عدد15

في هذا العدد

الاستهلال

من أعلام التصوف المغربي في القرن السادس الهجري:العالم الصوفي أبو محمد عبد الجليل القصري1ذ· محمد المغراوي

ابن الموقـت المـراكشـي بمنظـار صوفيـة زمـانـه ذ· محمد بنشارف الرحماني

بعض مظاهر الخطاب الصوفي المنقبي د· عبد الله معصر

 

الاستهلال

''سلاما''، كلمة قرآنية عظيمة علمنا أن نقولها ربنا العزيز الرحيم، إجابة لكل خطاب جهول· وإذا كنا ندعي الإسلام ونستشرف الانتساب إليه، فلن نقول إلا ''سلاما''·سلاما لأحبتنا المتزايدين الزائدين إخجالا لنا بما يثنون ويشجعون، وإلزاما بما يرقبون ويستأهلون·إن الأمانة لجسيمة، وإن المسؤولية لعظيمة، وإن أمتنا لفي لحظة من الحرج أليمة، لقد تداعت عليها أمم، وخارت منها قوى وهمم، وتضاربت في داخلها آراء ومذاهب باسم الاختلاف حتى أصبح محظورا علينا الائتلاف، وتحت خباء الاختلاف وبتفويض منه يقول كل ما يريد ويفعل؛ وباسم الاختلاف تعوج عقول وتضل وتفسد أخلاق وتنحل·غير أن لنا فيما ننهج بحمد الله وفي قلوب أحبتنا العزاء والأمل أن الحق غالب بعد فلول وأن النور آيب بعد أفول·إن رسالتنا المتواضعة يقويها العمل والإيمان بالعمل، وتقويها ثقة الأحباب ومساهماتهم القلبية والقلمية، رسالة نعتقد أنها شمعة على طريق الحق لتصحيح المسار وإقالة العثار وعلى الله قصد السبيل·لنا في هذا العدد وقوف مع سيرة الصادق المصدوق عليه السلام، وحوار بعضه موروث جدالي وبعضه حضور مراسي مع أهل الشأن الأخلاقي، ولنا التفات إلى أهل العلم والعرفان في الشعب الإيمانية وفي إبداعات المحبة الإلهية، ولنا وقفات مع الهوية الأخلاقية في هذا العالم ومقابلتها مع اللاأخلاقية، ومع المنقبة الصوفية ومنطقها والمواقف من أهله، المقابلة لمواقف أهل الملل الأخرى من المسلمين، كما لنا في انتقاد بعض أدواء الواقع إشارات وفي بعض أسباب الشفاء منها عبارات نرجو أن تعيها قلوب واعية لتجد نفسها في موعد مع النور مع أهل النور، يهدي الله لنوره من يشاء·ولا يفوتنا أن نترحم جميعا على أحد إخوتنا وأعضاء أسرتنا الأستاذ مولاي محمد الهاشمي الذي خلف أسى وفراغا في قلوبنا، فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه في جنانه ''وإنا لله وإليه راجعون''·


