عدد12

في هذا العدد

الاستهلال

 التصوف صحبة  ذ·الحسين ألواح

عوائق التواصل من المنظور الصوفي ذ· منير القادري بودشيش


ملاحظات حو ل التجربة الصوفية المعينية  د·محمد الظريف

التصوف الإسلامي بالمغرب رجال ومدارس ذة· حليمة بنكرعي

التصوف مدرسة للتربية والأخلاق د· هشام سلطان

 مقــاصــد التربيـة الصوفية د·عبد الله معصر

 

الاستهلال

أحسن الباري إلينا فأوجدنا في أحسن تقويم، وأحسن الهادي إلينا فأمدنا بأسباب الصراط المستقيم· كتب المصور سبحانه الإحسان على كل شيء، ونحن مطالبون بتقرِّي هذا الإحسان في الكون من حولنا، مطالبون بتحري الإحسان في فعالنا، مطالبون بأن يحسن بعضنا إلى بعض أسوة بمن عرَّف الإحسان بــ >أن تعبد الله كأنك تراه< حينما جاء ''الأمين'' يعلِّم الدين، و>الدين المعاملة<·سمى بعضنا الإنفاق إحسانا والمنفق محسنا، وقد يكون اسم جزء أطلق على كل، ولكن المحسن لا يكون محسنا حتى لا يرى لنفسه إحسانا، بله أن يرى لنفسه مِلكا مع المالك الحق، ففاقد الشيء لا يعطيه، والإنسان أصلا فقير من كل شيء، وإذا ملك شيئا فإنما هو إحسان من السيد للعبد، والعبد وما ملك لسيده، فكيف يبخل وقد أمره سيده بالإنفاق·والإنفاق تطهير للنفس من هوى التملك ونفع للغير نفعا يسعده ويسعد المنفق، والإنفاق تخلق بوصف الرب ''الكريم'' الذي خلق وأعطى ووفق للعطاء واشترى ما أعطى ثم أجزل الربح لمن أطاع فأعطى·فهل بقي للعبد فضل فيما يملك أو يعطي؟ لكنه تعالى >إذا أراد أن يظهر فضله عليك، خلق ونسب إليك< كما تقول حكمة واحد من المحسنين·ولاشك أن نسائم قرب شهر الإحسان إذ تهب علينا في شهر النبي الكريم عليه السلام -شعبان - تذكرنا بأنه كان أجود ما يكون في رمضان، فهل يكون لنا في التأسي به إحسان؟وعددنا هذا من ''الإشارة'' التي بين يديك أيها القارئ الكريم، لا تصبو إلا إلى الإحسان في متنوع صوره، في الدراسات والاستشكالات ونماذج الرجالات والأعمدة والمتابعات وغيرها···

عوائق التواصل من المنظور الصوفي

 ذ· منير القادري بودشيش


أستاذ باحث في التواصل والتصوف بالسربون

يتجه الطب الصوفي مباشرة، إلى أصل العوائق في الإنسان، والعضو المسؤول عن كل تصرفات المرء وأفكاره واعتقاداته، ألا وهو القلب· فإن صلح، صلح كل شيء في الإنسان، وهكذا يمكن الاشارة إلى نوعين خطيرين من العوائق هما:

أولا: عوائق التواصل بين المخلوق والخالق يتجه الصوفية خبراء الطب القلبي المعنوي، مباشرة إلى العوائق والآفات القلبية باعتبارها الداء العضال، ومعضلة المعضلات، وأساس القطيعة بين المخلوق وخالقه عز وجل، وذلك لمداواتها وتنويرها، ليرتبط القلب بتواصل دائم مع الله تعالى· فكيف ذلك؟نشير أولا إلى بعض الأمراض والعلل القلبية التي تعتبر من أشد عوائق تواصل القلب مع الخالق عز وجل، ومن هاته العلل والآفات هناك·1 ـ غفلة القلب: وهي انطماسه وانغلاق بابه عن الذكر إما بكيفية دائمة أو نسبية، وخطورة الغفلة القلبية أنها تحول دون استجابة الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: >ادعوا الله وأَنتم موقنون بالإجابة واعلموا أَن الله لايقبلُ الدُّعاءَ من قَلب غافل لاه<، إذن فالله تعالى لا يستجيب للقلب الغافل، قال تعالى: >ولا تُطعْ منَ أَغفلْنا قَلبهُ عن ذكرنَا واتبعَ هواهٌ وكانَ أمره فرطا< ·وهكذا يظهر أن الغفلة القلبية عائق كبير عن التواصل بين العبد ومولاه·2 ـ قسوة القلب: وهي تصلب وجمود وعدم تجاوب مع الذكر وبالتالي عدم التواصل مع المذكور، وهاته القسوة تؤدي إلى الفسوق· قال تعالى: >فقستْ قلوبهم وكثير منهم فاسقون< بل من أسوأ آثار قسوة القلب، هو انقطاع التواصل مع الله تعالى، جاء في حديث نبوي، أخرجه الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال >لاتُكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثْرة الكلام بغيْر ذكر الله قسْوة للقَلبِ، وإنّ أبعد الناسِ من الله القلب القاسي<·3 ـ النفاق: انه آفة قلبية خطيرة، وهي نتيجة ناجمة عن ترك ذكر الله عز وجل أو قلة الذكر، مما جعل تواصلهم مع الله مقطوعا، قال تعالى: >وإذا قَاموا إلى الصلاةِ قاموا كُسالى يراؤون الناس ولايذكرونَ الله إلا قليلا مُذبذَبين بينَ ذلك لا إلى هؤٌلاء و لا إلى هؤلاءِ<، وقد حذر القرآن الكريم في آيات كثيرة من أعراض ومضار وعواقب النفاق، باعتباره من العوائق القلبية الجسيمة والقاطعة للتواصل مع الحق عز وجل·ولو تتبعنا كل الآفات والعوائق القلبية للتواصل لاحتاج الأمر إلى أبحاث مستفيضة، وغرضنا من هاته الإشارة لما ذكرناه من الأمراض، هو التأكيد على أن الصوفية واجهوا أشد وأخطر عوائق التواصل لأنها تفسد تواصل مرضى القلوب مع الخالق والمخلوقات؛ وهكذا فمن المضاعفات السيئة، والنتائج الوخيمة لما ذكرناه آنفا من عوائق، أنها تدفع أصحابها إلى اتباع الهوى، لأن القلب المتحكم في الجوارح غافل عن الله وقاس ومنافق فيتبع الهوى والضلال، قال تعالى: >واتبع هواه وكان أمرُهُ فُرطا<·كما ينجم عن أمراض القلب، عمى القلب، نظرا لقوة الحجاب والظلمة التي تمنع النور من الولوج، وقد كشف القرآن الكريم عن هاته الحقيقة: >فإنها لاتعمَى الأَبصارُ، ولَكنْ تعمَى القُلُوب التي في الصّدُور<·والخلاصة من هاته القراءة التشخيصية لبعض العلل القلبية التي يتصدى لمداواتها خبراء الطب المعنوي، أن هاته العلل تشكل يقينا عوائق خطيرة تحرم المرء من لذة التواصل مع الخالق عز وجل، وأيضا (وطبعا) مع المخلوقات· إذن ما أشد الحاجة إلى العلاج القلبي النوراني لتجاوز القطيعة وربط الصلة بين العبد وربه·

