حول التصوف السلفي ذ· عبد الصمد غازي
الثلاثية الذهبية عقيدة فقه وتصوف د· إسماعيل راضي
الإبداع الشعري في التصوف جعفر الكتاني
من أجل صحوة حضارية أساسها التصوف الوعي الصوفي والاحياء الديني د.محمد أديوان
النفس البشرية بين الصوفية وعلماء النفس ذ· محمد الداشمي
نحو نهضة أخلاقية صوفيـة : المقصدالشـرعي والواقع ذ· منير القادري بودشيش
من القاعدة الفقهية إلى القاعدة الصوفية أي علاقة بين الفقه و الأخلاق د· عبد الله معصر
ما أكرم شهر رمضان على الإنسان،وكيف لا
يكون كذلك وقد جعله رب الإنسان مَطْهرة له من كل الأدران، أدران بعضها ظاهر وبعضها
باطن؛ والعمل بشرط رمضان صياما وقياما واحتسابا لاشك تطهرٌ بهذه المنحة الربانية
الكريمة التي تجرد الإنسان طيلة شهر، بأيامه ولياليه، من نهمه وبخله وحسده وحقده،
وما لا حصر له من أسواء نفسه، فلكأن هذا الشهر جيب موسى عليه السلام ليد النفس
الأمارة بالسوء· هذا لمن سمع الأقوال فحاول اتباع أحسنها وصمم على أن يكون مستقبل
أخلاقه خيرا من ماضيها، ثائرا على نفسه مداويا لمساويها غير منساق لأطماعها
ومهاويها·ومواصلة منا للخط المرسوم والمتماهي مع فلسفة رمضان الأخلاقية، فقد قدمنا
في هذا العدد مجموعة من المقالات الدائرة حول النفس الإنسانية ومواصفاتها وطرق
معالجتها وفق نهج الأخلاق الإحسانية التي جاء بها ديننا الحنيف، وتنكبت عنها أمتنا
وجهلها شبابنا؛ كما أن العدد يواصل تصحيح المفاهيم التي ساد تصورها عن قوم بذلوا
النفس والنفيس في جهاد أعداء الإسلام كما وفوا بشرائط الجهاد الأكبر، ومن غير إحياء
هذا الجهاد يتعذر كل جهاد؛ ولم نغفل الجانب الإبداعي الذي هو فيض شعري على قلوب زال
عنها رانها؛ هذا إلى الأعمدة الثابتة التي تتنوع مضامينها بما يجود به المنافحون
بأقلامهم وعزيز أوقاتهم في هذا الخندق الشريف· فللجميع ولكل مساهم في دفع دفة هذا
السفين ألف شكر رمضاني كريم·
من القاعدة الفقهية إلى القاعدة الصوفية أي علاقة بين الفقه و الأخلاق
د· عبد الله معصر
كلية الآداب - فاس
عندما تكتمل العلوم، و تضبط موضوعاتها و مناهجها ، و تمحص أدواتها، وآلياتها ، و تميز أنساقها، فإن المشتغلين بها يسعون إلى ترجمة هذا العلم على شكل قواعد تمكن الناظر من إلحاق الفروع بالأصول·وإذا كانت القاعدة الفقهية في أغلبها تسعى إلى ضبط سلوك المكلف وتصرفاته الظاهرة، فهل يعني ذلك إهمالها لسلوكه الباطني ؟إن الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى معرفة بالقواعد الفقهية، ومكانة الأخلاق فيها ونستطيع أن نميز في هذا الجانب بين صنفين من القواعد، إحداهما يبدو الطابع الأخلاقي فيها واضحا كقاعدة الأمور بمقاصدها وهي مأخوذة من قوله صلى الله عليه وسلم:''إنما الأعمال بالنيات'' والنية أصل عظيم في مباحث الأخلاق حتى قال بعضهم أنهم كانوا يتعلمون النية كما يتعلمون العلم والفقه، والثانية لا يظهر فيها الأثر الأخلاقي إلا في السلوك الخارجي للفرد·ومن هذا المنظور يمكن القول إن القاعدة الفقهية تعتبر مدخلا للقاعدة الصوفية أي أن هناك علاقة بين القاعدة الفقهية والقاعدة الصوفية، وهذه العلاقة تتصف بالتكامل والإنسجام فلا تنافر ولا تدافع بين الخطابين بل هما وجهان لعملة واحدة · فكل قاعدة فقهية-في أغلبها-تؤسس لخطاب أخلاقي مضيقا كان أو موسعا· وكل قاعدة صوفية ترتكز على خطاب فقهي· أي أن الخطاب الأخلاقي عند الصوفي يسعى إلى تحقيق أعلى الكمالات الأخلاقية دون أن يخرم القواعد الفقهية·فالدائرة الأخلاقية للصوفي تبتدئ من بعد انتهاء الدائرة الأخلاقية للفقيه، لأن كل أدب في الشريعة في باطنه أدب لأهل الحقيقة، فالصوفي يعبر من ظاهر الفعل إلى باطنه· ومن ثم قد تكون صورة الفعل واحدة ، والقصد الأخلاقي يختلف فالقصد الأخلاقي للصوفي يثمر أحوالا ومعارف لأنه أراد القيام بواجب حق الربوبية، بينما القصد الأخلاقي عند الفقيه لا يثمر أحوالا ومعارف لأنه أراد بعبادته الأجر في الآخرة· إن القاعدة الصوفية قاعدة أخلاقية غايتها ترسيخ الهوية الأخلاقية للإنسان، وتجديد قيمها في الذات الإنسانية، ومن ثم اجتهد الصوفية في ضبط قواعدهم وتأسيسها على أسس شرعية ومن هذه القواعد :إن الشريعة عامة بالنسبة إلى عالم الغيب وعالم الشهادة من جهة كل مكلف، فإليها نرد كل ما جاءنا من جهة الباطن كما نرد إليها كل ما في الظاهر-كل ما يخرم حكما شرعيا أو قاعدة دينية من الخوارق والكرامات ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم وإما من إلقاء الشيطان وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه · وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع ·وقد بين الشاطبي أن هذا يقع كثيرا لمن لم يبن أصل سلوكه على صواب، أو من سلك وحده بدون شيخ؛ ومن طالع سير الأولياء وجدهم محافظين على ظواهر الشريعة غير ملتفتين فيها إلى هذه الأشياء·إننا بدون أخلاق صوفية لا نستطيع ممارسة وتطبيق المفاهيم الفقهية تطبيقا سليما يجمع بين أخلاق الظاهر وأخلاق الباطن، بين أخلاق تتأدب مع الخلق في الظاهر، وتراقب الحق في الباطن، ومن ثم لا غنى للقاعدة الفقهية عن القاعدة الصوفية، ولا مندوحة للقاعدة الصوفية عن القاعدة الفقهية وبذلك يتحقق التكامل الأخلاقي للشخصية المسلمة ·
نحو نهضة أخلاقية صوفيـة : المقصدالشـرعي والواقع
ذ· منير القادري بودشيش
أستاذ باحث في التواصل والتصوف بالسربون
إن العالم كله اليوم من أقصاه إلى أقصاه، يشعر الآن بحاجته الشديدة إلى دفعة روحية تنقذه من حيرته المادية، وتلهمه السداد في طريقه وتحرس خطاه· ولا ينكر أحد أننا أمام مرحلة حاسمة ليس في تاريخ الأمة الإسلامية فحسب وإنما في تاريخ البشرية جمعاء، مرحلة نُجَابِهُ فيها العديد من المشاكل التي تملأ دروب حياتنا، والضراوة المادية التي استهانت بكل القيم النبيلة· لقد أفلست القوى المادية وشعرت بقصورها عن تحقيق السعادة للناس وآن للقوة الروحية أن تأخذ طريقها، وتتبوأ مكانها العالي بين الأمم· والثورة الروحية التي يتوق إليها دعاة الإصلاح، والتي تستمد أصولها من كتاب الله وسنة رسوله تعني التصوف السليم في جميع جوانب حياتنا·إن كلمة التصوف تحمل في طياتها عالما فريدا من الرؤى النورانية الشفافة، كما تشير إلى نمط من الفكر والسلوك يتميز بخصوصية شديدة، وإذا كانت الحياة الصوفية تعكس أعمق وجهات النظر تجاه الوجود الدنيوي، فإنها تمثل أيضا أعلى مظاهر التقوى الدينية النابعة من صدق الرابطة بين الإنسان وخالقه·لقد كان التصوف ولايزال هو الضمير النابض الذي أشاع الصدق في وجدان الأمة، وكان الصوفية هم فقهاء القلوب الذين وضعوا قواعد المعاملة بين الإنسان وربه· وبين الإنسان والإنسان على أرض اليقين الراسخ والأخلاق الحقيقية واعتبروا أن الباطن هو ما يتشكل به الظاهر تشكلا صحيحا فكانوا دوما ينفذون من قشور الأشياء إلى لبابها قائلين: المدار على القلب·فالتصوف ضرورة لأنه منتهى السعي الصادق في كل