بعض مظاهر الخطاب الصوفي المنقبي

 د· عبد الله معصر

 يعتبر كتاب ممتع الأسماع في الجزولي والتباع وما لهما من الأتباع من الكتب التي تنتمي إلى جنس كتب المناقب والكرامات، وهذا النص المنقبي لا يقتصر دوره على إفادة المتخصص في دراسة التصوف المغربي ومدارسه، بل يتعدى ذلك إلى إمداد المؤرخ بمعلومات تاريخية واجتماعية، وسياسية، يستفيد منها في تحليل مختلف المظاهر الاجتماعية والاقتصادية للفترة وللمجتمعات التي يؤرخ لها·إن دراستنا تتوخى الكشف عن البنية المعرفية والأخلاقية والسلوكية لهذا الخطاب، وبيان أسسه الثابتة والمتغيرة والآليات التي تنظم شبكة العلاقات التي تحكم هذا الخطاب·إن الخصائص العامة لأدب المناقب تتغيا التعريف بالشيوخ وأحوالهم وزمانهم ومكانهم وكلامهم وأتباعهم·وانطلاقا من هذا المنظور سنعيد قراءة هذا النص المنقبي بترتيب أفكاره، وتحليل خطابه·ونشير بادئ ذي بدء إلى أن الخطاب الصوفي في كتاب ممتع الأسماع تحكمه مجموعة من الثنائيات يمكن تصنيفها كما يلي:-باعتبار انتمائها إلى المجال الصوفي أو عدم انتمائها هناك المعتقد والمنتقد: -الأولياء والفقهاء· -وباعتبار درجتها في سلم المعرفة الحال والمقال· علم الباطن وعلم الظاهر· أو العلم اللدني والعلم البشري، أو التحقيق والتشريع··وفي ضوء هذه الثنائيات سيتناسل الخطاب الصوفي في كتاب ممتع الأسماع·-المناقب وثقافة النموذجإن من أهم مقاصد هذا الكتابة المنقبية هو تقديم النموذج الصوفي كما تجلى في سيرورته التاريخية·ويتخذ الحكي من المقدس في حياة النموذج مادته الوصفية، وفي ثنايا هذا التحليل نستشف البعد العلمي والعملي لأدب المناقب، إذ أن أصحاب هذه المؤلفات يجعلون من بين أغراضهم إقناع المخاطب، وتحقيق التواصل النفسي، والمشاركة الوجدانية بين النموذج وبين القارئ،وذلك حتى يخرج من ضيق أخلاق النظر المجرد إلى وسع أخلاق العمل المسدد، إنها كتابة تهدف إلى تصحيح فاسد الانتقاد، وترسيخ صحيح الاعتقاد، ومن تم يمكن القول إنها دعوة لصيانة النموذج أو إعادة إنتاج النموذج· وامتداده في الزمان والمكان·والنموذج في الأدبيات المنقبية محاط بجملة أوصاف تجعل منه شخصا غير عادي، وهذه الأوصاف يمكن إجمالها فيما يلي:1-أنه صاحب خصوصية: وخصوصيته تنبع من كونه يعتبر مدارا ومحورا ومركزا في التربية الصوفية،ولذلك فهو يوصف بأنه -القطب الغوث الجامع- الوارث الرباني-قطب وقته ووارثه وغوثه- شيخ المشايخ- إمام أئمة الطريق- أستاذ الأكابر- الشيخ الكامل.2- قوة تأثيره في المريدين، وهذه القوة يستمدها من كونه مؤيدا بالتوفيق الإلهي، ولذلك فهو إكسير الحكمة ومغناطيس الأرواح من صحبه أنهضه حاله ودله على الله مقاله, وهو الكيمياء,3 وفي حضرته تكون الولادة الروحانية,4 وهو يغني بنظرة ويصطاد الرجال بهمته,5 وهو يربي بقصيده,6 وهو تهطل سحائب مدده على المريدين وتثمر,7 وهذا التحول الذي يحدث للمريد في صحبته للشيخ تعكسه كثير من الأدبيات المنقبية، من ذلك ما حكي في ترجمة الشيخ سيدي عبد العزيز التباع أنه احتجب مرة في داره أياما، ثم خرج لباب الدار فسمع الناس بخروجه أو أمرهم بدعائهم إليه، فجعلوا يأتونه فيسلمون عليه وينظر إليهم، فلما انقضى ذلك أخبرهم أنه ولد في ذلك اليوم خمسمائة ولي,8 ونظير هذا ما روي في ترجمة أبي العباس أحمد بن عمر الحارثي قال بعضهم: لما صلى المغرب معنا كان من جملة عامة الناس· فما صلى العشاء أو قال الصبح حتى كان من أكابر أولياء الله تعالى,9 ومن ذلك ما ورد في ترجمة الشيخ سيدي عجال الغزواني وفيه أنه لما أخذ الفقراء في الذكر دخل معهم فيه فأدرك به في باطنه أمر عظيم قال إنه كشف له من العرش إلى الفرش.10وهذا التأثير الذي يتمتع به النموذج في الخطاب الصوفي يؤسس على علاقة الحال بالمقال· إذ المعتمد عنده هو الحال· ومن قوة الحال يستمد المقال قوته· فإذا وجد الحال وجد التأثير،وإذا فقد الحال غاب التأثير، إذ لسان الحال لديه أفصح من لسان المقال، ولذلك فهو يجيب بالحال أكثر مما يجيب بالمقال,11 وهذا من مظاهر خصوصيته· 3- أنه صاحب كرامات: والكرامة في الخطاب الصوفي ذات أبعاد تربوية فهي إظهار لقدرة الله رغما على أنوف المتكبرين، وهي بشارة لقلوب السالكين وأنسا لقلوب الواصلين,12 وهي تصور مدى حضور النموذج في الوعي الجمعي للمجتمع، وهذا ما يؤكده دوران تعبيرات كثيرة في هذا المجال، في ذلك قول صاحب الممتع (واشتهرت عنه الكرامات) وقوله (له الكرامات الكثيرة التي لا تحصى والمنازلات التي لا تستقصى بلغ بها التواتر في أقصى البلاد ولم تزل مداولة بين العباد·) وقد تواتر عند الناس كرامته)·إن التعبير بلفظ التواتر يشير إلى السطوة التي يحظى بها النموذج داخل المجتمع ودوره في التأثير الأخلاقي·إن الخطاب المنقبي يهدف إلى نقل التجربة السلوكية التي عاشها الصوفي أو النموذج، حتى يقع التحول الأخلاقي عند الفرد، فيسلك تجربته ويقتفي أثره، وقد روي أن أحد الشيوخ كان يتكلم مع أحد المريدين وكان المريد كثير الحفظ فجعل يقول قال الشيخ فلان، وروي عن الشيخ فلان، فقال له الشيخ إلى متى قال فلان وروي عن فلان؟ فماذا أقول أنا
 