ثانيا: عوائق التواصل بين المخلوق والمخلوقات هنا يمكن إدخال العوائق التي تفرزها الدراسات النفسية والتواصلية الحديثة، والتي تهتم بظاهرة معوقات التواصل، وهي إما ذات طبيعة لا شعورية إسقاطية، وإما ذات طبيعة سوسيو- ثقافية·لكن علاوة على هاته الأنواع، فإن الصوفية يتصدون إلى أعمق من هاته المعوقات، بل إلى أصلها ومنبعها، ألا وهي: النفس الأمارة بالسوء، جاء في القرآن الكريم >ومَا أُبرئ نفسي، إنَّ النفْسَ لأمَّارة بالسُّوء إلا ما رَحم ربّي، إنّ ربّي غَفورٌ رحيمُ<، وصيغة الأمارة تدل على الإلحاح والاستمرار في المطالبة بالسوء والأمر به وتلجأ في ذلك إلى الحيل النفسية، كتقديم المبررات المغلوطة، أو الاحتيال على العقل لحظة غفوته أو تهاونه لتحقق أغراضها الشهوانية؛ فالنفس الأمارة ضاغطة دوما على صاحبها، ملحة عليه أبدا، ولا ينجو من حبائلها، والاستجابة لرغباتها، إلا من تاب واستعان بمن يعينه عليها، ويقوي جانبه في الله، وهذا ما تقوم به التربية الصوفية، وهاته النفس الأمارة ما كرة في تواصلها مع الذات ومع الآخرين، فهي تسد على صاحبها أهم وسائل وأدوات الاتصال والتواصل، ليبقى تحت وطأتها، ملبيا لمطالبها الأنانية اللامنتهية، قال تعالى: >ولَقد ذرَأنا لجهنّم كثيراً من الجن والإنْس لهُم قلُوبٌ لا يفقَهُون بها، ولَهُم أَعينٌ لا يُبصرُون بها، ولهُم آذانٌ لا يسْمعون بهَا، أولئك كالأَنعام بل هُمُ أضل أولئِكَ هُمُ الغافِلون<·فهؤلاء الذين عطلوا حواسهم وقلوبهم، كيف يهتدون إلى التواصل مع الله أو مع عباده، لطغيان النفس الأمارة وإلحاحها في المداورة والمناورة، باختلاق أساليب تواصلية خادعة وماكرة، من أجل الانهماك الكلي في الجانب الشهواني المفرط، والذي يشكل إهدارا لكرامة النفس الإنسانية·
 

 مقــاصــدالتربيـة الصوفية

 د·عبد الله معصر

كلية الآداب -فاس

إن غاية التربية الصوفية هو بناء شخصية مسلمة سوية تجمع بين مطالب الدين والدنيا وعالم الغيب وعالم الشهادة، لذلك تتوخى التربية الصوفية تحقيق المقاصد الحقيقية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية· وبذلك فهي تركز على مفهوم التعبد باعتباره يشكل قلب النسق العقدي الذي يرتكز عليه الإسلام في صياغة الشخصية المسلمة، ذلك أن هذا المفهوم يمتد ليشمل جميع جوانب السلوك الإنساني ما ظهر منه وما بطن.والتعبد في حقيقته >هو الرجوع إلى الله في جميع الأحوال والانقياد إلى أحكامه على كل حال<)1(، فهو تجسيد للعبودية التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، وتحقيق للغاية السامية التي وجد من أجلها >وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون<(2)، فهي عبادة يستوجبها جمال الله وجلاله، وهي خضوع بالجوانح والجوارح؛ وقد ركز الصوفية في تربيتهم على تحقق الفرد بالتعبد لأنه يقتضي تعميق سلطان العقيدة على مستوى الوجدان والشعور النفسي للفرد، إذ كلما قوي سلطان العقيدة في باطن الفرد ووجدانه انعكس ذلك على جوارحه ونظم حياته، فيكون الفرد ربانيا في حركاته وسكناته.وقد أسس الصوفية منهجهم التربوي في تحقيق التعبد من خلال ما يلي:1 - التأكيد على وجوب موافقة مقاصد العبد لمقاصد الشارع أي أن العبد لا ينبغي أن يسترسل مع أغراضه العاجلة وشهواته النفسية الزائلة، فلا يكون عبداً لهواه، لأن المقصود الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا<(3)·وموافقة مقاصد الشارع في المنهج التربوي الصوفي تقتضي تجاوز العلائق النفسانية، والتحرر من الأوصاف البهيمية الشهوانية >وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى<(4)، والهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس(5)· والتبعية تقتضي تحقيق مقاصد الشارع وخروج العبد عن اتباع هواه، ولا يكون ذلك إلا بإخلاص العمل فتكون حركات العبد وسكناته متحررة من الحظوظ الدينية والأهواء النفسية >قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين<(6).فتحقيق التعبد رهين بوجود الإخلاص، وحصول الإخلاص يتطلب تزكية الباطن وذلك بتجلية الغفلة عن مرآة القلب حتى تكون البصيرة حية تهفو إلى خالقها، ويكون الفرد المسلم موصول العلاقة بخالقه في حركته وسُكونه وتكون علاقته بالأشياء محكومة بتلك القاعدة الذهبية، إثبات العلاقة الحسية المادية بالأشياء ونفي التعلق المعنوي الباطني بها.ومن هذا المنظور أكد الصوفية على وجوب علاج آفة الغفلة عن الله لأنها تؤدي إلى انغلاق القلب مما يحول دون تلقيه المعاني السامية، وهذا يجعله يعيش انفصاما نكدا بين مطالب الروح والجسد·إن غياب مقصد التعبد في السلوك الإنساني المعاصر جعل الإنسان أسير الجسد يعيش كحمار الرحى ينتقل من شهوة إلى أخرى وهو لا يخرج عن مطالب البدن >ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون<(7).إن غفلة الإنسان تلحقه برتبة بهيمية الأنعام يشاركهم في علائقهم الجسمانية وأوصافهم الحيوانية ولا يتميز عنهم بجوانبه الروحية.2 - الرعاية لحقوق الله في التصرفات والأحوال، والمنهج التربوي الصوفي من هذا المنظور يعمل على تحقيق الانسجام والتوافق بين الأبعاد الثلاثة العقدية والأخلاقية والتشريعية...أما على المستوى العقدي فرعاية حق الله تقتضي تحقيق العبودية المطلقة لله تعالى.وأما على المستوى الأخلاقي، فالتحقق بالأخلاق السنية ورعايتها وتنميتها في الذات الإنسانية حتى تصير وصفا يرسخ في النفس فتصدر عنه الأفعال بيسر وسهولة، فهي جمع بين ما يقتضيه مقام الحق وبين ما يستدعيه وصف الخلق، أو هي امتثال لأوامر الربوبية في الباطن بحسن أوصاف العبودية في الظاهر، فهي اتصاف بأخلاق الظاهر والباطن، والنظر إلى الأوامر والنواهي باعتبار ما يوجبه ظاهرها وباعتبار ما يختزنه باطنها >ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن<(8)، >وذروا ظاهر الإثم وباطنه<(9)·وأما على المستوى التشريعي فتحقيق الامتثال الكامل للأوامر والنواهي حيث توافق صورة الطاعة حقيقة مقصدها، وتكون الاستجابة لتطبيق الأوامر والنواهي استجابة سوية يصدق فيها الباطن الظاهر وهذا المستوى يحقق فيه الفرد المقاصد الحقيقية للطاعات.إن اهتمام الصوفية في تربيتهم للمريدين بهذه الأبعاد القصد منه إيجاد شخصية مسلمة سوية قادرة على تحقيق المهمة التي أنيطت بها (الخلافة عن الله)، وإن غياب هذه الأبعاد معناه حضور الأنا الحيواني في الإنسان وتضخيم البعد المادي البهيمي فيه.

