسان منذ القدم من دلالة العالم أو إشاريته (وهو مضمون السيميوتيقا) في رحلته وغذائه وأمنه وغير ذلك،كما استنطق الأكوان بما أحس أوتخيّل أو أمّل، وتحدث بعض الأسلاف عن أن >علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم<،كما قال بعض المعاصرين بأن >الإنسان يعيش في عالم دال<(2) ولكن أغلب الماضين والمعاصرين، لم يتجاوزوا الظاهرات أو ما تجاوب معها من خوالج النفس·أما الموجودات عند الصوفية، فلها وجود ظاهر هو صورها في الأعيان الظاهرة ووجود باطن هو معاني الألوهية الباطنة في تلك الصور؛ فالوجود الأول هو بمثابة جسم لا يقوم إلا بالوجود الثاني الذي هو روحه(3)·وعلى ذلك يبقى الإيجاد الإلهي مستمرا على الدوام، كما أن الإمداد الرباني لا ينقطع عن الموجودات لأنها جميعا، صورة ومعنى،''كلمات الله'' التي لا تنفد(4)، على أن الكلمة كما في اللغة تشمل اللفظ الظاهر والمعنى الباطن، فالموجودات كلمات ناطقة وإن لم يسمعها عامة الناس، إذ ليس في الوجود صامت أصلا بل الكل بحكم النص القرآني والكشف الصوفي ناطق بالثناء على الله حقيقة، غير أن الموجودات ليست ناطقة بذاتها وإنما من حيث هي مظهر للمتكلم فيها أو بها(5)، ومن ثم فالعالم عند القوم''مصحف'' كبير يحتوي حروفا>مرقومة في رق الوجود المنشور، ولا تزال الكتابة فيه دائما أبدا لا تنتهي< وليست تلك الكلمات مرقومة لذاتها وإنما هي رسائل موجهة إلى الإنسان(6)· ومما ينقله الإمام الشعراني عن الشيخ داود الكبير قوله:>ما ظهر كون قط علوي ولا سفلي إلا وهو دليل أو مثال على حضرة ربانية ونور معرفة خفية، وثم معارف لم يظهر لها مثال، ولا تخطر لذي بصيرة على بال<(7)·ولا تخفى أصول هذا التصور على كل متدبر لآيات القرآن الكريم ونصوص الحديث النبوي الشريف، لذلك لا ننخدع بأحكام المسارعين إلى مقولة التأثير والتأثر أو المنطلقين منها والباحثين عما يؤيدها من المتشابهات، كيف وقد نسب بعضهم (مثل ماسنيون) إلى ابن رشد العقلاني التأثر بمذهب الفيض(8)· أما مفهوم ''المثال'' الأفلاطوني (9) فلا يحمل وظيفة الدليل على الحضرة الربانية أوبها عليه (حسب نوع المستدل) كما في قول ذلك الصوفي الكبير، كما أن ''مثال'' أفلاطون يقف دون المعارف التي ليس لها مثال والتي هي من شأن العارف بالله· ولما كانت الغاية من الخلق أن يعرف المخلوقون خالقهم مصداقا لقوله سبحانه: >وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون< فقد جعل لهم >السمع والأبصار والأفئدة<، وهيأهم لسماع كلماته وشهود آياته وفهم أسراره، ومن ثم غدت جميع الأعيان الظاهرة بالنسبة للإنسان شواهد دالة على الغيوب الباطنة (10)

·l الإشارة علم التصوف:قال الروذباري عن التصوف >علمنا هذا إشارة<(11) ·فهو إذن العلم الذي تفرد به الصوفية بعد جمعهم علوم العقيدة والشرع وما تقتضيه من عمل، وعلوم الحكمة والمعرفة وما تقتضيه من تزكية للنفس وتهذيب للأخلاق وتطهير للسرائر، ثم علوم المشاهدات والمكاشفات التي لا يمكن التعبير عنها إلا بالإشارة (12)، ذلك أن ما تشاهده القلوب وتكاشف به الأسرار لا يعلم إلا بالتجربة العملية الحية التي تنقل صاحبها عبر منازل الأحوال والمواجيد والمقامات، ومن ثم تقصر العبارة المجردة وحدها عن وصف الواصف لتلك المنازل كما يقصر التلقي العرفي للعبارة عن درك مرامي الذائق الواقف في تلك المنازل؛ فتجانس التجربة أو تقاربها هو الكفيل بجعل الإشارة علما موضوعيا (نسبيا) بين مستعملها ومتلقيها، وإلا فهي تلويح بعيد أو غموض صريح، لكنها مع ذلك تبقى لغة تقنية خاصة بحقلها المعرفي الذي يتداول أهله مصطلحاته وعباراته الواصفة لمضامينه السلوكية، والمؤدية لوظائفه التربوية· فليس غريبا أن يسمى التصوف ''علم الإشارة'' كذلك·l بين المشير والمشار إليه:إذا كانت الإشارة إخبار الغير عن المراد بغير عبارة اللسان (13) (أي الجارية على قواعد العرف اللغوي، لأن العبارة نفسها قد تكون مشيرة إلى غير معناها اللغوي)، فإن المخبر أو المشير نفسه قد لا يجد العبارة المؤدية لما يريد تبليغه وذلك للطافة معناه(14)؛ كما أن المتلقي للعبارة المشيرة يخفى عليه معناها المراد إذا لم يكن من أهل الفن (15)؛ وحينما استنكر بعض المتكلمين ما اشتقه الصوفية من ألفاظ غريبة خرجوا بها عن اللسان المعتاد ( وكأن لم يصطلح غيرهم على عرف الخاص) قال بن عطاء:>ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه [أي على علم التصوف] لعزته علينا، كيلا يشربها غير طائفتنا<، (16) ومع ما يبدو في هذا الرد من تحد بليغ، لأنه من جنس السؤال، جدا أو هزلا، فإنه يؤكد حقيقة مقررة وهي أن لكل علم مصطلحه الخاص الذي يتداوله أهله لتسهيل التواصل فيما بينهم، ومن شروط صحة هذا المصطلح أن لا يطابق مدلوله مدلول العرف المعتاد، حتى يؤمن اللبس؛ إن في تداول غير الصوفية بعض المعاني الذوقية العميقة تجن >على المعرفة ووقوع في سوء الفهم وفتنة الناس، وهذا ما يقع أحيانا حينما تغيب الأحوال وتحضر الأقوال مفرغة من مضمونها القلبي والخلقي، فيتعرض مستعملها للدعوى أو التمويه ومتلقيها للاغترار أو التهويم· وقد قال قائلهم في هذا المجال:إذا أهل العبارة ساءلونا أجبناهم بأعلام الإشارة نشير بها فنجعلها غموضا تقصر عنه ترجمة العبارة   ونشهدها وتُشهدنا سرورا له في كل جارحة إثارة ترى الأقوال في الأحوال أسرى كأسر العارفين ذوي الخسارة ولا شك أن الإشارة عند القوم بمعنى المشار إليه، فالإشارة اللغوية عبارة أيضا، أو قل إن الرمز اللغوي إما أن يكون مباشرا للمعنى المراد وهو ''العبارة'' أو يكون غير مباشر أو نوعا من المجاز الرامز وهو ''الإشارة''