الدروب، وما من خطى تحث لبلوغ الحقائق، إلا وكان التصوف غايتها ومنتهاها؛ ضرورة لحاجتنا إلى القضاء على ما في النفوس من طمع وجشع وحب الرياسة والمناصب والحقد والخيانة وحب التملك والأنا··؛ ضرورة لحاجتنا إلى أن يصبح العمل عبادة خالصة لوجه الله تعالى وطبيعة تلقائية يندفع إليها الإنسان بدافع من شعوره الديني الذي يحبب إليه العمل ويفرضه عليه أداء لحق الشكر وليس عبئا عليه، ويراقب الله عز وجل فيه؛ ضرورة لحاجتنا إلى إنسان بروح رجعت إلى أصلها وفطرتها، روح طاهرة صافية تقر بعبوديتها لله كما كانت في عالم ألست بربكم، روح تحررت من الشهوات والتعلقات والحظوظ في عالم اشتد فيه حب التملك؛ ضرورة لحاجتنا إلى إنسان علم أن كل نفس بما كسبت رهينة، يجعل مبدأه في الحياة: العبد وما ملك لسيده، فكان عمله لله ووقته وماله لله ونفسه لله، وكله لله وبالله· إنسان جعل الدنيا في يده وليست في قلبه، وتحقق بحقيقة الزهد من غير رهبانية وانقطاع عن الدنيا، الزهد الذي يجعل صاحبه ذا نظرة خاصة للحياة الدنيا، يعمل فيها ويكد ولا يجعل لها سلطانا على قلبه وتصرفه عن طاعة ربه· وليس من شرط الزهد في الإسلام أن يقترن بالفقر، فقد يتفق الغنى والزهد (عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما على سبيل المثال كانا زاهدين فيما يملكان) وقد بذلا أموالهما للمسلمين في سبيل الله· لذلك فالزهد الذي يدعو إليه التصوف هو ذلك الزهد الذي كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شعار أصحابه من بعده ومن سار على نهجهم من الأولياء والصالحين، وذلك الزهد هو زهد المالكين لا زهد العاطلين، زهد القادرين لا زهد المتطلعين، زهد الأقوياء لا زهد الضعفاء، زهد الأحرار لا زهد العبيد· وكيف يترك الصوفي الدنيا، وهي مزرعة الآخرة قبل أن يقدم فيها ما يحقق له الكمال الديني والسعادة الأخروية، ولله در القائل: اعبروها ولا تعمروها·والتصوف ضرورة من حيث كونه حقيقة العبادات، فقد حرص على النفاذ إلى أعماق الدين، فلم يكتف بهذه المظاهر من العبادة من صلاة وصيام وصدقة، ولكنه تحقق بآدابها وتعمق أسرارها، وبذلك أمكنه -بهدى من الله وبصيرة نافذة وإلهام صادق- أن يستقصي ما يمكن استقصاؤه من حقيقة هذا الدين الحنيف·ولو ظلت شعائر الدين لدى المتدين قاصرة على الرسوم والأشكال الظاهرة، فإن ينابيع الإيمان تنطمس في قلبه· إن التصوف يقف بنا على حقيقة مهمة تقول بتلازم القلب والجوارح، ففي فرض كالصلاة لا يتسنى للعبد تأديتها على وجه الحقيقة ما لم تعرج به صلاته عن كل ما سوى الله· فالصلاة في المفهوم الصوفي ليست حركات وسكنات وتلاوة آيات فحسب بل هي أيضا ارتقاء ومعراج ذوقي في أوقات يقف فيها العبد بين يدي مولاه· ويكفي أن التصوف لم يكتف بالفضائل من أسماء تدل عليها· ولكنه جعل من هذه الأسماء حقائق ناطقة وأرواحا منطلقة مشرقة، تفيض على أصحابها ومن حولهم نورها، وتمدهم بمكنون أسرارها، وتكسوهم من فيض جمالها وجلالها· إنهم جعلوا هذه الفضائل مقامات وأحوالا تحققوا بها· فمقام التوبة ومقام التوكل ومقام الصبر ومقام الشكر ومقام الرضا ومقام الزهد ومقام الورع وأحوال المحبة والخوف والرجاء والأنس واليقين إلى غير ذلك من المقامات والأحوال ولهم في كل ذلك أذواق ومشاهدات تشهد لهم بطول الباع وحسن الذوق وسعة الإدراك·و هكذا فالتصوف -كإسلام يذاق- لا شيء فيه يخرج من سياج الشريعة الإسلامية، وإنه لا يسع الصوفي مهما كانت مرتبته الروحية أن يسقط قاعدة شرعية وإلا صار زنديقا، وأنه لا يمكن أن تتعارض الحقائق الصوفية مع صريح الكتاب والسنة، يقول الإمام مالك رحمه الله: ''من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق''·وقال الإمام الشافعي: ''صحبت الصوفية فاستفدت منهم ثلاث كمالات:قولهم: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك قولهم: نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر قولهم: العدم عصمة·أما الإمام أحمد، فقبل مصاحبته للصوفية، كان يقول لولده عبد الله: يا ولدي، عليك بالحديث وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية· فإنهم ربما كان أحدهم جاهلا بأحكام دينه؛ فلما صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة·ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي عن إبراهيم بن عبد الله القلاني أن الإمام محمد قال عن الصوفية: لا أعلم أقواما أفضل منهم، قيل إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة·أما الإمام أبو حنيفة، فقد روي في حاشية إبن عابدين أن داود الطائي أخذ العلم من أبي حنيفة وقد قال الدكتور عبد القادر عيسى في كتابه''حقائق عن التصوف'' : ''فهلا تأسى الفقهاء بهذا الإمام فساروا على فهمه وجمعوا بين الشريعة والحقيقة لينفع الله بعلمهم كما نفع بإمامهم الأعظم الإمام الكبير معدن التقوى والورع أبي حنيفة رحمه الله تعالى·والتصوف -كإسلام يذاق- يعني وحدة بنيانه، ذلك أن الإسلام كلُّ لا يتعدد، مهما اختلفت فيه الفرق وتنوعت المآخذ والمداخل، كذلك الأمر فيما يخص التصوف، فيجب أن ينظر إليه برؤية شاملة، فالصوفية كلهم يشربون من نبع واحد، وجميعهم مسافرون في رحلة تمتد من الخلق إلى الحق· وإذا كان العالم اليوم يدعو إلى إصلاح شامل يمس جميع الجوانب والأنظمة، فإن كل إصلاح لا ينطلق من الأساس لا يتم نتاجه، وأساس إصلاح المجتمع هو إصلاح الأفراد وتربيتهم على المحبة وتأليف القلوب، ووسيلة التصوف في ذلك هو إصلاح النفس أولا وتهذيبها وتحريرها من أهوائها وقطعها عن مألوفاتها حتى تتدرج في مراتب الكمال ومدارج الأخلاق المحمدية، إذ لا غنى لمجتمع عن الأخلاق، فهي التي تدفعه إلى الكمال المنشود والحياة الكريمة، والتصوف كله أخلاق، وهو أخلاق تطبع في القلوب لا أخلاق تصنع، قال النووي: ''ليس التصوف رسما ولا علما، ولكنه خلق، لأنه لو كان رسما لحصل بالمجاهدة، ولو كان علما لحصل بالتعليم، ولكنه تخلق بأخلاق الله···''·إن التصوف النقي لا يزال أرضا خصبة تثمر العديد من النواحي، ففي التربية هو أقرب للتكوين المتكامل والسليم لشخصية هذه الأمة، وفي الأخلاق هو أجدى من الجدل النظري والفكر الذي استوردناه وطبقناه فأخرج جيلا مغتربا، وفي الحياة الدينية هو الروح التي لو فارقت رسوم الشرع لتركتها ميتة، وفي الاقتصاد هو المعامل الذي تنقلب به موازين الحلول العقيمة للمشكلة الاقتصادية، وفي أمراض العصر خصوصا النفسية منه، هو أجدى من علم النفس العصري الذي هو طب علاجي يكون بعد حدوث الأمراض، في حين أن طب التصوف النفسي وقائي، والوقاية خير من العلاج وفي الفقه والتشريع هو الروح التي تسمح باجتهاد موفق وسديد تجعل منه فقه الواقع لحل جميع المشكلات الناتجة عن تعطيل باب الاجتهاد·وهكذا ارتفع التصوف فوق قامة الزمن، وعبر الصوفية الفضاء الخارجي لحدود الأرض حيث التقوا بالسماء في صفاء ومودة··· ورنوا بقصدهم في حب وعزم ورضا·· فأمنوا حيث خاف الناس· وعزوا حيث ذل الناس وسعدوا حيث شقي الناس، وبذلك يحصل الإنسان على توازنه السلوكي، يجعل منه فردا متحققا بالشرع ومنتجا في الواقع·فهل نحن في حاجة إلى هذا النوع من المواطن اليوم؟ علما أن الكثير يفهم التصوف فهما عقيما ويحسبه دخيلا، وهل للإنصاف والحكمة نصيب في إدراك المعنى الواضح القريب ؟وهل العودة إلى التصوف من باب التسليم والإيقان والتكريم لهذا العلم العظيم؟