 الهوامش 1- الموافقات ج·2 ،ص·1152- سورة الذاريات الآية 563-الموافقات ج·,2 ص·1144-سورة النازعات الآية 405- إحياء علوم الدين ج·,5 ص·946- سورة الأنعام ج·,5 ص·1657- سورة الأعراف الاية 1798- سورة الأنعام الآية 1529- سورة الأنعام الآية 121
 

ملاحظات حو ل التجربة الصوفية المعينية

 د·محمد الظريف

أستاذ التعليم العالي-كلية الآداب-المحمدية

لم يخصص شيوخ زاوية ماء العينين أعمالا مستقلة في وصف تجربتهم الصوفية وبيان حدودها وأبعادها، وإنما صدرت عنهم في ذلك إشارات عابرة ولمع مقتضبة وردت في سياق ما خلفوه من آثار صوفية ككتاب ''نعت البدايات وتوصيف النهايات'' و ''فتق الرتق على راتق الفتق'' و ''مبصر المتشوف على منتخب التصوف'' و''السيف والموسى على قضية الخضر وموسى'' و ''النفحة الأحمدية'' وغيرها·من هذه الإشارات -على سبيل المثال- قول الشيخ ماء العينين في حديثه عن التصوف: ''التصوف هو الوقوف مع آداب الشريعة ظاهرا وباطنا ، فيرى حكمه من الظاهر في الباطن، ومن الباطن في الظاهر، فيحصل من الحكمين كمال لم يكن بعده كمال ·· ومبنى التصوف على ثلاث خصال هي التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل والايثار، وترك التعرض والاختيار''(1)· وقوله:''التصوف علم لدني يحصل بطريق الفيض الإلهي والإلهام الرباني لا بطريق التعبيراللفظي والتدريب القولي''(2)· ومن ذلك أيضا قوله: ''أصل التصوف مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم ''أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك'' لأن معاني صدق التوجه لهذا الأصل راجعة، وعليه دائرة، إذ لفظه دار على طلب المراقبة الملزومة فكان الحظ عليها حظا على عينه، كما دار الفقه على مقام الإسلام والأصول على مقام الإيمان· فالتصوف أحد أجزاء الدين الذي علمه صلى الله عليه وسلم جبريل ليتعلمه الصحابة رضوان الله عليهم''(3)·هذه الإشارات وغيرها تنبني على عنصرين أساسيين يلخصان التجربة الصوفية المعينية:العنصر الأول: يتعلق بالتصوف باعتباره تجربة باطنية ظاهرية تقوم على تلازم الظاهر والباطن·العنصر الثاني: يتعلق بغايات التصوف ومقاصده باعتباره سلوكا وقيما أخلاقية·فحقيقة التصوف تتحدد حسب العنصر الأول في كونه ''وقوفا مع آداب الشريعة ظاهرا وباطنا'' أي تلازم الظاهر والباطن، والوقوف مع آداب الشريعة الإسلامية موقفا ظاهريا بترك النواهي وفعل الأوامر وموقفا باطنيا برؤية الباطن في الظاهر والظاهر من خلال الباطن· والمقصود بهذا التلازم بين الظاهر والباطن ارتباط الشريعة والحقيقة ارتباطا شرطيا واجتماعهما اجتماعا اقتضائيا، وذلك بفهم النصوص التشريعية الإسلامية فهما باطنيا وتأويلها حسب ما تقتضيه الشريعة·وقد وردت إشارات كثيرة إلى هذا التلازم بين هذين المستويين من مستويات النظر إلى الشريعة الإسلامية في الكثير من العبارات الصوفية المعينية · منها: ''ركوب سفينة الشريعة في بحر الحقيقة''(4)، و ''دخول بيت الشريعة من باب الحقيقة'' (5)، وغيرهما من التعابير الصوفية المعينية الدالة على اقتضاء الحقيقة للشريعة· ويوضح الشيخ ماء العينين هذا الاقتضاء في كتابه ''السيف والموسى''، فيقرر ''أن العلم الباطني من العلم الظاهري، بمنزلة الروح واللب من الجسد والقشر، وبمنزلة المعنى من الصورة· والعلم الظاهري من العلم الباطني، بمنزلة الفرد الناقص من الفرد الكامل''(6)· هذا التلازم بين الظاهر والباطن في فهم الشريعة الإسلامية، يوضح التجربة الصوفية المعينية توضيحا دقيقا ويحدد أبعادها وحدودها تحديدا بينا· فالتصوف المعيني -حسب هذه الإشارات- نظر باطني للشريعة، وتأويل عميق لنصوصها، >أي إرجاع معاني هذه النصوص إلى مالها<(7)· وهذا ما ذهب إليه ابن منظور في بيان كلمة التأويل (8)· ولعل الشيخ ماء العينين ينطلق في تحديده لمعنى هذه الكلمة من قوله تعالى: ''هل ينظرون إلا تأويله، يوم يأتي تأويله، يقول الذين نسوه من قبل، قد جاءت رسل ربنا بالحق''(9)·وليس قيام التصوف المعيني على التأويل مجرد تصور نظري تنحصر حدوده في هذا التعريف الاصطلاحي لهذا المجال المعرفي، ولكنه إجراء عملي نلمس آثاره في مختلف مستويات الخطاب الصوفي المعيني ونلمسها في تفسير بعض السور والآيات، وفي إعطاء دلالات بعض الأرقام والحروف والكلمات، في تأويل بعض الرؤى والأحلام والأحداث·ففي التفسير تلتقي جميع وسائل التحليل اللغوية والنحوية والبلاغية لترجيح المعاني الصوفية التي تشكل عالم التصوف المثالي، ويختفي منطق الظاهر، وعالم الحس والعقل، ليمارس الذوق فعاليته التأويلية· ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما جاء في كتاب''السيف والموسى على قضية الخضر وموسى''فهذا الكتاب ينبني في مجمله على تفسير قصة الخضر وموسى كما وردت في سورة الكهف في قوله تعالى: ''وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا، فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما، فاتخذ سبيله في البحر سربا· فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا غذاءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا···'' (10)·فـ ''الفتى''و ''البحران''و ''الحوت''و ''السفر'' حسب تفسير الشيخ ماء العينين لهذه الآية لا تدل على معان حقيقية، كما يفهم من ظاهرها، ولكنها ذات دلالات صوفية، لها أبعاد باطنية عميقة· فالبحران ''موسى والخضر، لأنهما كانا بحري علم· فموسى بحر الظاهر والباطن، والغالب عليه الظاهر، أي الشريعة· والخضر بحرهما، والغالب عليه الباطن، أي الحقيقة'' (11)·ويستنتج الشيخ ماء العينين من هذا التأويل الباطني لهذه الآية إشارات صوفية بعيدة الدلالات· منها: ''أن الطالب الصادق إذا قصد خدمة شيخ كامل يسلكه طريق الحق يلزمه مرافقة رفيق التوفيق، ومعه حوت قلبه الميت بالشهوات النفسانية المملح بملح حب الدني وزينتها· ومجمع البحرين هو الولاية بين الطالب وبين الشيخ· ولن يظفر المريد بصحبة الشيخ ما لم يصل إلى مجمع ولايته··· وعند مجمع الولاية عين الحياة الحقيقية· فبأول نظرة من تلك العين تقع على حوت قلب المريد يحيى ويتخذ سبيله في البحر''(12)، إلى غير ذلك من التأويلات التي تتعلق بعالم المجاهدة والتأدب والتربية·وفي