عدد14

في هذا العدد

الاستهلال

طرق الاستدلال في العرفان الصوفي ذ· محمد أديوان

خير الليالي بالزاوية القادرية البودشيشية ذ· عبد الصمد غازي

تنقيح المناط بين أهل التصوف وأهل الفقه  د· عبد الله معصر

هـل نحتـاج إلى الاستشـراق لإنصـاف التصـوف ؟ ذ· منير القادري بودشيش

التربية الصوفية والتكافل الاجتماعي ذ· لحسن السباعي الإدريسي

مـن أسـرار الـذكـــر ذ· محمد التفراوتي

الاستهلال

الاستهلال نستهل سنة الميلاد هذه الجديدة -التي يستهلها كل بما يفرح- بحمد الله تعالى على ما أنعم -ونعمه لا تحصى-، ونثني بشكر الإخوة والأحباب الذين يحملون معنا راية هذا الجهاد -كل بما يستطيع- فهم أسباب اطمئناننا على ما نرجو أن يكون خيرا، وهم ضماننا على أن يستمر إن شاء الله هذا الخير، وذلك بما يساهمون به ويشجعون ويكتبون· ونحن مطمئنوهم أيضا بأننا على الدرب سائرون نغالب كل الصعاب بحول الله، لأننا نشعر أنهم معنا بهممهم وأرواحهم، وأننا سنواصل العمل بنصائحهم والاسترشاد بآرائهم لنتجدد باستمرار إن شاء الله، مستهدفين جميعا تصحيح أنفسنا قبل الغير، وأملنا أن يجد كل ''غير'' نفسه فيما نعمل، وألا يبقى ''غيرا'' حينما يزيل الأغيار من بيننا، فنستقيم على قلب رجل واحد لنقيم صرح قيم خلقية عليا تسمو بالنفوس على كل الدنايا·يجد الأحباب القراء في هذا العدد ما يواكب اهتمامات أمتنا المغربية خصوصا من مشاركة أهل الشأن الأخلاقي في التكافل العملي، وما يحاور بعض أهل هذا الشأن من ذوي العلم والعمل في الدعوة الخالصة إلى الله، وما يؤيد نهج هذه الدعوة من برهان سلوكي واستدلال عرفاني، كذا ما يؤصل لبعض القضايا العقدية المشتبهة على بعض الناس، كما يجد المتلقي ما يغذي داعية الأدب وفن القول لديه فيما نتابع من حلقات عن الإبداع الشعري الرفيع وما تثمره أذواق الذكر وأشواق المحبة؛ ناهيك عن الأبواب المتنوعة مواضيعها والمتجددة مضامينها·نرجو الله تعالى أن نكون عند حسن ظن جميع قرائنا وأحبابنا، آمين·
 