النفس البشرية بين الصوفية وعلماء النفس
ذ· محمد الداشمي
كلية الآداب - فاس
الإنسان لغز غير مفهوم بشريا؛ وذلك لأن فيه ما يتجاوز أدوات المعرفة الإنسانية الحسية التي يعتمدها في إدراك الأشياء· من هنا اقتضت الحكمة الحذر والحيطة في الكلام على الإنسان؛ لأن النظرة في هذه الحالة تكون نظرة جزئية للإنسان وبالتالي تكون المعرفة التي تنبني على الجزء معرفة ظنية· أما المعرفة الحقيقية فهذه من شأن خالق الإنسان فهو يعلم من خلقه لأنه هو الذي خلقه قال تعالى:''ألايعلم من خلق وهواللطيف الخبير''، واللطيف الخبير قال عن الإنسان:''فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين''·فالإنسان إذن طين نفخ فيه الله من روحه· وأمام هذا الخلق وجدنا أنفسنا أمام الروح والعقل والنفس والجسم· وإذا كان الإنسان قد ذهب بعيدا في معرفة الجسم فإنه ظل عاجزا إلى حد أكبر فيما يخص معرفة العقل والنفس؛ وعاجزا بصورة كلية فيما يخص الروح؛ لقوله تعالى:''ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي''·ونحاول في هذه السطور أن نقارن بين علماء النفس والصوفية فيما يتعلق بمفهوم النفس ؛هناك من علماء النفس من يقابل في الإنسان بين الجسم والنفس ؛ على أساس أن الإنسان جسم ونفس · والسيكلوجي عندما يتحدث عن النفس يتحدث عما يلاحظه من سلوك لدى الإنسان وهو منسجم هكذا مع نفسه·إذ لا يستطيع أن يتحدث عن أكثر من ذلك إذا اقتصر على قياس معرفته بالحواس، والحواس فقط ·ويعطي علماء النفس للسلوك معنى واسعا· فالمدرسة السلوكية تعتبر أن التفكير ذاته سلوك فهو-حسبها- كلام بلغ من الدقة والخفاء درجة يستعصي معها الإطلاع عليه بالملاحظة المجردة· ولو رُصِدَ الجهاز الصوتي بآلات متطورة (غير موجودة الآن) لأطلعنا على حركة ذلك الكلام· والسلوك في أهم جوانبه تعلم- حسب المدرسة السلوكية ·ذلك السلوك الذي نشعر كلنا بأنه يميز الإنسان بوصفه كائنا عاقلا أو عضوا في أمة معينة أو طبقة اجتماعية خاصة هو سلوك متعلم، لا فطري وبما أن الإنسان يتجاوز في جانب منه الكلام والملامح الظاهرية فإنه يبقى مجهولا إلى حد ما من الحدود·أما الصوفية فَتُسْتَخْدَمُ لهم أداة للمعرفة أخرى هي الإلهام ·غيرأن الإلهام ذاته لا يمكنهم إلا بما هو متيسر لبصائرهم· إلا أن معرفتهم أوسع بالنفس الإنسانية· فهم ينظرون إلى الإنسان على أنه روح وعقل ونفس·فالروح له الأولوية ، إذ هو أمرالله، والعقل ناشئ عنه · فالروح يد المدنية الإنسانية والصورة الانية للحياة · والقدرة والسمع والبصر والكلام، ويمد العقل بالعلم وكيفية تدبير المدنية والمقصود بالروح هنا الروح الجزئي مقابل الروح الكلي الذي هو روح الكون · أما العقل الجزئي-في مقابل العقل الكلي : عقل الكون -فوزير المدينة الإنسانية ومديرها··· فلا تقوم المدينة الإنسانية إلا بالخليفة، ولا يستقيم أمرها إلا بالوزير·ثم أوجد الله -تعالى- للروح الجزئي الخليفة على المدينة الإنسانية، النفس الجزئية··· فالنفس المقام الثالث، لأنها نشأت عن العقل، كما نشأت حواء من آدم فهي بعضه···فالنفس الجزئية لوح كتابه العقل الجزئي·وعن علاقة هذه الثلاثة بعضها ببعض وعن وظائفها يقول الأمير عبد القادر>أما الروح فهو واحد قدسي، تختلف أحكامه باختلاف الأعضاء···وأما العقل فنور الروح،وهو يدبر المدينة الإنسانية بأمر الروح· وأما النفس فهي نور العقل، وهي منزلة الخادم، يصرفها كيف شاء· فإن كمل العقل في تدبيره كملت النفس في خدمتها· والعكس بالعكس، وجملة هذه الثلاثة-في الحقيقة - أمر واحد ، هو أمر الله الواحد بالذات··· ولننبري الآن لرؤية الباطن الإنساني، والإبتلاء الذي ابتلى الله به الجانب الروحي فيه، ليريه عجزه وافتقاره :إذ أوجد له الله تعالى منازعا في مملكته··· سماه تعالى الهوى· وهو كل ما تميل إليه النفس من الأمور الطبيعية واللذات المحببة لها المزينة في عينها في الوقت فتقع هذه النفس بين أمرين قويين كل منهما يناديها لطاعته·فإن أطاعت العقل وزير الروح حصل لها إسم المطمئنة· وإن أطاعت الهوى والشيطان حصل لها إسم الأمارة بالسوء·ثم يتحدث الأمير عبد القادر عن سبب ضلال النفس وكيف أن ضلالها سَبَّبَ جهلها بأصلها الذي هو الله سبحانه؛وأن هذا الضلال بالذات هو الذي حجب كمالاتها الباطنة فيها عن الظهورفأصل النفس روح الله، وروحه أمره وأمره صفته، وصفته عين ذاته· مما أعماها وأضلها عن أصلها إلا قربها المفرط· وما تشهده الحواس من العالم الطبيعي الكثيف فلهذا صارت النفس جاهلة بأصلها· وهو الحق تعالى ولولا ذلك لظهر بالفعل ما هو باطن فيها من الكمالات الإلهية·نستنتج مما سبق أن علم النفس لا يتحدث عن الروح كخليفة لله سبحانه في الإنسان وعن أهمية هذه الروح كمانح له حياته وقدرته وسمعه وبصره وكلامه، وكمانح للعقل نوره وكيفية تدبيره للمدينة الإنسانية· كما أن علم النفس لا يربط الإنسان بالله؛ ولا يحدد مهمة للعقل كمدبر للنفس الأمارة بالسوء بالعمل رجوعها إلى الله؛ وإنما يقول بتنشئة الكائن البشري الصغير: الطفل على أن يكون كائنا اجتماعيا بغض النظر عن كون المجتمع الذي ينشأ فيه الطفل صالحا أو غير صالح· وعند الكبر يتكلف الشخص بما يعرفه من ''ثقافة'' المجتمع يجعل نفسه ينسجم مع مجتمعه في أسلوب حياته أيا كان هذا الأسلوب· بينما الصوفية كعاملين بالوحي والالهام ينظرون إلى أن مقياس حياة الإنسان هو الوحي الإلهي· وهكذا فالروح يأمر العقل بتدبير المدينة الإنسانية طبقا لهذا المنظور· والعقل يدبر النفس تدبيرا ينفد به أمر الله تعالى·وإذا كان علم النفس قد خطا بعض الخطوات في تربية الإنسان بشكل يحقق له بعض مصالحه الدنيوية وعلاج بعض علله، فإنه لم يهتم بالهدف الحقيقي من وجود الإنسان، وهو معرفته الحق سبحانه؛ لقوله تعالى:''وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون< قال ابن عباس أي ليعرفون·هكذا إذن نرى أن علم النفس باعتباره يعتمد على الجهد الإنساني لم يوفق بما يكفي ليكون لصالح الإنسان دنيا وأخرى؛ بينما الصوفية علمهم أوسع: فهم يتحدثون عن النفس حديثا شاملا ومحقا باعتبار أن معينهم ليس الجهد الإنساني؛ بل الإلهام الرباني·ترى كيف يمكن استغلال علم النفس وكذا التصوف في تربية الإنسان وعلاج علله ؟ علينا أن نحاول الإجابة على هذا السؤال في مقالات قد تأتي إن شاء الله·
من أجل صحوة حضارية أساسها التصوف الوعي الصوفي والاحياء الديني
د.محمد أديوان
كلية الآداب - الرباط
إن حضارتنا المليئة بالمتناقضات تقوم على أساس حركة بناء عشوائية يقودها