أسرار الحروف والأسماء والأعداد والأشكال، تحضر لغة الباطن، ويصير عالم الظاهر مجرد تجل سطحي لعالم الحقيقة الباطني، الذي يمثل الأصل· فجسم الإنسان ليس إلا صورة مكبرة لاسم الرسول صلى الله عليه وسلم، باعتباره ''روح الأرواح، ومادة الكائنات، وأصل الوجود والفلاح ، والله تعالى خلق آدم على صورة محمد صلى الله عليه وسلم، وكون الكون على هيئة رسمه· فرأس آدم بتدويره على صورة الميم الأولي، وإرسال يديه مع جنبيه على صورة الحاء، وبطنه على صورة الميم الثانية، ورجلاه في انفتاحهما على صورة الدال'' (13)·ولكل اسم من أسماء الله، أو حرف من حروفها دلالات ذاتية على مجموعة من المعاني الصوفية· فاسم (الرحمن) مثلا، ''تحته جميع الأسماء الإلهية النفيسة، وهي سبعة: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام· فأحرفه سبعة، وهي الحياة؛ ألا ترى إلا سريان حياة الله في جميع الأشياء···· واللام مظهر العلم··· والراء مظهر القدرة···'' (14)·ولكل عدد سر من أسرار الصوفية· ''فكل عدد مفرد، يتصرف في عالم القبض، وكل عدد مزدوج يتصرف في عالم البسط· (15)· ومن رأى أنه يعد إثني عشر في المنام، فإنه يظهر بالسنة، أو تظهر سنة في البلد الذي هو فيه (16)· وللعدد أربعة دلالات صوفية عميقة، فسر التربيع جاء في الحقائق الكلية، كتربيع العرش الأعظم والعناصر الأربعة والأركان الأربعة، والأربعين الموسوية''· (17)·وهذه الأسرار والمعاني الصوفية العميقة التي تنشأ من تأويل النصوص التشريعية في مختلف مستوياتها الإشارية والصوتية والمعجمية والتركيبية والرسمية، لا تتيسر لأي كان، ولكنها وقف على ''أولياء الله وخواص خلقه'' (18)· فهم وحدهم العارفون بالمعاني الباطنية لهذه النصوص، والمالكون لأدوات هذا العلم اللدني الذي وهبه الله لهم دون غيرهم من عباده· وقد انتقل إليهم هذا العلم عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعتبربيته ومدينته· أما بابه فهو علي بن أبي طالب·وينطلق الشيخ ماء العينين في هذا القول من تأويله للحديث النبوي الشريف: ''أنا مدينة العلم وعلي بابها'' (19)· وعن علي بن أبي طالب توارثه أولياء الله الذين اجتهدوا في قراءة النصوص· وهذا ما تؤكده السلسلة الإسنادية لسائر الاتجاهات الصوفية الاسلامية·ولا يتم إدراك أولياء الله للمعاني الصوفية المستنبطة من الشريعة الإسلامية، عن طريق العقل، وإنما يتوصلون إليها عن طريق القلب والذوق، الذي يقذفه الله في قلوبهم· وقد عبر الشيخ ماء العينين عن ذلك في منظومته الصوفية (الكبريت الأحمر) بقوله:وبعد ذلك لا ينبغي التعبير عن الشهود فادر يا خـبـيـر لأنه بغير ذوق ما دري والذوق فيه يغني عن معبر(20)ويوضح ذلك أيضا في تمييزه بين أدوات العلم الظاهري، وأدوات العلم الباطني، وتفريقه بين منهج المعرفة الظاهرية، ومنهج المعرفة الباطنية· ''فالمتعلم من المخلوق، إنما هو العلم الظاهري المتعلم بالحروف والصوت ،لا العلم الباطني المتعلم من الله بلا حرف ولا صوت ، بل بذوق وكشف إلهي، وإلقاء وإلهام سبحاني، لأن جميع علوم الباطن إنما تحصل بالذوق والوجدان والشهود والعيان ،لا بالدليل والبرهان ،وهي ذوقيات لا نظريات ،فإنها ليست بطريق التأمل السابق ، ولا بسبيل التعجل اللاحق بترتيب المبادئ والمقدمات وعلى اعتبار حصولها بطريق الانتقال بالواسطة، لا بطريق الذوق بغير واسطة··''(21)فكل نظر عقلي للشريعة الاسلامية يحول دون الوصول إلى حقيقتها،ويمنع من استكناه جوهرها، إذ ''الواقف مع رتبة الدليل بالكائنات، محجوب عن عيان المشاهدات ،قانع بالقشر عن اللباب ،وإن كان من أولي الالباب·''(22)·هذا الاعتماد على الفعالية القلبية، حدد للتجربة الصوفية المعينية - كغيرها من التجارب الصوفية الاسلامية- طريقة خاصة في التعبير، وفرض على أصحابها لغة متميزة في التبليغ، تقوم على الرمز والإشارة، بدل الصوت والعبارة· فكما لا تخضع هذه التجربة لحدود العقل وقواعد المنطق، فإن وسيلتها التعبيرية، تنفلت بدورها من هذه القيود الظاهرية، وتفتح الباب أمام التأويل ولغة الرمز والإشارة· وقد أضفى هذا الخرق لقواعد المنطق والعقل على الكتابة الصوفية المعينية شيئا من الغموض والعمق والغرابة لذلك ألف الشيخ ماء العينين دليله الاصطلاحي الصوفي الإيضاح لبعض الاصطلاح لتقريب المصطلحات الصوفية إلى الأذهان، ومساعدة أهل الله على فهمها، وإن كان ذلك لا يؤدي إلى اكتساب المعارف الصوفية التي تغيب عن عالم الحس، ولا تدرك إلا بالذوق والالهام·لكن الوصول إلى كنه الشريعة الاسلامية لا يتم بالتخلي عن ميزان العقل، وتربية الذوق فقط، بل لابد من سلوك طريق شاق وعسير تقصر مسافته وتطول حسب استعداد كل مسافر في عالم الحقيقة، وحسب قدرته على الصبر ومكابدة المشاق· وينبني هذا الطريق على أساس واحد، هو مجاهدة النفس وترويضها، وتهييئها للاتصال بعالم الحقيقة· فالنفس هي عدو الانسان الذي يسعى إلى هلاكه، كما يسعى الأسد إلى هلاك فريسته (23)· وهي ربيب الشيطان في المكر والاغواء وإلقاء الفتنة والفساد (24)· ولذلك ينبغي مجاهدتها ومغالبتها، بتصفية مرآة الذوق، وإظهار ما تحجبه عن الإنسان من حقائق باطنية(25)·وترجع هذه العدوانية التي تتميز بها النفس إلى طبيعتها البهيمية· فقد خلق الله الإنسان ''أرضيا سماويا ملكيا··· وجعل له عقلا وشهوة·فمن غلب عقله على شهوته، فهو من الملائكة· ومن غلبت شهوته على عقله فهو من البهائم· ونقل الطباع من البشرية إلى الملكية لا يكون إلا بالمجاهدات والمكابدات وارتكاب مشاق الطاعات، حتى تصفو النفس من كدر الشهوات''(26)·فلا تصفو النفس، ولا ينفذ الذوق إلى عالم الباطن، ويدرك الحقائق الباطنية الأصلية إلا بقتل الطباع البهيمية، والقضاء على الجانب الحيواني في الذات الإنسانية· حينئذ ''يحيى القلب، وينصرف بالطبع والمحبة الأصلية إلى عالمه، عالم القدس والنور والحياة الأصيلة الدائمة التي لا تقبل الموت أصلا'' (27)·ولا تتحقق هذه الغاية إلا بأمرين: التحلي بالأخلاق الحميدة، والتخلي عن الصفات الذميمة· وهذه الصفات الذميمة -حسبما قرره الشيخ ماء العينين- هي: ''الجهل والغضب والحقد والحسد والبخل والتعاظم والتكبر والعجب والغرور والرياء، وحب الجاه والرئاسة، وكثرة