مـن أسـرار الـذكـــر

 ذ· محمد التفراوتي

ملحق صحفي- أكادير


يعتبر الذكر في مستواه العام من الضرورات للمسلم، ويؤكد تكراره في القرآن مدى الحث عليه لأن القناعة الفكرية والعقلية والإيمانية لا تكفي في التأثير على الإنسان· فالذكر ليس فقط كلمة يرددها اللسان، فالترديد سبيل إلى غاية وهي يقظة العقل ويقظة القلب وتوجه الفؤاد إلى الله تعالى وامتلاء الوجدانات بصفات الله تعالى؛ ففي عصر الثقافة والعلم والمدنية المادية الذي نعيشه انتشر الكتاب وعمت الجريدة وأخذ الفكر مداه في البحث والتحليل، وتحت ضغط هذا الواقع أصبحت معالجتنا لقضايانا تأخذ طابع الفكر وحده دون نسمة من روح تلطفه أو عاطفة تداعبه حيث غيب الوجدان واختل توازن الإنسان، هذا التوازن الذي كان من أهم معالم الشخصية على مدى قرون عديدة·ومن أدق مدلولات الذكر هو الوجود أي الحضور الدائم ذاتا وصفة، وكلما ازداد الذكر عند الذاكر المخلوق ازدادت عنده نسبة الحضور والوجود· ويروى عن الحسن البصري قوله: ''تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء في الصلاة، والذكر وقراءة القرآن· فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق'' وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ''جددوا إيمانكم'' قيل يا رسول الله: كيف نجدد إيماننا؟ قال: ''أكثروا من ذكر لا إله إلا الله''· فالذكر إذن حياة القلوب وبلسم النفوس· والغفلة موت للقلب وكدر للنفس وقد جاء في الحديث ''مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت''· ونحن بحاجة إلى ذكر الله سبحانه في كل وقت وبكل صيغ الذكر الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة، فإذا استمر المسلم على هذا الحال كان قلبه يقظا حيا بعيدا عن الغفلة التي توقع الإنسان في المعصية، ومن ناحية أخرى فإن ذكر الله سبحانه يكسب الإنسان طمأنينة القلب وراحة النفس وصفاء الفكر حيث قال الله تعالى: ''ألا بذكر الله تطمئن القلوب''· وجاء في الحديث: ''ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم''· كما أن للصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم فعلا خاصا وأثرا طيبا في نفس المصلي على النبي، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ''من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات''·وللذكر أربع مراتب:- الذكر اللساني ويسمى الذكر الجلي وهو إجراء المذكور بأسمائه وأوصافه على اللسان وحضور الذاكر عند الإجراء ذهنا وإحساسا، بحيث لا يغيب عن المذكور، حتى يصير المذكور أصلا والذاكر تابعا·- الذكر القلبي وهو استيلاء المذكور على الذاكر، وله مراتب ودرجات، بحسب اقترانه بالذكر اللساني وعدمه وبحسب الحضور·- الذكر النفسي وهو تذكر المذكور في النفس، وهو أيضا مراتب ودرجات بحسب الاقترانات المذكورة وعدمها·- تذكر المذكور عند كل فعل ونعمة، بتذكر أمره ونهيه وشكره، وله أيضا مراتب ودرجات·كما يثمر الذكر نتيجتين مختلفتين وهما في الحقيقة متكاملتان، الاطمئنان والخوف، فالاطمئنان يأتي تجاه رزق الإنسان في دنياه لثقته بالله في تقديره، فمهما رأى الإنسان من معكرات الحياة لا تضره بتنامي ثقته بالله عن طريق الذكر ولكن هذا النوع من اليقظة عن طريق الذكر ذاته يفجر في الإنسان قلقا من نوع آخر، قلق على آخرته ومعاده ومصيره الأخروي· إنه يفجر بين جوانبه الخوف من المآل· إذ يقول عز من قائل : ''والذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم'' ثم ''ألا بذكر الله تطمئن القلوب''·وكم هو جميل أن نرى الشباب الذي تعصف بهم الريح الهوجاء ويتقاذفهم تيار الزيف والانحلال، وهم في أعمار الورود يتغلبون على النفس وأهوائها فتكون لهم أوقات بينهم وبين ربهم يوثقون الصلة به ويستمدون العون منه وحده، إنهم حينئذ يذكروننا بالصالحين ممن مضوا على طريق الإسلام، ودخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، ممن وصفوا بأنهم ''رهبان بالليل، فرسان بالنهار''·وأخيرا فنبينا الكريم يقول في حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه ''يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة''·ويقول الشيخ الأديب الصوفي سيدي محمد بن الحبيب الأمغاري في رائية الترغيب في الذكر:أيا من يرد قربا من الله عن فور  عليك بذكر الله في السر والجهر  وعمر به الأوقات تسمو بسرعة إلى ذروة العرفان مع خالص الفكر لتصقيل مرءاة القلب ينكشف الغطا وتبدو له الأنوار من خالص الذكر بذكر إله العرش تزهد في الورى  وتفنى عن النفس المعطلة السير وتضحى جليس الله من غير كلفة  وتسلم من شك وشرك ومن غير إلى أن قال:وقد وعد الجليل بذكر من غدا له ذاكرا يا فوز من خص بالذكر ومن يعش عن ذكر الإله يكن له قرين من الشيطان يفتن عن سير فلا يطمئن القلب إلا بذكره فيسكن عن خوف الخليفة والفقر ولا تبسط الأرزاق إلا لمن غدا يردده حتى يغيب في الوتر أما الشيخ الصالح المكنى بابن الفارض الصغير سيدي محمد الحراق فيقول:وداوم على ذكر الغني حقيقة  تكن ذا غنى فالطبع للطبع يسرق  ولا تعد عنه في أمورك كلها  فمن يعد عنه فهو والله أحمق لأن ذكركم أثمرت نخلاته من الخير حتى صار للحجب يمحق فأضحت به عين العبيد قريرة  بقرب له كل الخليقة يعشق