ابن الموقـت المـراكشـي بمنظـار صوفيـة زمـانـه

 ذ· محمد بنشارف الرحماني

أستاذ بالمركز التربوي الجهوي - مراكش

 لم يحدث أن أثارت شخصية مراكشية في حياتها ما أثارته شخصية محمد بن عبد الله المعروف بابن الموقت المراكشي·إننا بصدد ظاهرة مختلفة، وغير عادية حقا، تلخص حالة فقيه تنقل في كتاباته بين عدة فنون، كالتراجم والتاريخ، والفقه والخطابة، والكتابة الأدبية شعرا ونثرا، دون أن يبرَّز أو يُعد من الراسخين في إحداها·حالة فقيه كان في مبتدإ حياته متصوفا، أو هكذا على الأقل تقدمه بعض مؤلفاته -التي تبرأ منها لاحقا- في هذا العلم,1 وكذلك ما نقل عنه من منظوم في هذا المضمار,2 فقيه سرعان ما سينصرف عن هذا المبتدإ، لينتهي إلى الخبر اليقين، منسلخا عن قدوته، منقطعا عن شيخه، منتقدا طريقته، لا بل كل طرق القوم، في أسلوب اتسم بالحدة والعنف، وهو الذي كان في يوم ما مقدما على الطريقة الفتحية بمراكش·هكذا ينتهي ''فقيهنا'' إلى حيث يشاء له قدره، من ''التقديم'' إلى ''الانقطاع''، ومن ساعتها، سيطلق العنان لمُرِّ النقد، بدءا بـ''الرحلة المراكشية''، مرورا بـ''أصحاب السفينة''، وانتهاء بـ''الرحلة الأخروية''، وقد شكلت هذه الكتب مدونة إدانة صارخة في حق كل شرائح المجتمع، من دون أن نستثني أحدا، فكانت تلك الكتب التي أراد ابن الموقت أن يجعل منها مرآة عاكسة لخسة ذلك الزمان، أكبر فضيحة يفجرها رجل دين في أوائل هذا القرن، لقد أحدث ظهورها ضجة كبرى بين ظهراني جامعة ابن يوسف، وبين أوساط طلبتها وعلمائها، فمنع ابن الموقت من ولوج حرم الجامعة، وطرد ضربا بالنعال، بل إنه اضطر للتمترس خلف باب الصومعة لساعات طويلة، كما عم الانفعال والغضب أفراد النخبة وأهل المجالس العلمية بالمدينة، وباعترافه: '' فإن أهل مراكش قد استعملوا كل الوسائل لإهانتي ··· وتحالفوا للالتفاف ضدي!''.3إن هذا الذي حدث لابن الموقت بعاصمة الموحدين، يذكر ويا للغرابة -كما يقول أحد الباحثين- ''بما راج بالبصرة خلال القرن الثامن الميلادي، حيث كان النقاش محتدما بالمساجد والمدارس آنذاك حول تحديد مزايا ومساوئ الكلاب· وقد دون الجاحظ بعضا من تلك المناظرات الخطابية، ليفتح أعين معاصريه على الالتباس الأساسي للعالم، ويلفت انتباههم إلى أن الخير والشر متزامنان في كل شيء، أما ابن الموقت فإنه -كان- على العكس، يرى كل شيء دجلا بشعا، يتعذر إصلاحه، مما بلغ معه التشاؤم المطلق العميق الذروة لديه''.4إننا إذن أمام حالة ''فقيه'' يعتقد أن بإمكانه الكشف عن ''الدجل المطلق'' وذلك هوس قديم لدى بعض الفقهاء،هوس تفاقم عند ابن الموقت إلى درجة من السوداوية، مع شراسة ظلت تصاحبه إلى آخر أيام حياته·أليس هو الذي كتب في آخر ما خطه قبل أشهر من وفاته، في مصنفه المعروف بـ''الرحلة الأخروية'' وهو يحث الخطى باحثا عن ما يكشف له الغطاء عن أحوال يوم القيامة، على لسان محاوره قائلا: ''يا ضيعة تعبك، ويا خيبة ما أملْته من نصبك، إنك لتطلب ضالة لا توجد ، وكيف توجد في هذا الزمان، الذي صار فيه غالب الناس، بل كلهم مسلوب الإنسانية، وإن كانت في زي إنسان، من أحسنت إليه أسا، ومن ترفقت له قسا، ومن نفعته ضرك، ومن أمنته غرك، فلا ترى في غالب أهل هذا العصر إلا غادرا وخائنا، ماكرا وجائرا، فاسقا، منافقا، مداهنا، فاجرا، ··· وكيف لا، وقد صارت حكماؤه ذبابا، وقروده فضلاء، وفهوده عقلاء، وتجاره خونة، وفجاره صوفية، ومبتدعته سنية؟···ثم قال: وقديما قالوا: لم يبق من الناس إلا كلب نابح، أو حمار رامح، أو أخ فاضح وأنشد: قد بلوت الناس حتى لم أجد شخصا أمينا وانتهت حالي إلى أن صرت للبيت حزينا أمدح الوحدة حــــينا وأذم الجمع حــــــينــا إنما السالــــــــم من لم يتخذ خـــلقا قريــنا وأنشد:ما أكثر الناس بل ما أقـــلهم والله يعلم أني لم أقل فندا إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لاأرى أحدا وأنشد:لم يبق في الناس إلا المكر والملق شوك إذا اختبروا، زهر إذا رُمقوا فإن دعــــــاك إلــى إيــــــلافهم قدر فـــكن جـحيما لعل الشوك يحترق5إن فقيها تضطرم دواخله