سلطان الشهوة تارة والعقل تارة أخرى، مما نجم عنه تسارع محموم بين الدول لبناء أكبر
الصروح في ميادين الفعالية البشرية من اقتصاد وسياسة وثقافة، وفي غمرة هذا الانفعال
الإنسي تحولت الحضارة إلى سوق ليبرالية تتسع لسائر أنواع الفعل الحضاري وتجيز أكثر
الأفعال ابتعادا عن الأخلاق والدين بذريعة أن كل شيء مباح من أجل التطور
والرقي
المادي· إن المأزق الحضاري اليوم كبير وأزمتنا الحاضرة أعظم خطرا من أزمات الماضي،
لأن أزمة الماضي كان وراءها ركام غير متجانس من الجهل والفاقة والأفكار غير العلمية
كالسحر وطقوس العرافة والكهانة والتنجيم، أما أزمتنا اليوم فمصدرها العقل الذي كان
بالأمس مخلِّصنا الوحيد من أزمة الماضي المثخن بالجراحات والمآسي·إن سلطان المادة
القاهر لم يعد في الآونة الراهنة قادرا على حل معضلات هي فوق المادة وفوق العقل
كالمعضلة الأخلاقية والروحية في الحضارة المعاصرة!إن إحياء الدين ضروري في كل بحث
حضاري، لكنه لا يتم كما ينبغي بدون وعي صوفي بالزخم الروحي الذي يطويه الدين في
تلافيفه العميقة·إن الإحياء الديني رهين بالإحياء الصوفي والروحي لأن أشكال البعث
الحضاري المأمول لا تجد صورتها الأرقى إلا في هذا الإحياء المزدوج لطاقة مهملة
منسية هي أعظم الطاقات في الإنجازالحضاري المتوازن، ألا وهي الطاقة الصوفية أو
الروحية!إذا كانت الأديان تقوم على أساس مبدإ التعظيم للخالق الواهب للحياة، فإن
النزعات الروحية والصوفية تضيف إلى مبدإ التعظيم المذكور مبدأ المحبّة الكبرى
العليا التي هي أعلى مراتب التعلق بالخالق الواهب للوجود·وإذا كانت فلسفة الدين
تبحث عن الدلائل الموجبة لتعظيم الوجود وموجده، فإن الفكر الصوفي يبحث في معاني
المحبة الكبرى التي بها يتصل الإنسان بربه عبر حبه للوجود كله بدون استثناء· فما
دام الصوفي يحب الوجود فإنه يحب بالضرورة الله الذي أوجده·فالعلاقة التماثلية بين
الله والوجود في الفكر الصوفي لا يمكن فهمها في سياق علاقة التماثل الموضوعية في
صورتها العقلية بين ماهيتين متجانستين، وإنما لابد من تفعيل مبدإ التأويل المبني
على فعل المحبة من أجل رفع التناقض الظاهر في العلاقة التماثلية بين الله والوجود·
وهذا المبدأ التأويلي يتحول في سياق المحبة إلى أسلوب للمعرفة يقرب الصوفي من
الحقيقة وهي أن الوجود ليس إلا تجليا من التجليات الإلهية· فتصير علاقة التماثل
حينئذ مبنية في المرجعية الصوفية على أساس تأويلي ضروري لخلق فعل المعرفة أو
العرفان كما هو معلوم عند القوم· وقد عبر الصوفية عن مبدإ التجلي خطابة وشعرا
كقولهم:إن الوجود وإن تعدد ظاهرا وحياتــكم مــا فيه إلا أنتـم
أنتم حقيقة كل موجود
بــدا ووجود هذه الكائنات توهم ومن حيث التجريد فإن قلب الصوفي وهو آليته في
العرفان، ليس فيه إلا الله·والإنسان الكامل وهو الذي تحققت فيه صفة معرفة الله وحبه
ولا يغفل عن العوالم ولو طرفة عين لأنه لا يغفل عن الله بل هو حاضر دوما معه في
قلبه· وذاك هو أساس كل إحياء صوفي·وإذا كان الصوفي يحب الله فإنه بالضرورة سوف يحب
تجلياته وهي الوجود بأكمله·هكذا تتحول علاقة الصوفي بالوجود من مبدإ الاستعمال أو
الاستغلال أو الاستثمار أو غيرها من أشكال العلاقة العقلية بالوجود، إلى علاقة حب
من السمو بمكان، بحيث يصير فعل المحبة للوجود في الوعي الصوفي مقترنا بمفهوم
''التسخير'' القرآني الذي يوضح الفهم الحقيقي لعلاقة الإنسان بما سخره الله له من
الكائنات والموجودات·ويكشف الفكر الصوفي عن عمق متفرد في فهمه لعلاقة المعرفة
بالمحبة داخل قلب العارف المحب· وهذا هو ما يجعل الإنسان العارف يتجاوز مستويات
الإدراك العقلي ويخترق معارج العرفان القلبي، فيتحول بفعل هذا الإدراك إلى إنسان
كامل·فالقلب هو اللطيفة الربانية التي تسمح للإنسان العادي بالتحول من شرط إنسانيته
البسيطة إلى شرط الكمال البشري الذي يتوق إليه العارفون تأسيا بالإنسان الكامل
والمثل الأعلى في العرفان القلبي وهو الرسول صلى الله عليه وسلم·إن القلب إذن هو
أساس العرفان، وملاك القلب المحبة والتعلق بالله ليعرف الصوفي به وعنه،وإذا كانت
المعرفة بالكسب الحسي الغريزي أو العقلي تُخرج المدرك والعالم من غياهب الجهل
وتنزهه عن العجز العقلي عن الإدراك والتعلم، فإن العرفان القلبي المتحصل لدى العارف
عن طريق الواردات والفتوح اللدنية يخرج من غربة الغفلة عن الله إلى التعلق به و
الفناء فيه محققة له لذة الوصال وسر الأفعال وحقيقة الأقوال، فيرى العارف بعين
القلب ويعطل ما سواها عملا بقوله تعالى:>ما كذب الفؤاد ما رأى<·إن أهم إشكالية
أثارها الفكر العقلي وعجز عن فهمها في سياقات الخطاب الصوفي، هي مسألة المحبة التي
هي أساس العرفان وصدر ثبوته ورسوخه كحقيقة لا ريب فيها·فالمحبة هي شرط ضروري ومؤكد
لتحقيق مقام العرفان، ولا يقوم أحدها إلا بالآخر فهما متلازمان، وبكمال المحبة يحصل
كمال العرفان· وطريقهما شائك غير مأمون قد يتلبس بهما من أحوال الادعاء و الوصول
مما قد يتفق حدوثه في وهم ضعاف الهمم، فيقفون عند مظهر خادع ظنا منهم أنه الحق وهم
في مقام عجب أو صلف أو ادعاء·فالمحبة الملازمة للعرفان محبة لا تحصل إلا بعد مشقة
ولَأْيٍ· ولا يتحقق بهذا الشرط والصفة إلا مكابد للعشق مُصْطلٍ بنار الترقي من مقام
إلى آخر في مجاهدة ومرابطة ومراودة لا تنتهي حتى يتهذب ويتأدب ويصبر ويتوكل ويكرع من
كل المناهل إلى أن ينقدح في قلبه زناد العرفان، فتكتمل أناه وإنِّيته، وهو في غفلة
عن نفسه موجود بربه منفعل في غمرة هذا الإحساس بما يرد عليه مما لم يكن سببا فيه
ولا سعى إلى كسبه·هكذا ينبغي أن يتحول الإحياء الديني إلى بعث صوفي حقيقي يتيح
التحول الحضاري الملموس نحو الغد الأفضل والإنسان الأكمل اعتمادا على تطبيق
الشريعة، والبحث عن الحقيقة واستلهام الكمال في كل فعل حضاري يقوم به الإنسان· و
''الآلة'' التي عليها المعول هي هذه اللطيفة الربانية التي تتيح للإنسان العارف التصرف بحكمة نورانية تجنبه
الأهواء وتقيه شر المسالك، فيكون سعيه الحضاري محفوفا بالألطاف الإلهية فتصير
حركاته وسكناته أوجها متماثلة لعبادة وعبودية يصهرهما العشق
في أتون المحبة العليا·
جعفر الكتاني