التربية الصوفية والتكافل الاجتماعي

 ذ· لحسن السباعي الإدريسي

إطار بوزارة المالية

أصبح الكثير من المختصين في العلوم الاقتصادية وكل الفاعلين الاجتماعيين، على اختلاف مشاربهم، يدعون إلى الاهتمام بالمسألة الاجتماعية وإلى تقوية التضامن بين الفئات الاجتماعية والعمل على رعاية المهمشين والذين أصبحت قيود الفقر تكبلهم وتمنعهم من الاضطلاع بالدور المنوط بهم حتى غدا إشباع حاجياتهم الأساسية شغلهم الشاغل·لقد أدرك المفكرون الاقتصاديون ضرورة الاهتمام بهذه الفئات قصد إدماجها في مجتمعاتها لأن وضعية التهميش التي تعيش فيها تشكل قنابل موقوتة يمكن في أي وقت أن تنفجر في تلك المجتمعات فضلا عن أنها تمنع أصحابها من المساهمة في آلية الإنتاج نظرا لضعف تكوينهم وأمية عدد كبير منهم مما يجعلهم غير مستعدين للإسهام بكيفية أكثر فعالية في النشاط الاقتصادي·ولهذا نجد النظريات الاقتصادية المعاصرة تحث على ضرورة مساهمة الفقراء في مسلسل الإنتاج من خلال اقتراح برامج متنوعة تهدف إلى إدماجهم في المجتمع بوسائل عديدة منها إعادة التأهيل أو إعطاء مدخول يشكل حدا أدنى يمكنهم من تلبية حاجياتهم الأساسية أو تنظيم برامج تربوية خاصة بهم وبأبنائهم· وقد حاولت كثير من مكونات المجتمع المدني، سواء في الدول الغربية أو في غيرها، تطبيق هذه البرامج من خلال عملها على محاربة الأمية أو تشجيع القروض الصغيرة أو إمداد العجزة من المعوزين بمواد غذائية أو تشجيع الميسورين على جمع ثياب من أجل الفقراء·وإذا كان الخطاب الذي يرجع كل ما يتم اكتشافه أو العمل به في هذا المجال أو ذاك إلى أصول إسلامية يعطي الانطباع بأن المسلم يتفرج على ما يدور حوله حتى إذا وصل غير المسلمين إلى تجديد أو ابتكار في المجال العلمي والتقني أو في الميدان الاجتماعي، قام من يقول إن هذا موجود عندنا في الدين الحنيف،· إذا كان هذا الخطاب فعلا متجاوزا فإن النزاهة الفكرية تفرض الاعتراف بأن الإسلام كان سباقا لوضع أسس التضامن الاجتماعي·وبمقدار ما حرص الإسلام على ضرورة احترام مبدإ المساواة الكاملة بين جميع البشر، أكد كذلك على أن التفاوت بين الطبقات أمر لا يتناقض مع هذا الحرص، بل إن الشريعة الإسلامية تقر صراحة وجود تفاوت بين الفئات المكونة للمجتمعات الإنسانية، ولكنها حاربت المبالغة في كنز الثروات من طرف الأغنياء والخمول والتواكل من طرف الفقراء· ومن أجل ذلك حرم الإسلام كل مال يكسبه الإنسان بغير جهد وعمل ومعاناة· ولهذا نجد أن الله تبارك وتعالى أحل البيع وحرم الربا كما منع الاحتكار والقمار والميسر وكل صفقة تتم عن طريق الانتظار ولا يكون وراء تحقيق نتائجها عمل سواء كان يدويا أو فكريا·والفارق الأساسي بين المنظور الإسلامي والمنظور الوضعي للتضامن هو أن هذا الأخير لا يهتم به إلا من حيث كونه عاملا من عوامل الاستقرار الاجتماعي ووسيلة من وسائل تحقيق السلم الاجتماعي الذي يضمن لكافة الفرقاء تحقيق مصالحهم ويجعلهم مطمئنين عليها· أما المنظور الديني فإنه يهتم بهذا الجانب ولكنه يتعداه ليجعل من التضامن الاجتماعي وسيلة للتقرب لله تعالى ولتطهير النفس وتزكيتها بإخراج التعلق بالمال ومتاع الدنيا من القلب وإنفاقه في سبيل الله حتى يحل محله نور الإيمان وتتقوى بذلك صلة العبد بخالقه جلت قدرته· أما المستفيد من هذا التضامن، فإنه يطمئن إلى أن الفئات الميسورة لا تتجاهل وضعيته فيقوى إيمانه بالله تعالى· فالفقر كاد أن يكون كفرا كما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه·ولهذا نجد النفقة في سبيل الله رحمة لمن يعطيها ولمن يستفيد منها على السواء، فهي تمكن كل من هما من الاستفادة من فضل الله تعالى ومن العيش الكريم الذي لا تستقيم الحياة في الأرض بدونه· فالإسلام يربط التضامن الاجتماعي ليس فقط بالحاجة إليه من أجل توازن المجتمع ولكن بالخصوص لأنه يقرب الإنسان من الله تبارك وتعالى لاستدرار رحمته سواء كان ميسور الحال أو معوزا·وتشكل الزكاة، كأحد الأركان الخمسة في الإسلام، الوسيلة الأساسية لتحقيق التضامن الاجتماعي· كما تمثل الصدقة وسيلة مكملة للزكاة· وإذا كان الإسلام يحث على العمل ويعتبر اليد العليا خيرا من اليد السفلى، فلأنه مبني على التوكل؛ ولكن كذلك على الأسباب، فالله تبارك وتعالى أمر مريم العذراء وهي في حالة مخاض، رغم ألم الولادة، أن تهز بجذع الشجرة لتستطيع أكل التمر وهو القادر جلت قدرته على أن ينزله عليها، دون عناء منها·فالتوكل على الله حق توكله هو نقيض التواكل لأنه يحرره من الكسل والخمول ويحفزه على الحركة لأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة· ولكن هذا الهدف صعب التحقيق بالنسبة لمن تعودوا على وضعية التهميش أو على ذوي العاهات أو من لم تتوفر لهم حظوظ التربية والتكوين· والنفقة في سبيل الله من أجل مساعدة هؤلاء وأولئك تكون مقربة لله تعالى لأنها رحمة بهم، والراحمون يرحمهم الله· وقد قامت فئات واسعة من مجتمعنا بالعمل على إغاثة إخوانهم المعوزين في هذا الشهر المبارك بإمدادهم بمواد غذائية وغيرها· ومن الطبيعي أن يتم ذلك في هذا الشهر بالذات وفي مناسبات دينية أخرى مثل عيد الأضحى المبارك لأنها محطات تذكر بالله تعالى أكثر من غيرها·وفي هذا الإطار قامت الطريقة القادرية البودشيشية بفتح أبواب زاوياتها في الرباط والدار البيضاء وأكادير وغيرها من المدن إضافة إلى الزاوية الأم بمداغ أمام المحتاجين من أجل تناول وجبة الإفطار أو أخذها إلى منازلهم، كما قامت، في حدود إمكانياتها المادية، بتوزيع مواد غذائية على بعض العائلات الفقيرة···وهذا سلوك متأصل في الصوفية سواء ببلادنا أو بغيرها من بلاد الإسلام لأن النفقة في سبيل الله تشكل أحد الوسائل الأساسية في التربية الروحية الإسلامية حتى إن كثيرا من رجال التصوف جعلوا الآية الكريمة التالية شعارا لهم: ''ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة''· بل إن نعت البودشيشية يرجع إلى أن الزاوية فتحت أبوابها من أجل إطعام كل من كان يفد عليها في إحدى المجاعات التي عرفتها المنطقة الشرقية من بلادنا، وكان الطعام الذي يقدم للوافدين من ''الدشيشية'' أو ما يسمى في بعض مناطق المغرب ''البلبولة'' حتى أصبح الأهالي يسمون شيخ الزاوية آنذاك ''بودشيشة'' هذا النعت الذي أضيف بعد ذلك إلى الإسم العائلي القادري والذي يرجع إلى ولي الله تعالى والعالم الفذ مولاي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه وأرضاه


 