بهذا القدر من الغضب والإحباط، لا يتردد في أن يصرح على رؤوس الأشهاد بنبرة لا تخلو من قلة التواضع قائلا: ''تراني، دائما مع أهل وقتي ···· إذا رأيت ما يضرهم ··· وثبت عليهم وثبة الأسد ··· ومؤلفاتي الرائجة في الكرة الأرضية، ومن أعظمها الرحلة المراكشية، والكشف والتبيان عن حال أهل هذا الزمان، والجيوش الجرارة، وأصحاب السفينة، وخطبي الجهنمية المنبرية التي أمليتها فوق المنابر ··· تشهد لي بهذا''·6إذن، ليذهب الجميع إلى الجحيم، فالكل أشقياء: علماء السوء، أصحاب الإفتاء، الملوك، الوزراء، القضاة، العدول، الوكلاء، المحاسبون، الأوصياء، المخبرون، المحتسبون، الولاة، القادة، الباشوات، أشياخ القبائل، مقدمو الأحوام، الأمناء، النظار، الأمناء في الأوقاف، المتصوفة، الأغنياء ··· النساء، الدلالة السماسرة، المدررون، المؤذنون، أصحاب الحرف، الشعراء···إن أحدا من أصناف أهل زمانه لا يستحق الرحمة، من الولي الصالح، إلى آخر دعاة العصرنة، كلهم مبتدعة، لا يستحقون الصفح أو المغفرة·فأيننا أمام هذه الشراسة من نص شيخ المعرة الحكيم، الشاعر الأشد تشاؤما، أيننا منه بيانا وتسامحا وعمقا؟ أيننا من أبي العلاء المعري في ''رسالة الغفران''، حيث نجد أن ضيوف ابن القارح المحاور الشهير للشاعر الضرير، يرمزون عند حضورهم لمأدبة الجنة للبشرية جمعاء دون استثناء''إذ لم ينس أحدا من شعراء الجاهلية أو الإسلام، أو من الفقهاء في كل التخصصات، أو من أهل الأدب، حين تحلق الجميع حول موائد من ذهب، وأطباق من فضة، وصحون تتجاذبها الأيادي؟''.7ابن الموقت وصوفية أهل زمانه:لقد كان من الوارد، بل ومن الطبيعي في هذه الحالة، أن ينال شيوخ الصوفية في عصر ابن الموقت، نصيبهم الوافر من انتقاده المرير مما هو مبثوث في مصنفاته سواء في ''الرحلة المراكشية'' أو ''الكشف والتبيان'' أو''أصحاب السفينة'' أو في ''الرحلة الأخروية'' فكان أقل ما وصفهم به نعتهم: ''بالذين زاغوا عما كان عليه نبيئهم وأصحابه والتابعون لهم''، و ''الذين طلبوا الدنيا بالآخرة، فربحوا الدنيا وخسروا الآخرة''، وأنهم ''القوم الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا كبني إسرائيل''، وأنهم ''كانوا من أعظم المعاول على هدم الدين''.8ومما قاله عن الطرق الصوفية: ''رأيت طرقهم متميزة عن بعضها امتياز النوع عن الجنس، كل منهم يرى أخاه المسلم بالعين التي يرى بها الأجنبيين عن الدين··· حتى أنني أمعنت النظر وحققت الحال، فوجدت أنه لم يبق للوحدة الدينية وجود إلا في الخيال، وهذا غاية مرمى الشيطان ورضاه''.9وقال عنهم أيضا: ''وما هذه الطوائف الوقتية إلا تكوينات عوجاء، بل أفاعي رقطاء، ابتكرتها مخيلة شيطانية''10 :وقال: ''وبهذا يظهر لك أن الصوفية الذين سلكوا على منهج السلف الصالح فقدوا وماتت علومهم، وطمست طرقهم، واندرست أذواقهم، ولم يبق على مناهجهم اليوم أحد، نعم بقي ذوو الأباطيل والغرور والدعاوي الكاذبة''.11فكيف تعامل معاصرو ابن الوقت من شيوخ الصوفية، مع ما كان يصدر عن هذا الأخير من لاذع الانتقاد المتباعد عن قواعد الجدل وأدب الحوار؟ وبصيغة أخرى كيف تبدى ابن الوقت في مرآة صوفية أهل زمانه؟نشير في البداية إلى أن أهل الطرق الصوفية لم يستعجلوا الرد على ما كان يذيعه ابن الموقت من مطاعن في حقهم، إلا بعد مضي عدة سنوات، ويعود هذا الإمهال فيما نرى إلى عدة أسباب منها:أولا: الأمل في أن يتراجع الرجل، أو يتوقف عما يذيعه·ثانيا: عدم إعطاء أهمية لمقالات ابن الموقت الانتقادية، حتى لا يغتر في نفسه وفيما ينشره،ثالثا: أن أصحاب أهم الردود على الفقيه ابن الموقت، وهو الشيخ أحمد سكيرج، قد ظل يتردد في الرد لسنوات، وهي في منصب القضاء، مخافة أن يفهم أنه يستغل موقعه، مما لن يكون إلا في مصلحة الطاعن·وكيف ما كان الأمر، فلقد تمادى الفقيه في انتقاده الحاد، ولم تعد لشراسته من حدود ، إلى الحد الذي لم يعد في الإمكان معه أن يلوذ أهل الطرق بالصمت أو التجاهل، فكانت جملة من الأدبيات الجدالية التي أظهرت بالمقابل صورة الفقيه ابن الموقت في مرآة صوفية زمانه·(يتبع)