دُشِّنَتْ الدراسات الجامعية المعاصرة منذ مستهل هذا القرن، مهتمةً في الآداب العربية بنصوص شعرها ونثرها، ولكنَّ نصوصَ الأدب الصوفي، ظلت خارج الدرس الجامعي، مجرد هواية لفحول خلف الجامعة، مبعدا، بمنهج مقنن ،عن كرسي الآداب العربية سواء في مصر أو في الشام أو في العراق دعك من جامعات في المغرب العربي محتمل وجودها خلال فجر هذا القرن المنصرم·إن ما أقصد غيابه عن الدراسات الجامعية خلال هذا القرن هو النص الأدبي ولست أقصد التاريخ العام للحركة الصوفية أو للطريقة·بل إن السبب في غياب النصوص، في زعمي، هو التاريخ العام للطريقة أو للحركة الصوفية· فإن الإبان الذي نهضت فيه الدراسات الأدبية فجر هذا القرن كان مختلطا بنزعات متضاربة ومتفاوتة في الاهتمام، فإن نهاية الخلافة العثمانية دفعت بالطليعة المدرسية من طراز معين إلى الاغتراف من أوروبا التي على غرارها اعتمر مصطفى كمال قبعتها، كما دفعت بالطليعة المدرسية من طراز آخر، الى لـَمْزِ الحركة الصوفية بالخنوع والاستسلام· كما اندفع طراز ثالث من هذه الطليعة المدرسية الى اعتبار الطرق الصوفية بدعة تترامى على الدين، والدين لا يقرها، لأن كل بدعة ضلالة، والإسلام اقتداء بالسلف الصالح، بعيدا عن الشبهات، الإسلام للدنيا والدين، والصوفية تغمرهم طرقهم فيتناسون الدنيا، والسلفيون في مواجهة المستعمر مطالبون بإعداد القوة ما استطاعوا ومن رباط الخيل لحماية الوطن، وهذا شأن بمنآى عن آداب الصوفية·ولقد دَرَسَ مؤرخو الآداب فنونا من القول ربما لم تكن تُرضِي فئة من الفئات الثلاث، ولكنهم لم يدرسوا الأدب الصوفي لأن الفئات الثلاث مجمعة على تجنب هذا الصنف من الآداب·ولست بصدد مناقشة العوامل السياسية والاجتماعية والحزبية والمذهبية لبيئة مستهل هذا القرن فإنها لها حين من الوقت آت، ولكنني أعرض فقط التعليل المفسر لوجوم التاريخ الأدبي الممنهج عن الأدب الصوفي·إن تيار الأدب الصوفي في تاريخ الثقافة العربية أزكى بمراحل من تيارات أخرى لعلها هامشية، ومع ذلك فقد حظيت بالاهتمام، كتلك التي تُصوِّر طرديات الصيد، أو تلك التي تشبب بالغلمان، أو القصائد الهجاءة النقائض، هي آداب، بعضها وصمة، ونحن لا ننكر نسبها، ولكنها بالمقارنة الى آداب التصوف فإنها قليلة الحيلة، ضعيفة المطلب، ذات حجم قزم في قيمتها الفنية، وشكلها الإبداعي، إذا قورنت بآداب التصوف العربية فقد نثر ابن عطاء الله السكندري، وأبو يزيد البسطامي وأبو حامد الغزالي ما يكفي لأن يعد كما وكيفا ابداعا مرموقاً في النثر ينشئ جيلا على ذوق فني رفيع، وسلوك أخلاقي في الحياة بآن واحد·أما في الشعر فالحلاج، وابن الفارض ومحي الدين ابن عربي نَقْلَةٌ هائلة من آداب المجاراة والمعايشة، صفتي الأدب الرخيص، الى آداب المعاناة والمجاهدة، مدعاتي الخلق والإبداع· إلا أن الذين عنوا بتاريخ الآداب العربية، إن ذكروا هذه الأسماء فإنهم لم يعرضوا روافد عطائها الأدبي للتحليل والتقويم، ولذلك ظلت نصوص الأدب الصوفي منطوية على حالها تقبع في رفوف المكتبات تتحين الولهانين بلا أمل في ذيوع أو انتشار·وربما كان من سوء حظنا نحن المدرسيين ومن غير أن يكون لآداب الصوفية حظ إطلاقا، أن الفئة الوحيدة التي تناقلت نصوصها بفهم، وغالبا بدون فهم، هي فئة المنشدين في المناسبات المحمولة على الإنشاد الديني، أحيانا يتغنى بها فئة لايفقهون معناها، ويجودون إنشادها لابقصد الترنم بمعانيها أو الإشادة بمدلولها ولكن فقط للاكتساب والارتزاق وشبيه بهذه الغايةِ الغايةُ التي يتلى من أجلها القرآن في زمن الجهل على المقابر أو في أبواب الجوامع، أو على قارعة الطريق·وما كان لأحد أن ينسى، فالقرآن أول من أهاب الى حب الله في سورة التوبة ''قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره''(1) وفي آية أخرى من سورة البقرة ''والذين آمنوا أشد حبا''(2) والرسول صلى الله عليه وسلم دعا ربه بقوله: ''اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي والماء البارد''(3) ودعا مرة أخرى: ''اللهم إني أسألك لذة النظر الى وجهك والشوق الى لقائك''(4) فالقرآن والسنة يهيبان بنا أن نحب الله· فما زاد الصوفي في الإسلام وتيرة ولا نقص منه وتيرة إذا هو أحب الله·والحب في عمقه وجْد إن كان المحبوب مشاهداً ويرى بالعين، فما بالك إن كان الحب وجْداً فيما لا تفقهه عين ولا تعيه بصيرة، ولا خطر خيال له بقلب بشر؟ فلا شك في أن يصير إلى وله، لأن القدرة على الإفلات من جاذبية المجسمات لا تلتئم لكل الناس· فمن أحرزها، أي تلك القدرة حري بأن ينغمس في متسلقات الحب التي درجها عبد الكريم الجيلاني في كتابه الانسان الكامل في تسعة مدارج، الميل، الولع، الصبابة، الشغف، الهوى، الغرام، الحب، الود، العشق حيث يرتقي العاشق لرؤية معشوقه، وإذا انمحق العاشق لحظتها يفنى منه الاسم ثم الوصف ثم الذات، فلا يبقى عاشق معزولا عن معشوق، وينعدم شعور الشخص بالأنا ويدخل في حالة الفناء(5)·من ذا الذي يدرك دلالات هذه المعاني التي تروى إن لم يكن الصوفي هو الذي يدركها، لأنه هو الذي يبدعها، فهل كان تاريخ الأدب العربي في الطرديات أو الغزل الشاذ، أو النقائض، يقع على المبدع من المعاني، والرائق من اللفظ والباهر من النظم فيما لايقع عليه، أو على نظيره، في الأدب الصوفي؟!حاشا ثم كلا! وإنما البيئة ذات الطبائع الثلاث سالفة الذكر هي التي أفرزت الميل عن الأدب الصوفي في فجر النهضة المؤرخة بنشاط المطبعة أوائل هذا القرن الذي انتهى·أعْجِبْ بأديب يرسم بوزن وقافية ولفظ مختار منتقى ركض وعل يتحايل خلفه، راجلاً أو ممتطياً، يسرع الخطى أو يبطئها في لحاق الصيد، ويعدو، والطِرادُ يعدو، وتستمر الرحلة والقنص، لاشك في أن شاعرا يبني قصيدا على هذا المنوال، سوف يحظى باستقطاب وإعجاب، ولكن رويدا!أعجب بأديب يرسم بوزن وقافية فناء الصب، سهاده ولواعج عاطفته، وخياله بعد هدأة حاله، يبلورها من مجرد (حال) وصبابة الى كلمات من معاناة الى مجسمات·أعجب به يبذل جهده لفرز ''الأنا'' من ''الهو'' وهو المتيم الولهان كي تتبدى الأحاسيس المرموزة الى ألفاظ معجمية، وكيف والأدب الصوفي بعيد كل البعد عن مظاهر الفعل حالة هو في المخاض، لأن الصوفي كما يقول الجنيد (من صفا من كل ما سوى الله)(5) فكيف له أن يصفو ثم يعود، إلا إذا تحمل من المشاق أعسرها·ومن هنا كانت عبارات الأدب الصوفي ذات ثنائية دائمة التلاحم، أي ذات المعنى اللغوي العام والمعنى التذوقي الخاص·وقد أمد الأدباء الصوفية، الأدب العربي بأبهى حلة فنية وبأبدعها، وبأدق الألفاظ وبأوسع معانيها، يترافق ذلك مع خيال خلاق رائع من الإلهامات، لاينضب ''لان الصوفية أطفال في حجر الحق'' كما ينعتهم الإمام القشيري(6)·ولست أدري أكان آداب الصوفية من الغلبة والذيوع والانتشار، بحيث اكتفى منه بذلك مؤرخو الأدب العربي، لذلك انفضوا الى ما دونه شيوعا ليبرزوه؟ وها نحن افتراضا نحسن الظن- وإلا كيف يغض الطرف عن حقيقة موروثة في تاريخ الثقافة العربية؟ فإنه معلوم ما كان لآداب الصوفية من ريادة اجتماعية مجالسهم التربوية والتعليمية نهضت قبل نشوء المدارس والمعاهد، دعك من التاريخ الاسلامي الصدر، وعهد التابعين، وإنما نتحدث عما لحق بها في الوسيط والحديث من تاريخنا، فإن مجالس الطرق الصوفية بآدابها وأورادها وتوجيهاتها ومجال دعوتها سبقت المدارس والمعاهد والجامعات الى تربية الشباب وتوجيه الجماعة المتآلفة من الواردين والمريدين·ومن مثل هذه المجالس انطلـق أبـو المغيث الحسين بن منصـور الحلاج (244- 309هـ) قدوة للمعذبين في سبيـل غايتـه التي غمضـت على من لاذوق له في ''مهماه'' القوم لاتسأ منَّ مقالــــــتي يا صــــــــاح واقْبَلْ نصيحة ناصحٍ نصَّــاحِ ليس التصوف حيلةً وتكـــــلفــــاً وتقشفــا و تواجدا بصيـــــاح ليس التصوف كِذبةً وبطالــــــــة وجهـالــــة و دعابـــــة بمـــزاح بل عِفـــةً ومــــروءةً و فُتــــــــــوَّة وقناعة وطهـــارة بصـــــــــلاح وتُقَى وعلْمٌ واقتداءٌ واصْطِفَـــــــا ورضىً وصدقٌ ووفا بسمــــاح مَن قام فيه بحقـــه وحقــــوقــــه وخلا عن الحدثان والأشبــــــاح متَيَقّناً متصبــرا ومتشمـــــــرا مستمطــرا متقصـد السيـــاح متعززا متحرزا متـــواضعـــــــا متبدل الأشبـــــــــاح والأرواح تتشعشع الأنوار من أســـــراره كتشعشع المشكاة في المصباح تاء التقى، صاد الصفا واو الوفا فاء الفتوة، فاغتنــــم ياصـــاح(7)لقد أضنـاه ما قاسـاه في سبيل إعـلانـه فهمـه في ربوبية الرب وعبودية العبد·رأيت ربي بعين قلبي فقلت من أنتَ: قال: أنت(8)فليس للأَيْنِ منك أيْن وليس أيْنٌ بحيثُ أنت أشار سِرِّي إليك حتى فَنِيْتُ عنِّي ودمتَ أنتَ وأحب الحلاج بكل قواه العقلية والعاطفية والعصبية والخلقية أحب من له مطلق الكمال، الصمد الذي لا يشبهه شيء في الأرض ولا في السماء· ولكن المجتمع من حوله لم يكن يمانع من أن يجري الحب بين بشرين ترصف في حبهما آلاف الأبيات بينما هو يتحفظ في أن يعلن الحلاج بطريقته الخاصة حبه لله، وأن يصور هذا الحب باللفظ والوزن والقافية، ولعمري لأسهل في عرفنا نحن المدرسيين على اللفظ أن يصور حب آدمي من أن يصور حبا لغير مجسم ترقى إليه البصائر والأفئدة، ولاتراه· وها هنا بالذات يكمن سر إبداع الحلاج، ذلك أنه في هذا الموصوف الذي لا تخفى عنه خافية، ويخفى عن عباده يستطيع الحلاج أن يبني جمله، ويلون خيالاته، ويطبع مجمل أساليب الاستعارات والتشبيهات على صيغ إبداعه الشعري وها هو يقول:حبّي لمولاي أضناني وأسقمني فكيف أشكو إلى مولاي مولائي؟!إني لأرمقه والقلب يعرفه فما يترجم عنه غيرُ إيمائي كأنني غَرِقٌ تبدو أنَامِلُه تغَوَّثا وهو في بحرٍ من الماء يا غاية السُّؤْل والمأمول يا سكَني يا عيشَ روحي يا ديني ودنيائي إن كنت بالغيب عن عينيّ محتجبا ًفالقلب يرعاك في الإبعاد والإناء(9)لقد رسم الأدب الصوفي بريادة منقطعة النظير دبيب الروح البشرية نحو المعرفة منذ أن عانى الإنسان من بدء الخليقة وما يزال باحثا عن: لماذا جئت، ولماذا أنا عائد، ومن أجل ماذا كل ذا؟ وقد آمن الأدب الصوفي بالرد القرآني ''وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون''(10) ''وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة(11) إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولاً''(12) ولكن الأدب الصوفي يسأل عما بعد الإيمان برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، ويسأل أن يرى، ويسأل أن يعرف، ويسعى الى أن يحب· وهذا عمر ابن الفارض (576-632هـ) يشدو:وإذا سألتك أن أراك حقيقة فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى زدني بفرط الحب فيك تحيرا وارحم حشا بلظى هواك تسعرا إن الغرام هو الحياة فمت به صبّا، فحقك أن تموت وتُعذرا (13)وما من غرام بالمحجوب إلا سبقه غرام بالمكشوف، ولأن ابن الفارض إنسان من لحم ودم، لابد أنه ذاق اللون الذي ما لبث أن رقى به الى المحجوب، فإن همم الواصلين لا يفيها طلبتها غرام الأجساد وإنما امتزاج الأرواح· والتكيف في النقلة الوصفية لدى ابن الفارض، هو ما طبع شعره بالصدق والقوة، على الرغم من احتفاله الجم بألوان البديع التي فرضها عليه ضرورة اللجوء الى المجازات والاستعارات، ذلك أن موصوفه ليس له كلمات مناسبة في لغة المعجم تفِي بالغرض مما يحمل المعجم على المران بألوان الاستعارة والتشبيه والكناية وسائر ألوان البديع· وهذا هو إطار الحان ابن الفارض· وهل يمنع ابن الفارض من ذلك المجاز خمريات أبي نواس في مجونها، وتهالك الرهبان على شربها؟ هيهات، إن أسلوب ابن الفارض وقوة بيانه، جعلت خمرياته تتجاوز بلونها كل ما سبق أن وصفت فيه خمريات المجون·شربنا على ذكر الحبيب مُدامة سكرنا بها من قبل أن يُخْلَق الكرْمُ ولو لا شذاها ما اهتديتُ لِحانها ولوْلا سناها ما تصوَّرها الوهم فإن ذُكرت في الحيِّ أصبح أهله نشاوَى و لاعار عليهم ولا إثم يقولون لي صفها فأنت بوصفها خبيرٌ· أجلْ! عندي بأوصافها علم صفَاءٌ ولا ماءٌ ولطفٌ ولا هوَا ونورٌ ولا نارٌ وروح ولاجسم تقدم كلَّ الكائنات حديثها قديما ولا شكلٌ هناك ولا رسم وقامت بها الأشياء ثم لحِكْمَة بهَا احتجبت عن كلِّ مَنْ لا له فهم وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتِّـحادا، ولاجَرْم تخلَّله جرم وقد وقع التفريق والكل واحد فأرواحنا خمر وأشباحنا كرم(14)ولكن القرآن الكريم يربينا على ''قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد'' وهي التربية المنافسة للشرك·والأدب الصوفي يقتات من هذه التربية، ويتجاوز القناعة بها الى التفاعل الوجداني بما يترتب عنها· ومن ثمة راح يعرض عواطفه الملتاعة بالاحتماء بالله الأحد والانضواء في أحديته لدرجة استبعاد الإحساس ''بالأنا'' بل إنكار وجود ''الأنا'' منفصلة أو مستقلة أو فاعلة· وهذا غاية في التوحيد·ويجب أن نذكر ما حمله إلينا التاريخ للسيرة النبوية من هذا الخلق الكريم المتفاني في الذات الإلهية ''أن عائشة رضي الله عنها دخلت عليه وهو في حالة من تلك الحالات، فلما رآها سألها من أنت؟ قالت عائشة، فسأل النبي ثانية من عائشة؟ فأجابت ابنة الصديق، فسأل النبي ثالثة من الصديق؟ فكان الجواب هو حمو محمد، فسألها ومن محمد؟ فلزمت الصمت، لأنها علمت أن النبي في حالة استغرقه فيها الوجد والحب لرب العالمين''·
(1) 24 التوبة .9(2) 165
البقرة .2(3) الترمذي 72-73(4) النسائي 2/62 وابن حنبل 5/.347(5) عبد الكريم الجيلي،
الإنسان الكامل طبعة القاهرة سنة 1316 ص 47بتصرف·(6) الرسالة القشترية ص.149(7)
ديوان الحلاج ص 73 صنعة مصطفى الشيبي مطبعة المعارف بغداد سنة .1974(8) ديوان
الحلاج ص .26(9) ديوان الحلاج ص .20(10) الذاريات ص 51 ·(11) 30 البقرة .2(12)
72الأحزاب .32(13) ديوان ابن الفارض مطبعة البهية المصرية سنة 1353 هـ الصفحة
.89(14) ديوان ابن الفارض
الثلاثية الذهبية عقيدة فقه وتصوف
د· إسماعيل راضي
كلية العلوم وجدة·
خلف لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب والسنة فيهما
بيان كل شيء يحتاجه البشر، ثم انبثق عن الكتاب والسنة ما يخدمهما من علوم كثيرة
نشأت نتيجة الحاجة·فمنذ عهد الصحابة والتابعين ظهرت بذور أمور خطيرة حيث ظهرت
بدايات الفرقة والاختلاف كظهور المشبهة والمعطلة والقدرية ···وما يتبع ذلك من مواقف
خاطئة متطرفة تدل على فساد في القلب· وأمام اختلاف الفرق وكثرة أئمة الضلالة وأمام
نشاطهم الواسع، وبقدر ما كان المسلمون يفرون من التعقيد ويحرصون على أن يبقى
الإسلام صافيا على أصله ، وجد العلماء أنفسهم مضطرين للرد والإجابة لتقرير العقائد