·l بين التحصيل والتوصيل:الإشارة عند القوم آلية من أهم آليات السلوك الصوفي باعتبارها >محجة العبد إلى الله< في مقابل العبارة التي هي حجة الله على العبد(17)· ولما كان السالك في طريق التصوف طالبا لتزكية نفسه ومعرفة ربه لزمه أن يتعلم من كل شيء يوصله إلى مطلبه، ولكي يتعلم فإن عليه أن يقرأ باسم ربه في آيات وحيه وفي كلمات خلقه وفي خطرات قلبه، والقراءة هنا تدبر وتبصر وتخلق تسير بالقارئ من فهم إلى فهم، ولكل فهم مزيد تحقق في الفهم وفي الفعل، وانفتاح للبصيرة على إشارات الوحي ومعاني الآفاق والأعماق، فيغدو ترقي الفهم (الذوق) مساوقا لترقي الذات العارفة·وهذا العلم ليس هو نهاية الترقي الصوفي، ذلك أن الإشارة تنعدم في مقام المعرفة الكاملة >فالعارف من لا إشارة له لفنائه عن وجوده وانطوائه في شهوده< كما يقول العارف بالله ابن عطاء الله؛ لكن التربية الصوفية باعتبارها تعلما وتعليما تقتضي اتخاذ الإشارة وسيلة لهذه التربية، فالمريد يتعلم من الإشارة في جميع مراحل سلوكه وهو يستفيد منها لأنها صادرة من الحق إليه بوسائط الخلق في كل المظاهر الكونية·قال الجنيد:>هوذا تشير يا هذا، فكم تشير إليه، دعه يشير إليك<(18)·فأستاذ التربية الروحية في مدرسة التصوف يستعمل الإشارة لتسليك المريد، وغالبا مالا يستعمل العبارة المباشرة، لأن النفس البشرية أكثر نفورا من مباشر الألفاظ، والإشارة بوجوهها أنفذ إلى القلب، كما أن الشيخ العارف يختار ما يناسب حال التلميذ وطبيعته وما يكون تأثيره أكثر وأسرع من إشارات القول أوالفعل أو الحال، وتلك حكمة يؤتاها من شاء الله، ليدعو بها إلى الله·

الهوامش:·(1) التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق لطفي عبد البديع، مصر، 1972,؛.114/4(2) التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، بيروت، 112/1؛ 12 ِِ ،1970REIMAS,Du sens,Parisا (3) ابن عربي الحاتمي، فصوص الحكم، بيروت، ,1980ص 69-68؛ لويس ماسينيون،مصطفى عبد الرزاق، الإسلام والتصوف، القاهرة ,1979ص .24(4)الحاتمي، الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، 2/390؛ 3/524؛ 4/.65 (5) الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، تحقيق حسين القوتلي، دار الفكر، ط، 3·,1982ص 186؛ الحاتمي، الفتوحات ،.277(6) الحاتمي، الفتوحات، 1/;101 2/180 و.390(7) الشعراني، الطبقات الكبرى، دار الفكر، 1/.191(8)ينسب أبو العلا عفيفي إلى بعض الصوفية التأثر بنظرية المثل الأفلاطونيةأنظر :فصوص الحكم، ص·69-68؛ الإسلام والتصوف، ص .24(9) أفلاطون، فيدون، ترجمة علي النشار وعباس الشربيني، مصر، ,1965ص .224/223(10) المحاسبي، ص .232(11) السراج الطوسي، اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، مصر، ,1960 ص .114(12) الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، بيروت، ,1980ص .8986(13) الهجويري، كشف المحجوب تحقيق إسعاد قنديل، بيروت، ,1980ص .629(14) السراج، ص .114(15) قال الروذباري:>علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفي< السراج، ص .114(16) الكلاباذي، ص .89-88 (17) الحكيم الترميذي، بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب، تحقيق نيقولا هير، مصر، ,1958 ص .58