هـل نحتـاج إلى الاستشـراق لإنصـاف التصـوف ؟

ذ· منير القادري بودشيش

أستاذ باحث في التواصل والتصوف بالسربون

كان التصوف ولا يزال مهوى أفئدة رجال الاستشراق جميعا، ومنذ قرون وهم يبحثون عن كنوزه، ويستخرجون لآلئه ونفائسه متجشمين مشقة البحث عن جليل المصنفات والمخطوطات· واستكناه معانيه واستكشاف مضامينه المغدقة بالحقائق والدلالات· لكن هل استطاعوا في دراساتهم وتأليفاتهم وانتقاداتهم أن يكونوا موضوعيين في أحكامهم· وصائبين في فهمهم واستيعابهم؟ بمعنى آخر، هل هاته المجهودات الشاقة التي بذلوها في أبحاثهم حول التصوف الإسلامي كانت في صالح وخدمة هذا التصوف· أم كان ضررها شديدا وإساءتها له بليغة؟لقد حدث تطوير كبير، بل ونوعي، في الدراسات الاستشراقية للتصوف، ذلك أن الجيل الأول من المستشرقين انطلقوا في أبحاثهم حول التصوف من أحكام مسبقة وخلفيات غربية جاهزة شكلت لهم عوائق منهجية ومعرفية، متسمة بالهوى والابتعاد عن روح الموضوعية والإنصاف ومن الأحكام الجاهزة التي أعاقت وصولهم للموضوعية العلمية والنزاهة الفكرية، هو اعتقادهم مسبقا -بدافع البغضاء والعداوة المقيتة للإسلام- أن الإسلام عقيدة جافة ومادية، وبعيدة عن الروحانية، لذلك استبعدوا أن يكون التصوف -الذي يمثل روحانية الإسلام- هو جوهر الإسلام ولبه· ووصموا التصوف بأنه دخيل عليه، واختلفوا في المرجعيات التي نسبوه إليها، حسب ثقافات وعقائد وانتماءات هؤلاء المستشرقين· فبعضهم نسب التصوف للروحانية المسيحية ورهبانيتها، والبعض أمعن في الطعن والتجريح وأرجع التصوف للفلسفة اليونانية أو الهندية أو الفارسية·كان هذا هو موقف قدماء رجال الاستشراق من التصوف، ولم يريدوا أن يعترفوا بأن التصوف منبثق من داخل الإسلام· وكأنما عز عليهم أن ينجب الفكر الإسلامي هؤلاء الصوفية الأفذاذ الذين تألقوا في سماء العرفان والمحبة والخُلق الرباني الكريم·ومن الأسباب التي جعلتهم أسرى هذه النظرة الضيقة، والأحكام الجاهزة المقيتة، هو جهلهم للإسلام، وبعدهم عن تدبر الخطاب القرآني الرباني والحديث النبوي الشريف · وبالتالي جهلهم للروحانية الإسلامية الصوفية· فلم يستطيعوا تذوق معانيه، والتحلي بأخلاقه·· والغوص في بحار عرفانه· حجبتهم فلسفاتهم المادية التي تشبعوا بها وأساليبهم المنهجية الجافة التي حاكموا بها التصوف الذي هو عبادة وإيمان ومحبة وذوق وإلهام وإحسان·لكن بما أن الحق مهما طاله التجاهل والعداء والإنكار، لابد أن يجد له منصفين ومدافعين حتى من بين من كانوا له بالأمس منكرين· فإن الجيل الثاني من المستشرقين -في القرن العشرين- كانوا أقل إساءة وتجريحا للتصوف· بل برز من بينهم مدافعين كبار عن إسلامية التصوف· فتصدوا لأبناء حضارتهم الغربية بالمناقشة والنقد ليكفوا عن التشبت بتلك الأحكام الجاهزة المعادية للإسلام والحضارة الإسلامية· ومن بين هؤلاء:المستشرق العالم نيكولسون الذي قال: ''إن إطلاق الحكم بأن التصوف دخيل على الإسلام غير مقبول· فالحق أننا نلاحظ منذ ظهور الإسلام أن الأفكار التي اختص بها متصوفة المسلمين نشأت في قلب الجماعة الإسلامية نفسها إبان عكوف المسلمين على تلاوة القرآن والحديث''·وهو بهذا يرد التصوف إلى منابعه الأصلية؛ يرده إلى القرآن والحديث، وإلى روحانية الإسلام· لأن التصوف ما هو إلا مقام الإحسان بحسب ما ورد في الحديث النبوي الشريف من جواب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لسيدنا جبريل كما رواه سيدنا عمر ''أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك''·وقد تابع كثير من المستشرقين المحدثين الاعتراف بإسلامية التصوف كالمستشرقة شيمل التي أفنت عمرها في التعمق والغوص في معاني وحقائق التصوف، ألفت وحاضرت في أكبر الجامعات العالمية مدافعة عن إسلامية التصوف باعتباره جوهر الإسلام ولبه ·لكن وبالرغم من الوفاء بالأمانة العلمية، فهل نحن مجبرون على اقتفاء أثرهم وتبني مواقفهم؟ هل نحن مفتقرون إلى ما توصلوا إليه فهما وتحليلا وتحقيقا ؟ هل فعلا اتسعت ثقافتهم لتستوعب كل ظاهر وباطن مكنون في صلب العقيدة الإسلامية وحضارتها؟ وهل سيكونون أفصح منا وأقدر على الإدراك بالروح والعقل لأسرار القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين والحديث الذي قيل في حق صاحبه ''وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى''؟ هذه مجموعة أسئلة تحتاج إلى ردود اعتبارية وقلبية قبل أن تكون علمية موضوعية·
 