الصحيحة في كل مسألة ، هكذا نشأت وبلا خيار منهم عدة علوم محاولة منهم إرجاع الأمورإلى ما كانت عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ،فوجدت كل العلوم التي
تحتاج لفهم الشريعة كعلم البلاغة النحو و اللغة وعلوم الحديث وعلوم التفسير وعلوم
القراءات· فلو قلنا إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق على الإطلاق
ولم تكن عندهم هذه العلوم بمعناها الإصطلاحي الحادث، فالجواب الحتمي هو أن نقاوة
الفطرة والتلقي المباشر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينقل إلى أعظم الكمالات في
كل شيء، والصحابي لم يكن محتاجا إلى دراسة نحو وصرف وبلاغة بحكم إدراكه الفطري
للمعاني· وما هذه العلوم التي نشأت لأسباب تاريخية أو محلية أو طارئة إلا محاولة لرد
الأمور الشرعية إلى أصلها كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم·فقد نشأ
علم العقائد الإسلامية على طريقة أهل السنة والجماعة عصمة من الزلل والخطإ
والإنحراف أو الوقوع في الشبه والبدع في باب الاعتقاد وبرع فيه أئمة أجمعت الأمة
على إمامتهم كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتردي، وهكذا وجدت كعلوم أصول الدين
أو علم الكلام أو علم التوحيد·وإلى جانب علم العقائد وجدت المذهبية الفقهية
المنبثقة والمستنبطة من الكتاب والسنة ووجد في هذا العلم بدوره أئمة أجمعت الأمة
على إمامتهم كالإمام مالك وأمثاله، ولم يكن اختلاف الأئمة إلا رحمة بالأمة·هكذا إذن
وجدت عقيدة الأشاعرة والمذهبية الفقهية كمحاولة لإرجاع الأمورإلى ما كانت عليه في
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم· وإلى جانب هذين العلمين فقد كان جيل الصحابة
رضوان الله عليهم يتلازم عندهم العلم والعمل فكان لهم حالهم القلبي والأخلاقي
والسلوكي· وضعف على مرالزمن العمل، وضعف الحال القلبي والأخلاقي · ومن ثم وجد علم
التصوف لإرجاع الأمر إلى نصابه في قضية العمل الظاهري والحال القلبي للمسلم،
فالتصوف هو الجانب المتمم للعقائد والفقه ، بل هو أدق العلوم وأكثرها ضرورة
للإنسان· فإذا كان الفقه يتحدث عن أحكام الصلاة مثلا فإن علم التصوف هو الذي يبحث
في الخشوع فيها وقد سمى الصحابة الخشوع علما فقالوا ''أول علم يرفع من الناس الخشوع
''وإذا كان علم العقائد يحدثنا عن أسماء الله عز وجل وصفاته فالتجربة الصوفية هي
التي تمنح الذوق والشعور بهذه الصفات···وإذا عرفنا أن القلب قد علق عليه كل شيء في
الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح'' ألا وإن في الجسد مضغة إذا
صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب'' إذا أدركنا أهمية
القلب في الإسلام فإننا لا نجد في علم العقائد ولا علم الفقه أي إشارة لقضية القلب
والنفس والوجدان، وهذا يشير إلى أن هناك علما مكملا لهذه العلوم وهو علم التصوف أو
علم السلوك إلى الله أو علم التربية، ذلك أن هذه التربية الروحية بأصولها وقواعدها
هي مفاتيح النفس البشرية· والصوفية رضوان الله عليهم ورثوا عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم تربية النفس وتزكيتها وتخصصوا في ذلك وتفرعوا له وقامت لهم أسواق من
التجارب المثمرة في كل عصر فما لم يأخذ المرء عنهم تبقى نفسه بعيدة عن الحال النبوي
وفي هذا المعنى قال أحد أئمتهم وهو الجنيد ''من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرا
على الكبائر''· فالتصوف هو علم تزكية النفوس والسلوك إلى الله على ضوء الكتابة
والسنة وعلم التحقق بالأخلاق العظيمة والتخلي عن الأخلاق الدنيئة، وهو علم التحقق
بالذوق الصادق والوجدان الإسلامي الصادق إذ الإيمان ذوق وحلاوة، وفي هذا المعنى قال
الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش'' التصوف أخلاق وأذواق وأشواق''· فالتصوف من أدق
العلوم وأكثرها ضرورة للإنسان وهو العلم الذي يُحتاج فيه للأستاذ المربي أكثر مما
يُحتاج في غيره لأنه علم عملي·هكذا نشأت هذه العلوم: عقيدة فقه وتصوف التي وصل في
كل منها رجال إلى رتبة الإمامة· ومن ثم نجد أمتنا المغربية تعتقد على مر عصورها
العقيدة الأشعرية و وتذهب في فقهها مذهب الإمام مالك واتخذت لها دوما وأبدا شيوخا
للتربية والسلوك وكمالات الأخلاق، وخير معبر عن هذا المعنى الإمام عبد الواحد بن
عاشر في منظومته الشهيرة التي جاء في مطلعها· وهي تعبير عن الروح المغربية التي
انصهرت في بوتقتها هذه الثلاثية الذهبية الحمـــــــد للــه الـــذي عــلــــمـــنا
من العلـــــوم ما به كلـــفـنــا صلــــى وسلم علــــــى محمــــــــد وآله و صحبـه
والمقتــــدي وبعد فالعون من اللـــــه المجيــــــــد
في نظم أبيـات للأمي تفيـــد
في عقد الأشعري وفي فقه مــالك
وفي طريقة الجنيـد السـالك وقال في باب التصوف:يصحب
شيخا عــارفا المسالـك يقيــه في طـريقـه المهــالـك
يــــذكــــــــره اللــــــــه
إذا رآه ويوصـل العبـد إلى مــولاه
ذ· عبد الصمد غازي
أصبحت الدروس الحسنية الرمضانية التي سنها جلالة المغفور له الحسن الثاني تقليدا مغربيا متفردا تمتد جذوره إلى الهدي النبوي الذي حث على التفقه في الدين، وقد بلغ إشعاعها مختلف البقاع والآفاق، وأصبحت منتدى وملتقى للعلماء ومنبرا للحوار وتدارس مختلف قضايا الأمة الإسلامية، ولقد سار على هذه السنةالحميدة وارث سره أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أيده الله ونصره الذي منحها بعطفه ورعايته مزيدا من التجديد والاجتهاد والإشعاع· ولقد افتتح في حضرة أمير المؤمنين معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد عبد الكبير العلوي المدغري سلسلة هذه الدروس الحسنية الرمضانية بموضوع تحت عنوان ''التصوف السلفي'' إنطلاقا من قول الله تعالى: ''فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون'' لقي قبولا كبيرا من طرف العلماء المخلصين · وقد بدا ذلك واضحا وجليا من خلال المناقشة العلمية لهذا الدرس المجدد والتي حضرها ثلة من خيرة العلماء في العالم الإسلامي وقد تشكلت لجنة المناقشة من الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي رئيسا والأستاذ محمد جوب والأستاذ الحسين وجاج عضوين· وكانت جلسة علمية تميزت بالثراء المعرفي وأخلاق الحوار الهادئ الرصين·وقد قدم محمد سعيد رمضان البوطي للمناقشة بكلمة طيبة بين فيها أن درس السيد الوزير قد حل نصف المشكلة من خلال العنوان ''التصوف السلفي'' وأن لا سبيل إلي الإصلاح إلا باتباع ما قد حدثنا به من التربية التي ينبغي أن نأخذ نفوسنا وقلوبنا بها· وأن الإسلام جسم وروحه هو التصوف، ولا يبقى غير ذلك الا مظاهر سلوكية لا قيمة لها دون إصلاح القلب الذي هو موضع الإخلاص، ولا يتحقق ذلك إلا بذكر الله؛ إذ يجب أن يرتبط العمل برضى الله، ولا سبيل إلى ذلك إلا ما طرحه التصوف· وقد أبرز المحاضر الفرق بين التصوف الوجداني والتصوف الفلسفي، إذ الأول انفعال