1- من هذه المؤلفات: 1-''إرشاد أهل السعادة لسلوك نهج كمل السادة'' مخطوط بالخزانة العامة -الرباط- مجموع: د3206 ·2-''معارج المنى والأماني في مناقب القطب الرباني شيخنا ومولانا فتح الله البناني''· مخطوط الخزانة العامة،الرباط، مجموع د.3589-2من ذلك قوله:تجلى ليَ المحبوب في كل وجــــــــــهة فصــــرت أبــــــــاهي في الملا بوجودهوأطرب شوقا واشتياقا بـــــــــذكره وكيف وشربي اليوم من فيض بحرهوكل الورى من بحره اليوم تغترف وبحره خــــــــاضت فيه أهل ودادههو الفتح والسر الذي به ترتـــــقي أنــــــــاس لأعــلى القرب من مستمدهومن ذلك قوله أيضا:بادر إلى فتح الله المجـــــــــتبى والزم طريقا قد قفاه وعولشيخ تقلد بالمعالي والــــــــعلى ومن اقتدى بنبيه لم يخذلواجنح لهذا السر تكف به فقد أتحفت بالكنز الخفي الأمثل3- أنظر:ٌ Uacerbe d araignée, ou la piété"ULe Maitre de ص·.25ِ·1994 ·وIbn Al-Muxaqqit jafaar Kansoussi, Revue Horizons Maghrébins, Spécial Marrakec4- نفسه·5- انظر: ''الرحلة الأخروية أو المقالة الباهرة في كشف الغطاء ن أسرار الآخرة'' الجزء الأول، ص·76-79فاس1365هـ·6- نفسه الجزء الثاني، ص·.267-.26ِ·1994 Revue Horizons Maghrébins,8- ''الرحلة الأخروية'' الجزء الثاني، الصفحة .849- ''الحجارة المقتية لكسر مرآة المساوئ الوقتية'' أحمد سكيرج، الجزء الثاني، ص·3 فاس .135710- نفسه: صفحة.411- نفسه: صفحة.545666
 