تنقيح المناط بين أهل التصوف وأهل الفقه

 د· عبد الله معصر

 يعتقد بعض الباحثين أن صفة الاجتهاد لصيقة بالفقه والأصول وأبعد ما تكون عن التصوف·ومنشأ هذا الغلط يرجع إلى سببين: الأول: اعتقاد أن الاجتهاد خاص بفقه الجوارح من حيث الحكم عليها، والتصوف لا يتعلق بالجوارح بل بأعمال القلوب وأعمال القلوب ليست من اختصاص الفقهاء، وهي لا تبدو ظاهرة للعيان حتى نحكم عليها ·الثاني: أن المجال التداولي للفقه يختلف عن المجال التداولي للتصوف، ذلك أن الفقهاء يولون عنايتهم بأحكام الظاهر ولا يلتفتون إلى أحكام الباطن، في حين يركز الصوفية اهتمامهم على الباطن مع عنايتهم بأحكام الظاهر·ومن هذا المنظور لا يصح الحكم على التجربة الصوفية، والإفتاء في التربية الروحية إلا لمن كان مؤهلا للاجتهاد في هذا الميدان، وإذا كان الاجتهاد الفقهي في عمقه هو مجهود عقلي يبذله الفقيه، إلا أن الاجتهاد العقلي مشروط بعدم اتباع الهوى، لأن عدم اتباع الهوى معناه أن تكون بصيرة المجتهد حية يقظة، أي أن المعرفة الظنية (الجهد الذي بذله) مؤسسة على معرفة يقينية، ومن ثم يمكن القول إن البعد الصوفي (البصيرة- الخشية- الخوف) حاضر ولو بطرف خفي -يزيد هذا تأكيدا ما ذكره علماء الأصول من أن تصرفات المكلف وأعماله منوطة بمقاصدها، وأن المقاصد أرواح الأعمال وقد يستفتى الفقيه فيجيب دون أن يدرك أن للمكلف حظوظا في هذه الفتوى، ومن هنا نص العلماء على أن المقاصد الشرعية ضربان مقاصد أصلية ومقاصد تابعية فالأولى لاحظ فيها للمكلف والثانية فيها حظ المكلف·ونحتاج في هذه المرتبة إلى مجتهد من نوع خاص، قد سبر أغوار النفس الإنسانية وخبر تلوناتها، وقطع عقباتها، وأحكم فقه الأوصاف الباطنة، فهو ينزل كل نفس بما يليق بها مما يرى فيه مصلحتها الآجلة، وهذا النوع من الاجتهاد لا يعتمد على بذل الجهد العقلي، بل لابد فيه من صاحب فراسة قد تجوهرت روحه· وصفت سريرته وبصيرته، عارفا بعلل النفوس وأدوائها، وفاهما لما يصلحها، فمجال اجتهاد هذا الصنف من العلماء هو باطن النفس الإنسانية وذلك بتحليل دقائق علوم المعاملات وعيوب الأفعال، فهؤلاء هم النموذج الحي الذي ينبغي الفزع إليهم لتجاوز آفات النفس، والخلاص من مكايدها· ولا تتحقق السلامة من آفات النفس وعيوبها إلا باللجوء إلى اجتهاد هؤلاء المربين، واجتهادهم مؤيد، قد أسس على يقين، إذ هم لا يصدرون إلا عن فراسة ومن ثم قيل ''من لم ترضه أوامر المشايخ وتأديبهم فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة''· إن اجتهاد الصوفي مبني على تحقيق المناط بحسب اختلاف النفوس ومراميها وأهدافها وبواعثها ومنطلقاتها، فهو اجتهاد في إصلاح النفوس ومداواة عيوبها وافاتها، وهذا يختلف باختلاف أمراض النفوس، وهذه الحقيقة يؤكدها الإمام الشاطبي في كتابه ''الموافقات'' إذ يقول : ''وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد، كما أنها في العلوم والصنائع، كذلك، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر، ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر، ويكون بريئا من ذلك في بعض الأعمال دون بعض فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف''(1)·وهذه مزية لا تكون إلا للعارفين بالله· دون العالمين بأحكام الله، ولله در الإمام ابن رشد الجد الذي يقول :''لا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال ··· أفضل من العارفين بالأحكام بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول، لأن العلم بشرف المعلوم وبثمراته فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، لأن ثماره أفضل الثمار، فإن معرفة كل صفة من الصفات توجب حالا عليه، وينشأ من تلك الحال ملابسة أخلاق سنية ومجانبة أخلاق دنية، فهذه بعض ثمار معرفة الصفات، ولاشك أن معرفة الأحكام لا تورث شيئا من هذه الأحوال، ولا من هذه الأقوال والأعمال··· والعارفون أفضل الخلق وأتقاهم لله سبحانه والله سبحانه يقول: ''إن أكرمكم عند الله أتقاكم''(2)، ومدحه تعالى للمتقين أكثر من مدحه للعالمين وأما قوله تعالى: ''إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء'' (3) فإنما أراد العارفين به وبصفاته وأفعاله دون العارفين بأحكامه، ولا يجوز حمل ذلك على علماء الأحكام''(4) ·ومن هنا كان اجتهاد الصوفي مصحوبا بالمراقبة والمشاهدة، وبهذا فضل اجتهاده اجتهاد الفقيه إذ يثمر اجتهاده أحوالا سنية وأخلاقا زكية·
 