الكلام والمزاح والتزين للخلق، والتفاخر وكثرة الضحك، والتقاطع، والتهاجر، وتتبع العورات، والأمل والحرص وسوء الخلق'' (28)·أما الصفات الحميدة، فهي: ''العلم والحلم، وصفاء الباطن، والكرم والتذلل والرفق والتواضع، والصبر والشكر، والزهد والتوكل، والمحبة والشوق ···'' (29)· وغيرها من الصفات المثالية·فالتحلي بهذه الأوصاف، والتخلي عما قبلها، هو المراد من سلوك طريق التصوف· وهو المقصود من التعريف الاصطلاحي المعيني للتصوف حينما بناه الشيخ ماء العينين على التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل والايثار، وترك التعرض والاختيار(30)·والغرض من هذه المجاهدة القائمة على التحلي والتخلي، هو الاتصاف بالكمال، والخلاص من قبيح الخصال، وحصول كمال ليس بعده كمال· وهذا هو العنصر الثاني الذي ينبني عليه التعريف الاصطلاحي المعيني للتصوف·هذا الكمال، هو معرفة الله تعالى، وتجلي الحقائق الباطنية، وشهود الصفات والذوات والأفعال الربانية· فليست مجاهدة النفس إلا شكلا من أشكال معرفتها، والوقوف على جوانبها الذميمة وتجاوزها، ومعرفة جوانبها الحميدة والتخلق بها· وتؤدي هذه المعرفة إلى معرفة سامية، هي معرفة الله· فمن عرف نفسه عرف ربه ومن جهل نفسه جهل ربه (31)·هذا التلازم بين معرفة الذات ومعرفة الله في التصوف المعيني، يعني أن الانسان لا يلاقي نفسه إلا بالتغرب عنها، أي بالتخلي عن طبائعها البهيمية وبهذا التغرب لا يبقى فيها غير النور الإلهي الذي ينبجس في أعماقها في إشراق غامر، هو نور المعرفة، ونور الحق، ونور الخير والجلال والجمال·ويذكرنا هذا التلازم بين معرفة النفس ومعرفة الله، في التصوف الاسلامي، بما فيه المعيني، بجدلية المعرفة لدى أفلاطون، وما تقوم عليه من تنازل وتصاعد· فالأرواح إذ تترقى في معرفة الحقائق والأسرار العلوية، لا تتجاوز تذكر ما كانت عليه في العالم العلوي، من سمو وكمال، قبل أن تنفصل عن الروح الكلي وترغم على الانغلاق في أجسامها البهيمية·والتصوف انطلاقا من هذه المبادئ الثلاثية التي ينبني عليها: التحلي والتخلي والتجلي، فرض عين على كل إنسان، وخاصة بالنسبة لمرضى القلوب·ولمجاهدة النفس ومعرفتها شروط لابد منها لكل مسافر في عالم الحقيقة، منها أن يتخذ لنفسه شيخا عارفا بأحوال النفوس وطبائعها، فيسلم أمره إليه دون أخذ و رَد(32)· وذلك لأن النفس ''مثل المريض الذي يحتاج إلى طبيب متلطف يعالجه· والمريض الجاهل إذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلم الطب تضاعف لا محالة مرضه''(33)·وللمشيخة والتلمذة آداب محددة يلزم الشيخ والمريد اتباعها والتخلق بها· منه: الاذعان والطاعة والتسليم و الانقياد، وغيرها من قواعد السلوك التي حددها الشيخ ماء العينين في كتابه نعت البدايات وتوصيف النهايات·ومن هذه الشروط أيضا ''الاعتماد الصحيح على عقيدة السلف الصالح، أهل السنة القديمة، سنة الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين، والأولياء والصديقين ثم الصدق ثم الاجتهاد''(34)·أما مراحل المجاهدة فتتحدد حسب مقامات النفوس السبعة:الأمارة واللوامة والملهمة والمطمئنة والراضية والمرضية والكاملة(35)· ولا يمكن للسالك أن ينتقل من مقام إلى آخر إلا بأمر من شيخه، وبهدي من أستاذه، لأنه هو الذي يعرف أحوال النفوس، وما يلائمها من مقامات· ولكل مقام من هذه المقامات التي يقطعها المسافر في طريق المجاهدة زاد يناسبه· وهذا الزاد هو الذكر(36)· وهو أنواع، منها: الذكر باللسان والذكر بالجنان، أو بهما معا· وتنتاب المسافر أحوال نورانية، وتشرق في باطنه بوارق ربانية تكشف له بعض الحقائق العلوية، وهذه الأحوال والبوارق هي مواهب يقذفها الله في القلب· أما المقامات فهي مكاسب تنال بالرياضة والمجاهدة (37)·وتختلف شروط المجاهدة ومراحلها، باختلاف النفوس· فمن كان كثيف البشرية، كثير الذنوب والعلوم والاعتراضات لا يصل إلى مستوى إدراك الحقائق الباطنية إلا بعد زمن طويل من المجاهدة والمكابدة، ومن كان خفيف البشرية، تظهر له الحقائق حينا، ويسقى من نظرة واحدة(38)· وقد ذكر الشيخ أحمد الشمس الكثير من أعلام هذين الصنفين في كتابه (النفحة الأحمدية)·ونستنتج من هذه الإشارات الصوفية التي جمعناها من بعض كتب التصوف المعينية، مجموعة من الخلاصات تساعدنا على تحديد ماهية التصوف المعيني، ومعرفة اتجاهه العام· منها: أنه تصوف سني، باطني، وحدوي·فهو من حيث اعتماده على الكتاب والسنة، وتحرجه من القول بالاتحاد والحلول(39)، تصوف سني سلفي اتباعي، وهو يتلاءم في هذا المنحى الاعتدالي مع الاتجاه العقائدي السائد في المجتمع المغربي، والقائم على سيادة المذهب المالكي في الفقه والعقيدة الأشعرية في التوحيد(40)·وهو من حيث قيامه على النظر الباطني إلى الشريعة الاسلامية، واعتماده على الذوق في قراءة نصوصها، موقف باطني من هذه الشريعة ومنهج ذاتي في النظر إلى قضاياها· وهو بهذا المنهج، يقدم للنصوص الدينية إمكانيات كبيرة من التأويل، ويفتح أمام فهمها آفاقا واسعة من القراءة والتحليل· أما من حيث قيامه على التحلي والتخلي والتجلي، وذلك بتربية النفس وترويضها، وتهييء الذوق لمعرفة الحقائق الكلية، واكتشاف الأسرار الباطنية، فهو يؤسس منهجا اجتماعيا إصلاحيا يقوم على تربية الفرد والسمو به وربطه بعالم المثل· وهو في كل هذه المميزات التي يتميز بها لا يختلف عن التصوف الاسلامي في المشرق، وفي باقي المراكز الثقافية في المغرب· ويتجلى ذلك فيما يحيل عليه من متون صوفية مشرقية ومغربية، وما يعتمد عليه من أعلام التصوف، كأبي زيد البسطامي والغزالي وعبد القادر الجيلاني، وابن عطاء الله واليوسي، وابن عجيبة وابن زكري، وسيدي عبد الرحمن الفاسي وابن عاشر، وغيرهم من أعلام التصوف في المشرق والمغرب (41)·غير أن هذا اللقاء بالتجربة الصوفية الاسلامية، لا يسلب التصوف المعيني خصوصياته النوعية، وإنما هو لقاء الفرع بأصله، حيث تبقى لهذا الفرع مميزاته النابعة من خصوصيات المجتمع الصحراوي، وخصوصيات المشروع الاجتماعي والثقافي والسياسي المعيني· وتبرز هذه الخصوصيات فيما تنبني عليه التجربة الصوفية المعينية من أسس وحدوية، وما تسعى إلى تحقيقه من مشاريع تربوية وإصلاحية·