من أعلام التصوف المغربي في القرن السادس الهجري:العالم الصوفي أبو محمد عبد الجليل القصري

ذ· محمد المغراوي

عرفت مدينة قصر كتامة أو القصر الكبير حركة علمية وصوفية نشيطة خلال عصر الموحدين، بفضل من كان بها من شيوخ العلم وأقطاب التصوف، وعلى رأسهم الشيخ أبو الحسن علي بن خلف بن غالب الأنصاري القرشي الشلبي، وقريبته المرأة الصالحة بنت عبد الرحيم الأندلسية، والشيخ أبو محمد ابن جميل المعلم والشيخ سيدي أبو أحمد وغيرهم· فأصبح قصر كتامة يستقطب عددا من المريدين وطلاب العلم الذين كانوا يقصدونها لزيارة هؤلاء العلماء والصالحين أو للأخذ عنهم، فتعززت بها الحركة العلمية بشكل ملحوظ، وأنجبت ثلة لا بأس بها من العلماء تجاوزت شهرتهم المغرب إلى الأندلس والمشرق· ومن أشهر من نبغ منهم في هذا العصر العالم الصوفي الشهير الشيخ أبو محمد عبد الجليل بن موسى بن عبد الجليل الأنصاري الأوسي الأندلسي المعروف بالقصري، مؤلف كتاب شعب الإيمان وأحد العلماء الأعلام الذين جمعوا بين العلم والصلاح

·1- أصل الشيخ ونشأته ودراسته:أصله من حصن فرنجولش بحوز قرطبة، وانتقلت أسرته من الأندلس إلى قصر كتامة فنشأ به· ثم غادره إلى مدينة سبتة ثم إلى مدينة فاس لإتمام دراسته، فأخذ بسبتة من عالمها الشهير أبي محمد بن عبيد الله الحجري· وانتقل بعد ذلك إلى مدينة فاس فتتلمذ لعدد من شيوخها، منهم أحد تلاميذ الإمام أبي حامد الغزالي، وهو العالم الصوفي أبو الحسن علي بن أحمد بن حنين الكناني القرطبي (ت596/ 1173)· أخذ عنه عبد الجليل القصري موطأ الإمام مالك، وكان هو بدوره قد رواه عن الإمام الغزالي· وأبو نصر فتح بن محمد بن فتح الأنصاري المقرئ (ت 574/1178)· وخلال إقامته بمدينة فاس ارتبط الشيخ أبو محمد بالوسط الصوفي، حيث كانت مدينة فاس تحتضن عددا مهما من شيوخ التصوف المغاربة، كما كانت تستقطب أعدادا من صلحاء الأندلس وغيرهم، ويتضح ذلك بوضوح من كتاب المستفاد للتميمي، وبها صحب الشيخ أبا مدين شعيب ابن الحسين الأنصاري المعروف بسيدي بومدين دفين تلمسان (ت 594/1198)، وجمعت بينهما أخوة في طريق القوم·بعد إتمام دراسته بفاس رجع الشيخ عبد الجليل إلى بلده قصر كتامة متشبعا بالعلوم الشرعية وبالتصوف السني، فنهل من معين علم وفضل آخر هو الإمام أبو الحسن علي بن غالب (586/ 1172) الذي كان شيخ الصوفية في وقته ولقب بالعارف· وكان من شيوخ التصوف بالأندلس من تلاميذ الشيخ أبي العباس ابن العريف، وأصحاب أبي الحكم بن برجان رحمهم الله أجمعين، وألف عدة كتب في التصوف كلها فقدت، منها كتاب اليقين وكتاب الاعتبار وكتاب الأيام والحجب· فتتلمذ له الشيخ أبو محمد عبد الجليل وأخذ عنه كتاب اليقين، وصار من أخص تلاميذه ومريديه ولازمه إلى أن توفي، فخلفه على مشيخة التصوف بالمدينة·