خير الليالي بالزاوية القادرية البودشيشية

 ذ· عبد الصمد غازي

 ليس الإنسان إلا زمنا قصيرا وأياما معدودات يقضيها في هذه الحياة الدنيا، هذه الدنيا العابرة والزائلة والفانية، والإنسان مطالب في زمنه باستثماره الاستثمار النافع والناجع؛ والعاقل من وقف على حقيقته واستشرف مآلات عمره، فأصبح همه العمل على بناء مستقبله الخالد بتخليصه من نداءات الحاضر العاجلة التي تهدد آجله أيما تهديد وتنسفه نسفا؛ هكذا تمر أيام الإنسان وليست أيامه إلا أعماله ولا قيمة لأعماله إلا ما أخلص فيها للحي الذي لا يموت والذي أهبط الإنسان إلى الأرض الدنيا ابتلاء وامتحانا، هذا الإنسان الذي يسعى بكل قواه إلى النجاح في امتحانه بتجاوز آفات نفسه الوهمية التي تخلد إلى الدنيا، وتحرير روحه من سجن الهوى، تلك الروح التي تتوق إلى عهدها الأزلي السماوي الدائم الذي شهد بالربوبية للحق تعالى·هكذا كانت بعض من ملامح فلسفة الزمان الأخلاقية والروحية عند المسلمين يغتنمون زمنهم القصير بالطاعات والأعمال الصالحات كي يتداركوا الفوت قبل الموت·وهكذا كانت فلسفة أعيادهم واحتفالاتهم يجعلون منها فرصا ومناسبات لإذكاء الوعي بوظيفة الإنسان الأصلية في الوجود· من أجل الانعتاق من الزمن المادي والارتباط بالزمن المعنوي عبر التطابق الكلي مع شريعة الله التي حددت للإنسان حركاته وسكناته في هذا الوجود الابتلائي·فقد كانت ليلة القدر التي هي ''خير من ألف شهر'' مبتغى المحسنين التواقين لرحمة رب العالمين، والتي يخرج فيها الزمن عن وضعه الطبيعي البشري ليصطبغ بقيمة إلهية روحية عالية هي ''الخيرية من ألف شهر''وكأن الإنسان تتجدد ولادته، ويتجدد عهده بالله وكأن الزمن القصير القاصر عن إدراك المطلوب تتداركه البركات والخيرات والعناية الإلهية، فكان إحياء الأمة الإسلامية عبر تاريخها لليالي القدر، وكانت الطرق الصوفية تسهر على إحيائها تمكينا للقيم الروحية الإسلامية العليا من النفوس العاشقة للكمال المأمور والمأمول·وترسيخا لهذه السنة الأخلاقية الحميدة ما فتئت الطريقة القادرية البودشيشية ترسخ لإمتداد المأصول لهذا التوجه الروحي الذي يحضره الطالبون الراغبون والمؤمنون المحتسبون يحيون ليلة القدر المباركة بختم سلك القرآن الكريم وصحيح البخاري والشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض ودلائل الخيرات وغير ذلك من الأذكار·لقد قصد الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ (ناحية بركان) في هذه الليلة المباركة أفواج من مريدي الطريقة من مختلف المدن المغربية كما حج إليها مريدوها من خارج المغرب من مريديها المغاربة و''الأجانب'' الذين تداركتهم الرحمة المحمدية المهداة باعتناقهم للدين الإسلامي الحنيف على يد شيخ هذه الطريقة العارف بالله سيدي الحاج حمزة بن العباس الداعية إلى الله بالحال والمقال فآثار صحبته التي ظهرت في التخلق بالخلق المحمدي الكريم إنه الشيخ الذي يسهر منذ عقود خلت على تجديد التربية الصوفية والحفاظ عليها تربية نبوية صافية نقية من كل شائبة تنال منها، وكيف لا وهو الشيخ المأذون الموصول برسول الله صلى الله عليه وسلم شيخا عن شيخ؛ حافظ على النبع الروحي الخلاق في بلد الأولياء والصالحين، وفي زمن كانت ثروتنا الروحية هدفا للطعن والجحود والإنكار حتى أصاب الأمة ما أصابها من فقدان الهوية وضياع الأخلاق واختلاط أسباب التدين السليم على الناس؛ غير أن نفحات العودة إلى الأصول وتصحيح مسار التدين في السنين الأخيرة يبشر بنهضة روحية على الجميع أن يساهم في بنائها ببناء الإنسان وتوجيه قلبه لله تعالى حتى يتحرر القصد من تلبيسات الأوهام، وإن لبست لباس الدين، فعلينا طرح السؤال الخطير والمقلق، هل نقصد بالفعل والحال والمقال وجه الله تعالى؟ تزداد حدة هذا السؤال كلما حاولنا الصدق في الطلب!! فقد كانت ليلة جمعت الناس كل الناس من مختلف الأجناس والأعمار والحيثيات واللغات، يوحدهم نداء الروح الذي يوجه القلوب إلى الله عز وجل ويؤلف بينها، ''لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم''· إنه المدد المحمدي الذي يحمله قلوب أوليائه من القائمين على تربية الخلق وإرشادهم لله تعالى في كل العصور والأزمان·لقد تميزت هذه الليلة المباركة بالسماع الروحي والمديح النبوي الشريف الذي تتنسم فيه الأرواح نفحات الحضرة الأقدسية وتتشوق فيه لجناب الحضرة المحمدية، ففاضت الأعين خشوعا وتضرعا وتحركت القلوب والأجسام وجلا وفرقا وشوقا وقد قام ثلة من الأساتذة العلماء بإلقاء كلمات توجيهية بالمناسبة ذكرت بفضل الصيام وأفضلية شهر رمضان في عمر المسلم وخيرية ليلة القدر فيه، كما تناولوا بالدرس والتحليل ضرورة التربية الصوفية السنية لكل مسلم ينشد الكمال في علمه وعمله·وفي ختام هذه الليلة المباركة توجهت القلوب لباريها تعالى ورفعت أكف الضراعة بأن يحفظ أمير المؤمنين حامي حمى الملة والدين ويجمع شمل المغاربة ويوحد كلمتهم وينصر المسلمين قاطبة على أعدائهم الآثمين ويوفقهم للخير والرشاد· ثم أذن شيخ الطريقة سيدي حمزة أطال الله عمره في افتتاح دورة جديدة من سلك القرآن الكريم وصحيح البخاري والشفا ودلائل الخيرات إذ لا يوجد أفضل للتضرع والتقرب إلى الله تعالى واستدرار لطفه وحفظه ورحمته من كلام الله تعالى وحديث رسوله الكريم والصلاة على الشفيع المشفع يوم الدين، وهي سنة حسنة سارت عليها الطريقة المباركة منذ سنين·