  1-الإيضاح لبعض الاصطلاح· الشيخ ماء العينين ص·7 طبعة حجرية 1321هـ·2- السيف والموسى على قضية الخضر وموسى· الشيخ ماء العينين· ص·17 طبعة حجرية·3- مبصر المتشوف على منتخب التصوف· الشيخ ماء العينين ج·1 ص·,25 طبعة حجرية، فاس 1314 هـ·4- منيل المئارب على الحمد من كفاء الواجب، الشيخ ماء العينين ص·25 ، طبعة حجرية، فاس 1312 هـ·5- السيف والموسى على قضية الخضر وموسى، ص17 ط·حجرية 1309 هـ6-نفسه ص187- نفسه ص·368-لسان العرب، ابن منظور، دار صادر (أول)·9-سورة الأعراف،آية 5310- سورة الكهفآية 5811- السيف والموسى، ص512- نفسه ص 913-منيل المئارب· ص9814- نفسه ص·3015- نعت البدايات ،وتوصيف النهايات، الشيخ ماء العينين ص,214 طبعة دار الفكر (د·ت)16- فاتق الرتق على راتق الفتق· الشيخ ماء العينين ص·,314 طبعة دار الفكر·17- قرة العينين في الكلام على الرؤية في الدارين، الشيخ ماءالعينين، ص·37 طبعة حجرية 1321هـ·18- نعت البدايات، ص 21419-السيف والموسى، ص1720- نفسه ص 1721- الكبريت الأحمر، الشيخ ماء العينين، ص122- السيف والموسى، ص2423- الإيضاح لبعض الاصطلاح، الشيخ ماء العينين، ص,5 طبعة حجرية·24- إظهار الطريق، الشيخ ماء العينين، ص.105 طبعة حجرية، فاس1321هـ·25- مفيد الحاضرة والبادية، الشيخ ماء العينين، ص,207 طبعة حجرية·26- قرة العينين في الكلام على الرؤية في الدارين ، ص7527- منيل المئارب ص6628- نفسه، ص8529- مبصر المتشوف على منتخب التصوف ج,1 ص· 12330- نفسه ج,1 ص 12331- الايضاح لبعض الاصطلاح، ص732- المقاصد النورانية، الشيخ ماء العينين، ص5 طبعة حجرية33- منيل البش فيمن يظلهم الله بظل العرش، الشيخ ماء العينين، ص.22 طبعة حجرية، فاس 1321 هـ·34- إظهار الطريق، ص .7335- مبصر المتشوف، ص20936- الايضاح لبعض الاصطلاح، ص2637- نعت البدايات، ص1738- الايضاح لبعض الاصطلاح، ص1039- النفحة الأحمدية، الشيخ أحمد بن الشمس ج2 ص 13440- الايضاح لبعض الاصطلاح، ص 52-51-441- أنظر كتاب أستاذنا الدكتور عباس الجراري، ثقافة الصحراء