القلب بمراقبة الله بالحب، وهذا هو الإحسان؛ أما الثاني فيبعد التصوف عنه ويسمو عن الهبوط إليه إذ مصدره العقل والتفكير وليس القلب؛ وأوضح أن الشطحات مثلا عند أبي يزيد البسطامي الذي لم يكن صاحب تصوف فلسفي، بل اهتاجت روحه لجيشان المعاني في جوانبه، وربما دخل إلى حال الجذب والانجذاب، فيجب التسليم لأحوالهم وعدم اتباع شطحاتهم· وخلص إلى أن الدروس والمحاضرات لا تجدي إن لم تسر فيها روح نابضة من التصوف·أما الأستاذ إبراهيم جوب فإنه أشاد في كلمته بدرس السيد الوزير ورآه فاتحة حوار إسلامي جدي وجديد ما أحوج الأمة إليه اليوم باعتباره موضوعا من مواضيع الساعة في محيط المسلمين والدعاة إلى الله، خصوصا في مناطق معينة يجب أن يجري فيها الحديث عن التصوف والسلفية، فالتصوف يطرح مشكلات معقدة في الوقت الراهن، لو حلها العلماء بإخلاص لوفروا وقتا ،طويلا وإمكانات مادية واجتماعية؛ فعنوان درس السيد الوزير ''التصوف السلفي'' يعني التصوف السني الذي لا يناقض السلفية الصحيحة، فالذكر رفيق الصوفي الحق والسلفي الحق، ولقد أصبح الاهتمام بالإسلام متزايدا محليا وعالميا والجواب الشافي من أمة ذات تراث أصيل في باب الروح فالتربية الصوفية علم وعمل لذا يجب على المسؤولين اتباع هدي هذه المحاضرة إذ هي تمهيد لحوار إسلامي حول القضايا الشائكة بين التصوف والسلفية، فهي دعوة إلى الإصلاح وسبب لرفع الفرقة بين المسلمين ولقاء العلماء في ما بينهم بصدر رحب، لقاء بين السلفيينن والصوفيين معرضين عمن اتخذ التنابذ تجارة بين أهل الصلاح صوفية وسلفية، فدرس السيد الوزير دعوة إلى دعم هذا الاتجاه· ونقدم الكلمة الكاملة التي ألقاها الأستاذ الحسين وجاج في هذه المناقشة بسم الله الرحمن الرحيم وصلى اله على سيدنا محمد المصطفى الكريم معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور مولاي عبد الكبير العلوي المدغري السيد رئيس اللجنة المحترم أخي وصديقي الكبير عضو اللجنة أيها السادة العلماء الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته إن من فضل الله علينا وعلى الناس أن نجتمع هنا في هذا اليوم المبارك وفي هذه القاعة العلمية، لنستفيد مرة أخرى من الدرس الرائع الذي ألقاه معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في حضرة مولانا أمير المؤمنين سيدي محمد السادس نصره الله تحت عنوان: ''التصوف السلفي''·هذا الدرس القويم، والمنبعث من فكر سني سليم، على عادة معالي الوزير في مختلف الدروس التي شنف ويشنف بها أسماعنا طيلة اختياراته العلمية، ومسيراته الربانية في عهد المغفور له مولانا الحسن الثاني الذي وسع دائرة هذه الدروس الحديثية الرمضانية التي عم نورها سائر الأقطار، واستفاد منها القاصي والداني حتى أصبح المؤمنون في كل القارات ينتظرونها كل رمضان، ويبحثون عن مطبوعاتها في كل مكان، ليجددوا أمر دينهم، ويقبلوا على ربهم بتطبيق ما تسبغه عليهم من توجيهات، وتغدقه عليهم من نظريات، وتشنف به أسماعهم من المعاني الساميات·رحم الله مولانا الحسن الثاني الذي سن هذه السنة الحسنة، وحافظ على هذه المكرمة العلوية، وبارك في وارث سره مولانا محمد السادس الذي باركها ورعاها مدرسة للدين القويم ومنبعا من المنابع الصافية للتصوف الحق والسليم·ونحمد الله الذي متعنا بالدرس الذي ألقاه معالي الوزير الذي نور الله فكره، ورزقه الحكمة التي عالج ويعالج بها كل المواضيع العلمية التي تحدث عنها بأسلوبه الهادئ والصريح والداعي إلى المحجة البيضاء في عهد كل من مولانا الحسن الثاني رحمه الله، ووارث سره مولانا محمد السادس نصره الله·لقد أحسن معالي الوزير جازاه الله خيرا حينما أزال الغشاوة والحيرة عن قلوب المستمعين الذين اختلط عليهم أمر الصوفية والسلفية اختلاطا كبيرا، إذ بين لهم بأسلوبه المشوق والواضح أن الصوفية والسلفية حركتان إسلاميتان لإخراج الأمة إلى فضاء ديني متسامح ومحقق للأغراض السامية من الشريعة التي نحتاج نصوصها إلى تدبر وتعقل حتى يكون الإنسان قائما بأمره، وقادرا على تحقيق الغرض المنشود من الصوفية والسلفية، ليعيش المجتمع في التوازن المطلوب·واختيار السيد الوزير لعنوان درسه، اختيار ذكي وملهم، إذ ربما يتبادر إلى ذهن السامع أن الكلمتين متعارضتين، ولكن عندما يمعن النظر فيهما يجدهما متفقتين من حيث المدلول الإيماني المطبوع بالإخلاص، فقد حدد بعضهم الصوفية في شعره إذ قال:علم به تصفية البواطــــن من كدرات النفــس في المواطــن به وصول العبد للإخــلاص روح العبـــــادة بالاختصــــــاص وذاك واجب على المكلــف حصولــــــــــه يكــــــون بالمعـرف معنى دخول حضرة الرب حصول عرفـان لـه في القـلـــب وعن هذا المعنى نفسه تحدث الإمام الغزالي إذ قال:''إنني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أهدى الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء وعلم أسرار الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوا بما هو خير منه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلا''·والمعنى الذي حققه الصوفية رضوان الله عليهم، والإنجاز العظيم الذي أنجزوه في ميدان النفع العام ونشر المعارف والعرفان، وتكوين الأطر الصالحة والمقتدرة لخدمة دين الله وإعلاء كلمته، هو نفس المعنى الذي استهدفه الوزير من عنوانه، ليتيقن الجميع أن ذكر الله هو الموصل إلى المقامات، لأن كل شيء محدد بوقت خاص به إلا الذكر الذي أطلقه الله بدون تحديد في قوله تعالى : ''اذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون''، وفي قوله تعالى: ''فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ''، وفي عدد من الآيات البينات·لهذا فالعبد المثابر على ذكر ربه، والمداوم على شكر خالقه، لا شك وأن الله سيذكره فيمن عنده ويعده من أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين يسيرون في المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك·أكرم الله من أكرمنا بهذه الدروس، وحافظ على هذه السنة الإسلامية، والعادة العلوية المتوارثة، ورحم كلا من مولانا محمد الخامس ومولانا الحسن الثاني الرحمة الواسعة، وحفظ مولانا محمد السادس بما حفظ به الذكر الحكيم، وشد أزره بسمو الأمير المولى الرشيد وجميع أفراد الأسرة الشريفة إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته·بعد ذلك قام مجموعة من العلماء بمداخلات في الموضوع زادت المناقشة إضاءة وتوضيحا، ثم توجت بتدخل للسيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بين فيه ضرورة الحوار ولم شمل الأمة وجمع كلمة المسلمين، ومحاولة التصدي للخطر الحقيقي الذي يحدق بها على يد أعدائها؛ ولا يتم ذلك إلا بتجاوز الخلافات الفرعية فيما بينها، مشيدا بالدور الذي لعبه الصوفية في نشر الإسلام بإفريقيا وآسيا وأوربا وبقائهم سدا منيعا ضد حملات التبشير المغرضة يذودون عن الإسلام والمسلمين·