طرق الاستدلال في العرفان الصوفي

 ذ· محمد أديوان

كلية الآداب، الرباط

الاستدلال من الاستفعال، وهو في اللغة طلب الدليل والبرهان على قيام حقيقة شيء ما· وهو عند أهل المنطق إقامة الدليل العقلي على صحة افتراض ما· وعند الأصوليين، لاسيما الآمدي، يعني القياس ذكر الدليل نصا أو إجماعا أو قياسا أو غيره(1)والاستدلال عند الصوفية غير مفهوم على شرط العقل، وإن هو مؤول على شرط الذوق· إذ المعول عليه عندهم هذا الأخير لا الأول·ومن أمور إقامة الدليل عند الصوفية الإلحاح على طلب المريد الصادق بالتجربة والممارسة· وهذه الأخيرة ليست مطلوبة لذاتها، وإنما لما تجلبه من آثار اليقين في قلب المريد، فتكون التجربة والرياضة في عرف القوم بابا من أبواب إقامة الدليل على صدق ما يقولون، إذ يحصل للمريد في الطريق ما يعرفه صدق ما قاله شيوخ العرفان من الصوفية· فينبني لديه الاقتناع لا على أساس العقل بقوة الترجيح أو القياس  مثل القياس المبني على قياس الغائب على الشاهد(2)، وإنما على أساس الذوق بقوة الاطمئنان والتسليم بعد حدوث الحال وانقداح المعرفة الجوانية لدى المريد·إن نمط الاستدلال الصوفي، إذا جاز استعمال المصطلح في هذا المقام، هو نمط يخرج بالاستدلال عن طقسه العقلي العادي إلى مستويات التأويل بـ''البرهان'' القلبي وهو حدوث لذة العرفان بالحال لدى المريد، وهو من قبل خال من أي حال·إن الأبعاد الروحية الذوقية للحال، أيا كان نوعها، تخول للمريد الخروج من جهل الظاهرة التي يحس بوقوعها في كيانه كتحول عميق لإنيته، من حال غيابها عن الحضرة الملكوتية إلى حال الحضور القوي معها، فيكون الإحساس بهذا الحضور من باب قيام الدليل على صدق ما يقوله القوم عن حدوث مثل ذلك في حياة المريد· إن مسطرة الاستدلال العقلي مبنية على قواعد المقارنة والتناظر والتماثل أو الاختلاف والتناقض والتلاغي، وهي كلها عمليات مثل غيرها من العمليات المبنية على مقياس المفاضلة والموازنة، تعتمد أولا وقبل أي شيء على حدوث ما يوجب القياس وهو الرغبة في إقامة الدليل والبحث عن البرهان· فتصير عملية طلب الحجة والبرهان قائدا يحرك صيرورة العقل في مساره المعقد نحو إثبات حجة ما أو نقضها·ولا نغلو إذا قلنا إن المنطق أو الصيرورة الذوقية التي تقطعها الرغبة الروحية لدى المريد لإثبات حقيقة حاله، مشابهة في الظاهر لصيرورة العقل في بحثه عن الحجة أو البرهان· بيد أن الاختلاف بين الصيرورتين يكمن في ما يحدث من لجوء العقل إلى بناء الحجة بالعلاقات المنطقية والحسابات القياسية البرهانية، في حين أن القلب أو القوى الذوقية لدى الصوفي وهي قوى روحية لا تخضع للمنطق السابق وإنما تبني منطقها على أساس عميق تظهر آثاره فقط في آخر مراحل تشييده في صورة حال هي رديفة اليقين الحاصل لدى المريد في لحظة حدوث عرفان في مقام من مقامات الطريق·وهكذا يبدو أن أبنية البرهان تختلف عن صور اليقين في العموميات والخصوصيات· وإذا كان البرهان العقلي قد يغير في الموقف المعرفي لدى الانسان بعض أعراض المعرفة أو أجزائها في سياق علم من العلوم، فإن اليقين الصوفي الحاصل عن طريق الملكة الذوقية الروحية يحدث شروخا عميقة في إنية المريد ويحدث له نقلا من عالم الغفلة عن الحقائق إلى عالم اليقين بها وباللطائف والرقائق·لايمكن بعد هذا كله الادعاء بإمكان صياغة منطق للصيرورة الذوقية العرفانية على غرار ما هو معهود في صياغة المنطق الصوري أوتمثلاته المعرفية·فكل رغبة من هذا النوع هي سعي إلى دمج بنيتين مختلفتين بل ومتناقضتين في سياق واحد يتوهم البعض القدرة على جمعهما· فكل منطق صوري هو محكوم بآلياته وأشراطه كالمنطق الرياضي مثلا· وكل ''المنطق'' ذوقي إذا جازت العبارة ،له أشراطه وآلياته ·ومن ثم وجب التمييزالدقيق بينهما لا من باب التعصب لأحدهما على غير أساس ،وإنما من باب كونهما بابين ينفتحان على نمطين من المعارف لا مجال للتداخل بينهما· أولهما يختص بالمعارف العقلية والحسية المادية ، والثاني ،مختص بالمعارف الروحية الذوقية الحالية··وإذا كان منهج كلتا المعرفتين يتطلب تحقيقا لنوع العلاقة بينه وبين الموضوع أي موضوع المعرفة المتناولة ،فإن المشقة في تحقيق علاقة المنهج الذوقي بالمعرفة الروحية أكبر من المشقة في تحقيق علاقة المنهج العقلي بالمعرفة المادية العقلية، ولعل شرط التوافق بين المعرفتين وبين