 

التصوف الإسلامي بالمغرب رجال ومدارس

 ذة· حليمة بنكرعي


مر التصوف بالمغرب من مرحلة بوادر ظهور إلى فترة بناء، تلتها مرحلة توقف للاستيعاب والبحث عن الذات، فتمخض عن هذه المرحلة الأخيرة ترسيخ التصوف بالمغرب·وبوادر ظهور التصوف بالمغرب شهدتها الفترة الممتدة ما بين القرنين الرابع والخامس الهجري· ومن أبرز الشيوخ الذين وضعوا اللبنات الأولى للتصوف في المغرب: الشيخ عيسى بن سليمان الرفروفي والشيخ أبو محمد عبد الله ابن مسعود الهواري·أما مرحلة البناء، فعرفها القرن السادس الهجري وشهدت هذه الفترة وضع هياكل التصوف وبناءه النظري، كما برز خلالها أسماء أعلام التصوف المغاربة من بينهم الشيخ أحمد بن محمد ابن العريف المتوفى بمراكش سنة 536هـ الذي يرجع إليه الفضل في وضع المصطلحات الصوفية، والشيخ صالح بن محمد المعروف بابن حرزهم·ومرحلة التوقف للاستيعاب، شملت القرنين السابع والثامن الهجري· وخلال هذه المرحلة تم البحث عن الذات والتمهيد للفترة الأخيرة، فترة >مغربة< التصوف، (وتوافق القرنين التاسع والعاشر الهجري) التي تمت على يد محمد بن سليمان الجزولي المتوفى سنة 870هـ والذي ارتبط به التصوف المغربي إلى حد أنه نسب إليه، واتسعت في نفس الوقت شهرته، فأصبح له عدد وافر من الأتباع والمريدين، كما انتشر مؤلفه ''دلائل الخيرات'' انتشارا واسعا·وإذا نحن حاولنا تتبع مسيرة التصوف المغربي عبر سيرة رواده، فالملاحظ أن هؤلاء الرواد تشبعوا بالمبادئ الصوفية أولا في المشرق العربي، قبل أن يعودوا إلى المغرب لنشرها، فالشيخ عيسى بن سليمان الرفروفي، زار المشرق ومكث به مدة، قبل أن يستقر بقرية تاجست بتادلا· والشيخ أبو محمد عبد الله بن مسعود الهواري عاش بالقيروان قبل أن يستقر بفاس،والشيخ صالح بن محمد المعروف بابن حرزهم لقي الإمام الغزالي، وبعدها استقر بفاس لنشر أفكاره، والشيخ ابن سليمان الجزولي قضى زهاء أربعين عاما ينتقل بين مكة والمدينة وبيت المقدس قبل أن يستقر بالمغرب وهو صاحب طريقة· كما أن أبا الحسن الشاذلي وأحمد البدوي وأحمد الرفاعي استقروا في المشرق العربي، وكونوا طوائف به، قبل أن تنتقل طرقهم إلى المغرب·كما نلاحظ أن شيوخ الصوفية استقروا بادئ ذي بدء بالمدن، وانتشرت بعد ذلك طرقهم في البوادي، وانصبت كتاباتهم نحو تكوين إنسان مغربي كامل·وعرف المغرب كذلك استقرار عدد من المتصوفة المشارقة، بعضهم أتى من بلاد فارس، والبعض الآخر من الهند· ومن الطرق الصوفية الوافدة إلى المغرب الطريقة الرفاعية والشاذلية والملامتية والسهروردية· وتنسب الرفاعية إلى الشيخ أحمد الرفاعي المتوفى سنة 578هـ، وهو من صوفية العراق· وترتكز مبادئ طريقته على العلم والحلم والصبر والرأفة والإخلاص والشكر، ويرتكز بنيانها على ظاهر الكتاب والسنة·وهناك (2) من جعل التصوف المغربي ينتمي إلى ثلاث مدارس:- مدرسة الجنيد وتنتمي إليها طائفة الشعبيين (طائفة ابن شعيب الآزموري وهو من شيوخ أبي يعزى)، وطائفة الأمغاريين ببلدة تيطنيفطر·- مدرسة الإمام الغزالي وينتمي إليها الماجريون (طائفة أبي محمد صالح)، والحاحيون (طائفة أبي زكرياء يحيى بن أبي عمرو الحاحي) والعثمانيون (طائفة أبي زيد عبد الرحمن الهزميري) والحنصاليون·- ومدرسة الشاذلي، التي اعتمدتها الطائفة الجزولية، ثم صيغت بصيغة مغربية على يد محمد بن سليمان الجزولي·وعلي بن عبد الجبارالشاذلي، ولد في جبال غمارة، ودرس بالمغرب ثم سافر إلى تونس، وبها اشتهر، ثم استقر بمصر، حيث ظهرت طريقته التي انتشرت في المغرب أواخر القرن الثامن الهجري، فازداد بذلك مريدوه· ومن أهم مبادئ الطريقة الشاذلية: تقوى الله في الأقوال والأفعال، التزام السنة النبوية في الأقوال والأفعال، الصبر والعمل على الاستكثار من الكسب والسعي إليه، وإظهار نعم الله بالأخذ بكل الحلال من متاع الدنيا· ولقد عرفت الطريقة الشاذلية تجديدا على يد محمد ابن عبد الرحمن بن أبي بكر ابن سليمان الجزولي المغربي المتوفى سنة 869 هـ·وتنبني الطريقة الجزولية على مجاهدة النفس للسمو بها إلى الأخلاق المثالية، والتوبة عن المعاصي، والالتزام بالذكر لأنه الطريق الموصل إلى الله· ومن مريدي الشيخ الجزولي: عبد العزيز التباع، ومن تلامذة هذا الأخير، سيدي محمد الغزواني والشيخ عبد الكريم الفلاح والشيخ سعيد بن عبد المنعم والشيخ عبد الله بن داوود (3)·


 

التصوف صحبة

ذ·الحسين ألواح

خريج دار الحديث الحسنية


التصوف يعتمد الصحبة منهاجا لتحقيق غاياته، ''التحقق بمضامين الدين''
والصحبة في اصطلاح أهل السلوك تعني أن يلازم شخص شخصا آخر '' بالموافقة '' لتتحقق من هذه الملازمة غاية منشودة . هذه الغاية التي هي التحقق بمضامين الإسلام أو ما اصطلح عليه بـ'' المعرفة بالله ، أو الدخول على الله أو ''الوصول '' والشخص الملازِم -كسرا- يسمى ''مريدا''، وهو الساعي ليحقق غاية الصحبة · والشخص الملازَم -فتحا- يدعى عند -أهل السلوك ''الشيخ المربي''وهو من تحقق بهذه المضامين و تأهل - بواسطة الإذن الخاص - ليوصل إليها وعليه فلكي يعتبر نشاط ديني تصوفا لابد أن يكون قد اعتمد على الصحبة -بهذا المعنى- ويتبين من هذا أن الصحبة تتركز على الشيخ المربي · وعليه فإذا كان منهاج التصوف هو ''الصحبة'' فإن محور الصحبة هو ''الشيخ المربي''·
وهكذا يتأكد أن لـ ''الشيخ المربي'' دورا ناجعا بل حاسما في مسيرة من أخذ السير إلى الله ليتحقق بمضامين الدين··· ومن أراد أن يعبد الله حق العبادة· وقد تنبه العلماء لهذه الخطورة قديما ولذا نجدهم يسمون ''الشيخ المربي'' المتبوع المُقَدَّم ،أو الكبريت الأحمر، أو القدوة، أو الواسطة أو الكيمياء· وما أكثر ما تزخر به كتب القوم من هذه الألقاب··· ولقد قيل الشيء الكثير بصدد الصحبة ولماذا الشيخ؟ وسوف لن نطيل بذكر كل أو جل ما قيل ··وإليكم بعض النماذج مما قيل في هذا الشأن :
*-روي عن الجنيد رضي الله عنه قوله:''الله سبحانه سن سنة أزلية ألا يجد السبيل إليه إلا من قيض الله له أستاذا عارفا بالله فيسوقه إلى منهاج عبوديته، ومعارج روحه وقلبه، إلى مشاهدة ربوبيته، ويكون واسطة بينه وبين الله، وإن كان الفضل بيد الله يوتيه من يشاء بغير علة ولا سبب''
وهذا معنى قولهم:''ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح''
*قال سيدي ابن عجيبة في إيقاظ الهمم ص74-75:
''وللصحبة في طريق التصوف أمر كبير في السير إلى الله تعالى حسبما جرت به عادة الله وحكمته، حتى قال بعضهم: ''·من لا شيخ له فالشيطان شيخه''، وقال آخر''الإنسان كالشجرة النابتة في الخلاء، فإن لم تقطع وتقلم كانت دكارا'' وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: ''كل من لا شيخ له في هذا الشأن لا يفرح به''·
` ` ` ` ` `