 2- أصحابه وتلاميذه:صحب الشيخ أبو محمد عددا من الصوفية الأجلاء، منهم الشيخ أبو العباس القنجايري الذي كان يتردد بين الأندلس وطنجة، ومنهم الشيخ أبو الصبر أيوب الفهري السبتي شهيد معركة العقاب سنة 609/,1212 الذي أخذ معه على الشيخ أبي الحسن علي بن غالب، ومنهم أبو علي الخطيب السبتي وغيرهم·أما تلاميذه في العلوم الشرعية والتصوف الذين احتفظت المصادر بأسمائهم، فمنهم الشيخ محيي الدين بن العربي الحاتمي زاره بقصر كتامة، وعبد الله بن محمد الصنهاجي النامسي الطنجي، تتلمذ له وأخذ عنه كتاب شعب الإيمان· ومن أهل بلده قصر كتامة أخذ عنه عبد الوهاب بن يوسف بن رشيق القصري (ت650/1252)· وقد سمحت الأسفار الكثيرة للشيخ عبد الجليل إلى مدن المغرب والأندلس لعدد من طلاب العلم بلقائه، كأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأزدي أخذ عنه كتابه شعب الإيمان أيضا· وأجاز الشيخ ما رواه وألفه لعالمين أندلسيين هما أبو عبد الله بن هشام لقيه بجزيرة طريف بالأندلس مرات، وأبو سليمان ابن حوط الله الأنصاري· وحدث عنه أيضا أبو الحسن علي بن محمد الغافقي·

 3- مناقبه ومنهجه في التصوف:تجمع مصادر ترجمة الشيخ أبي محمد عبد الجليل القصري على بلوغه درجة عالية في العلم الشرعي وتنوع معارفه، فكان متقدما في علم الكلام، متضلعا في العربية والنحو والأدب والتفسير والحديث، مع مشاركة في غيرها من العلوم· كما كان متمكنا من التصوف علما وسلوكا، متجردا للاجتهاد في العبادة، وبلغ درجة متقدمة في الزهد والورع حتى أصبح منقطع النظير في مقامات وأحوال ومكاشفات أهل السلوك· وكان ينهج في سلوكه الصوفي نهج الانقطاع عن الناس· ونال بذلك إجلالا وتقديرا وذكرا جميلا في الأوساط العلمية والصوفية والاجتماعية على السواء·لم يكن أبو محمد عبد الجليل وشيخه أبو الحسن بن غالب من صنف الصوفية أصحاب الحقائق الغائصين في التأويل، وإنما كانا بفضل علمهما وفقههما على منهج أهل السنة في الزهد والعبادة والتصوف، يظهر ذلك بكامل الوضوح في كتاب شعب الإيمان للشيخ عبد الجليل الذي يتميز بعمقه في استنباط المعاني من السنة النبوية وفي الاستدلال بها· وقد ذكر المؤرخ المحدث أبو جعفر بن الزبير أن ''كلامه في طريقة التصوف سهل محرر مضبوط بظواهر الكتاب والسنة''، لذلك اعتبره ''آخر من ختم به في المغرب باب التصوف على الطريقة الواضحة المقيدة بالكتاب والسنة''.2 سار الشيخ أبو محمد عبد الجليل في هذا الشأن على خطى اتجاه عريض من صوفية القرنين السادس والسابع في المغرب والأندلس، ممن جمعوا بين التعمق في العلوم وبين الزهد والصلاح، والتقيد باتباع آثار السلف· ويرجع الفضل في هذه الظاهرة إلى كون التصوف المغربي قد تميز منذ انطلاقته الأولى باتجاهه الزهدي العملي، وابتعد عن المؤثرات الفلسفية الإشراقية· كما أن نزعته الأخلاقية الغزالية قد أثرت تأثيرا مباشرا على توجه الصوفية المغاربة من خلال هذا العصر· لذلك انحسر أثر مدرسة ابن مسرة الأندلسية في المغرب، والتي كانت فلسفية اعتزالية، وأنتجت صوفية كثيرين لم تتحملهم البيئة المغربية، ففضلوا مغادرتها إلى المشرق وعلى رأسهم ابن دهاق وأبو الحسن الحرالي وعبد الحق ابن سبعين ومحيي الدين بن العربي رحمهم الله