المنهجين غير موجود لأنه لا يليق بنا خلط الحدود المستقرة منذ التاريخ الطويل لكلا الاتجاهين، ولا يمكن لمجازفة من هذا النوع إلا أن تظهر تهافتها وهلهلة نسج منطقها التحليلي لو رامت ذات يوم مد الجسور بين معرفة عقلية تأصلت في العرف الإبستمولوجي العام بكونها معرفة مادية حسية برهانية، ومعرفة ذوقية روحية، هي الأخرى تأصلت منذ آماد طويلة في العرف الإبستمولوجي الإسلامي بكونها معرفة متعالية روحية جوانية ومن نوع خاص في سلم المعارف الجوانية أو مراتب ومعارج الروح في سماء الأخلاق ودرجاتها الروحية·إن المبدأ العام الذي يمكن أن تشترك فيه المعرفتان مع ذلك، هو كونهما منبتقتين من الإنسان في شرطه الوجودي والإدراكي، سواء كان وجودا ماديا أم وجودا روحيا، وسواء كان إدراكا ماديا عقليا أم إدراكا روحيا ذوقيا·إن هذا المبدأ العام هو أقصر السبل لعقد الصلة ووشيجة القربى بين هذين الضربين من المعرفة البشرية· وإذا جاز هذا التقريب من الزاوية التصورية، فإنه يجوز أيضا من الناحية العملية بتحول أحوال الإنسان من حال الجهل إلى حال المعرفة بنوعيها، وبتحوله من حال المعرفة الأولى العقلية إلى حال المعرفة الثانية الروحية والذوقية·ولعل الأسباب الداعية إلى هذا التحول كامنة في قدرة الإنسان غير المتناهية في حدود شروط بشريته المتناهية· ومنطق التحول المومأ إليه هنا هو الذي يتيح نقل الإنسان من جزئيته ونقصه وسفاهته إلي كليته وتمامه (البشري دائما) وصلاحه، ولما كانت مراتب الكمال البشري كثيرة ومتنوعة يكمل بعضها بعضا في سلم الترقي الأخلاقي أو العقلي، كان مصير التحول قدرا لا مفر منه، من حال إلى حال ومن طور إلى طور في سائر نواحي الفعالية السلوكية البشرية، ظاهرة كانت أم خفية مستترة، بحسب ما يتحكم فيها من آليات العقل أو آليات الروح والذوق·إن تفعيل منطق التحول المذكور، هو الذي يخلق الإنسان الكامل أو المثل الأعلى في بني البشر· ولوقوع مثل ذلك يلزم تحقق شروط كثيرة هي المنصوص عليها في الكتابات الصوفية وفي خطابات المفتوح عليهم ممن تحققوا بصفات الكمال الروحي أو بحثوا عنها مجدين في المسير·ولا عبرة بما يتحقق في وهم سالك من السالكين ما لم يبدأ الطريق من منطلقات الشريعة بإقامة الفرائض والنوافل واعترافا منه بضرورة التشرع قبل التحقق، لأن أحدهما لا يجزئ عن الآخر في النظر السليم·هكذا، يصير مطلب التشرع مطلبا ضروريا لابد منه لكل مريد سالك في الطريق· فبالتشرع تحصل فوائد الإيمان العقلية والروحية في بداية الطريق، فيتحصن المرء به عن هفوات القدم كالإنجذاب إلى هوى النفس أو شهوة البدن أو عارض من الأعراض القادحة في إيمان المرء وإسلامه مما يقوم الدليل عليه عقلا ونصا·فالعقل في مرحلة التشرع رديف النص الشرعي بأنواعه، وكل فهم لما هو منصوص عليه في الشريعة ينبغي رده في أول الطريق إلى العقل لتمحيصه والتثبت من صحته وقوعا تحث طائلة القول المأثور'' أن الله لا يعبد بالجهل''· فالمريد السالك يحتاج إلى العقل في أول مراحل الطريق ليميز الخبيث من الطيب ويفهم الأدلة التي بها يقوم أصل الدين وشرائعه ومعرفة المريد بهذا الجانب معرفة ضرورية ولازمة لا يحق له أن يدعي غيرها من المعارف ما لم يحقق هذه المعرفة بالدين أو القسط الضروري منه والمعلوم عند المسلمين بالضرورة عقلا ونصا·وكل من خولت له نفسه من السالكين ادعاء الرقي في معارج السمو العرفاني بدون تأصيل ديني شرعي، فهو واهم لا محالة، لأن علم الضروري من الشريعة لا يورث بين البشر وإنما هو حصيلة كسب واعتياد وممارسة وفهم وإدراك حسب ناموس الإسلام·ولا يتأتى ما هو أسمى من علم الشريعة وألطف منها من المعارف الروحية إلا لمن أحكم علم الشريعة تطبيقا وممارسة ونظرا· فالعرفان الصوفي أسمى درجة وأرقى مرتبة في سلمية الإدراك لحقائق التشريع ومقاصده الخفية اللطيفة التي بها يكمل الجانب الروحي من الشريعة وهو المصطلح عليه عند القوم بالحقيقة·يتحصل من هذا كله أن من يدعي تعارض العقل والذوق هو صادق بشرط أن يضيف أن مجال العقل مشروط بسياقاته ومجال الذوق مشروط بسياقات مغايرة· ومن ثم وجه الاختلاف في طرق الاستدلال بين العقل والذوق في عمليات الإدراك العقلي والعرفان الصوفي·

الهوامش :ü كلية الآداب، الرباط1- الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 4 ص 161 ·2- قياس الغائب على الشاهد·