التصوف مدرسة للتربية والأخلاق

 د· هشام سلطان

جامعة الأردن


لاشك أن التدرج في الأحوال والمقامات هو منهج لتربية السالكين والناس أجمعين بما فيها من مبادئ وقيم تأخذ بيد المريدين للترقي في السير· إن المقامات والأحوال تتعلق بسائر الأشياء التي تتعلق بالنفس من غرائز ودوافع وعادات وتقاليد وانفعالات وعوارض وعواطف، وكل ما يتعلق بالحياة الوجدانية التي تتصل بالنفس، ومن هنا كان للأحوال والمقامات قدر كبير ودخل عظيم في كل هذه الأشياء لأن أثرها الفعال في حياة الإنسان وفي ما يتصل بها بين، فهي تجعله يترك أخلاق وعادات معينة ويأخذ بأخلاق وعادات أخرى.ولقد أرسى الصوفية قواعد التربية الأخلاقية معتمدين على مبادئ الإسلام وأسوتهم في هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، فالقدوة الحسنة والتأدب بآداب الرسول في كل الأمور هي منهاجهم وطريقهم، وأن المؤلفات الصوفية هي مصنفات في التربية والأخلاق، فمصنفات المحاسبي وأبي طالب المكي والإمام الغزالي هي مصنفات في هذه التربية وهذه الأخلاق السامية، وأن أعظم ما اهتمت به المبادئ التربوية هي جعل الأخلاق بما فيها من مقامات وأحوال عملا يطبق لا قولا يقال، فأخذ العلم ينزل في مجال العمل، فهم يتعلمون التوبة وكيفيتها ثم يطبقونها، وكذا الذكر إلى آخر المقامات، فهم ينزلون بها من مكان العلم إلى مقام العمل، يقول الإمام الغزالي في رسالته التربوية ''أيها الولد: ''العلم بلا عمل جنون، العمل بغير علم لا يكون· أيها الولد: ينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقا للشرع، إذ العلم والعمل بلا اقتداء بالشرع ضلالة· وينبغي لك أن لا تغتر بالشطح لأن سلوك هذا الطريق يكون بالمجاهدة، وقطع شهوة النفس وقتل هواها بسيف الرياضة لا بالطامات والترهات''· ويقول مبينا قيمة العمل ''أيها الولد: لا تكن من الأعمال مفلسا ولا من الأحوال خاليا، وتيقن أن العلم لا يأخذ باليد·· ولو قرأت مائة سنة وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعدا لرحمة الله إلا بالعمل'' وأن ليس للإنسان إلا ما سعى''·وهكذا يأخذ الإمام الغزالي في رسالته هذه، وكذا في معظم كتبه داعيا لتطبيق التربية الإسلامية ومن هنا دعا الصوفية إلى وجود الشيخ المربي كي يخرج الأخلاق السيئة من المريد ويجعل مكانها أخلاقا حسنة، وهنا تظهر عملية التربية بصورة عملية حيث يأخذ الإنسان بترك الأخلاق السيئة والتحلي بالأخلاق الحميدة والمقامات العظيمة، واهتم الصوفية بتربية الأطفال تربية مثلى، وتحدث الإمام الغزالي في المجلد الثالث في الفصل ''بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوئهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم''، وبين فيه طريقة التربية المثلى للأطفال في البيت وفي المدرسة وواجب الأبوين والمعلم في هذه المرحلة الدقيقة، يقول ''اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، فالصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش أو صورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه: فإن عوَّدَه الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عوده الشر وأهمل إهمال البهائم، شقى وهلك وكان الوزر في رقبة القَيِّم عليه والوالي له· وقد قال عز وجل ''يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا'' ، ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا، فأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء·''ثم يأخذ الإمام الغزالي في شرح طرق التربية والتعليم وبيان علاج الانحرافات وغرس حوافز الرقي العلمي والمادي والأخلاقي، هذا مع العناية بالناحية الجسدية والعقلية والعاطفية·و العلم بأن العلم وحده لا يبني الأمم ولا يقيم الأفراد ولابد من العلم مع مزاولة الأخلاق والتربية بصورة عملية، فمزاولة التربية والأخلاق بالصورة العملية هي التي تبني الأمم وتقيم الدول، وإن دولة الإسلام قامت يوم أن كانت التربية في ميدان التطبيق العملي، يوم أن كانت محاسن الأخلاق يتداولها الناس كالصبر والحلم والشكر والتوكل واليقين والقناعة وطمأنينة النفس والتواضع والعلم والصدق والحياء والوقار والسكون وأمثالها· وما أحوج الأمة الاسلامية الآن إلى هذه الأخلاق وإلى هذه المناهج التربوية في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة علما وعملا·وبنظرة فاحصة إلى مدارج السالكين أو إلى المقامات التي يترقى فيها السالكون نرى أن أي مقام فيها أو أي مرحلة منها لها آداب معينة لابد منها، ولها تربية خاصة ولوازم مختلفة، ولابد من وجودها ،نضرب مثالا بمقام المحبة فنرى أنها وحدها مدرسة كاملة في التربية والأخلاق حيث لابد للمحب من عدة أشياء:أولا: حب الله ويستلزم العمل بما يريد· ثانيا: حب النبي ويستلزم الاتباع في كل شيء· ثالثا: يلزم عن الحب وجود المتحابين في الله وتواجد الحب بينهم والرحمة والمودة وهذه تكون بين المتحابين، وهم على درجات:خواص المؤمنين ولهم محبة بينهم خاصة· ثم محبة عامة المسلمين· ثم محبتهم لكل ذي روح وعطفهم عليه والمحبة بصورة عامة مدرسة للتربية وينعكس وجودها على المجتمع بأسره بل على العالم كله لما فيها من رحمة·فالمحبة تربط الأسرة: الأب مع زوجته والأولاد بعضهم مع بعض ثم تمتد المحبة إلى الجيران ثم إلى المجتمع فتسوده الراحة والأمن وذلك لمحبة كل منهم للآخر· وهكذا إذا نظرنا إلى معظم المقامات والأحوال نرى أنها تكون مدارس تربوية للتهذيب والرحمة بالأمة والمجتمع·