·4- نشاطه وشهرته:ذاعت شهرة الشيخ عبد الجليل القصري في المغرب والأندلس بفضل علمه وزهده، فأصبح مقصدا لطلاب العلم والمريدين، يترددون عليه بقصر كتامة للتبرك به والأخذ عنه، خاصة وأنه أصبح خلفا لشيخه العارف أبي الحسن بن غالب الذي كون بالقصر مأوى للمريدين، كان الصوفية يرتادونه ويلتقون فيه· وقد زار الشيخ عبد الجليل بقصر كتامة ثلة من مشاهير الصوفية كالشيخ محيي الدين بن العربي الحاتمي الذي تتلمذ له وأثنى عليه، ووصفه في إحدى رسائله إلى أحد شيوخه بالأندلس ''بدرة المفاخر والمواجد، الموسوم في أبناء الآخرة'',3 والشيخ أبو محمد عبد الرزاق الجزولي (ت 595/1198)، الصوفي الرحالة الذي كان شديد الإعجاب بطريقة أبي محمد في تفسير القرآن الكريم، وظل يحدث بذلك في مجالسه بمصر التي استوطنها بقية حياته· والشيخ أبو القاسم بن الصبان الذي رحل من الريف لحضور مجلس الشيخ عبد الجليل في تفسير القرآن الكريم، وذكر أنه كان يبدأ بعد صلاة العشاء من كل يوم· ويغلب على الظن أنه كان يلقي دروسه العلمية بمسجد صغير لازال ينسب إليه إلى اليوم، هو مسجد سيدي عبد الجليل بدرب العلوج بحي باب الواد بمدينة القصر الكبير، والذي كان في القرن السادس يقع في أقصى الطرف الشمالي الشرقي للمدينة· وكان لدروسه في التفسير ذكر وصيت في أوساط أهل العلم والتصوف فكانوا يقصدونه من أجل حضورها

·5 - مؤلفاته:أشادت المصادر بجودة تآليف الشيخ عبد الجليل القصري الذي ألف عدة كتب ''كلها جليلة مفيدة في بابها، ولم يسبق إليها '',4 منها كتابه تفسير القرآن وكتاب المسائل والأجوبة في الفقه، وكتاب تنبيه الأفهام في حل مشكل حديث النبي عليه السلام، وكلها فقدت· أما التي وصلتنا فهي: كتاب شعب الإيمان، أخذه عنه عدد من تلاميذه وتداوله العلماء كثيرا في عصره وبعده بالمغرب والأندلس، وكتاب شرح الأسماء الحسنى، وكتاب ثبوت القدم على بساط القدم، وهما لايزالان مخطوطين· والكتاب الأخير لم يشر إليه أي مصدر من المصادر التي ذكرت مؤلفاته

·6-كتابه شعب الإيمان:إن اختيار المؤلف لعنوان كتابه هذا تأكيد منه على انتمائه لعلم الحديث، وللمدرسة الصوفية التي كان أحد أقطابها، والتي عرفت بنزعتها الفقهية والحديثية الجلية· لقد اختار الشيخ أبو محمد عبد الجليل أن يبني كتابه على حديث نبوي مشهور ليصل من خلاله إلى إبراز بعض معالم التوجه السني للتصوف مستعملا مصطلحات الصوفية ومقاماتهم، وبين تحري علماء الحديث وضبطهم، فكانت أغلب استشهاداته من القرآن والحديث· والكتاب بذلك مثال معبر عن هوية المدرسة الصوفية المغربية السنية الأصول والملامح، الزهدية المشرب والغزالية المنزع، والبعيدة كل البعد عما اعترى بعض الاتجاهات الصوفية المشرقية والأندلسية من إفراط في النزوع نحو الباطن وميل للفلسفات الإشراقية، وإغراق في التأويل والشطحات اللفظية·7

- وفاته:ذكرت بعض المصادر أن خلافا جرى لأبي محمد بن عبد الجليل في أواخر حياته مع بعض أهل بلده قصر كتامة، لم تشر إلى أسبابه· ومن غير المستبعد أن الأمر كان يتعلق بصراع بين الشيخ وبين بعض الفقهاء، فضل الشيخ أبو محمد عبد الجليل على إثره الابتعاد عن المدينة مؤقتا· فانتقل إلى الأندلس وحظي بعناية أحد أمرائها، وعند عودته منها نزل بمدينة سبتة فتوفي بها رحمه الله سنة 608/.1211