في الحـاجـة إلى الـتصـوف محمد البغوري
الإبداع الشعري في التصوف الحـب الإلهـي عند محيي الدين بن عربي الحاتمي د·جعفر الكتاني
ابن الموقـت المـراكشـي بمنظـار صوفيـة زمـانـه ذ· محمد بنشارف الرحماني
في الحـاجـة إلى الـتصـوف محمد البغوري
باحث في التصوف - طنجة
إن الحياة المعاصرة التي تحياها الإنسانية اليوم، حياة مادة جامدة، وآلة هامدة، تحكمها ترسانة من ألوان التكنولوجيا والاتصالات الحديثة اللامتناهية، إنها لحظة تاريخية أداتية بامتياز، يقابلها في الطرف الآخر إنسان من صنع هذه القوالب الصلبة الجامدة، إنسان المادة والقوة والجبروت والصلابة، غاب عنه البعد الروحي وافتقد السلوك الأخلاقي الطهراني الرهيف الناعم، إذ لم يعد له مذاق ووجود· فالإنسان المعاصر انقلب على ذاته، وأصبح يعيش قلقا، وفي حيرة من أمره فعمّته الأزمات الوعرة واستشعر ضروبا من الحسرة والتمزقات، حتى أنه ابتعد عن جنسه وافتقده·السبب في هذا الاغتراب والتلاشي تفريطه في البعد الأخلاقي والتربوي والروحاني وترجيحه لوقر المادة والجاه، حيث أطلق العنان للجانب الأناني والنهمي الشره والبارد واللاإنساني·فهل يحق لنا أن نتساءل، ونحن في عصر تمخره التقنية الماحقة، ويسيطر عليه العقل الأداتي الماكر والأحادي النزعة؟ هل من ضرورة للبحث عن خشبة للنجاة وترياق للشفاء ولرأب الصدع؟ تكون فيه التجربة الصوفية والتربية الروحية هي النجاة والعرفانية الأخلاقية هي الشفاء والحل؟إن المفارقات العنيفة التي تحكم سلوك الإنسان المعاصر وتطبع نظامه الحياتي، تجعل هذا الأخير مجرد رقم مجهول في المعادلة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية، رغم ما يروج من قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والحرية والعدالة والعقلانية وروح المدنية والحداثة··· لكن لمجرد أن تعمق النظر وتُحكِّم العقل الاستباري، وتعيد السؤال النقدي في هذه القيم والمبادئ، تجدها زاهية المبنى واهية المعنى، متألقة الإشارة فاقعة العبارة بعيدة كل البعد عن الإنسان وقضيته الجوهرية، لا تمت بصلة إلى همومه وأغراضه، لا تقدم له نفعا، بقدر ما تجر عليه الويل والضرر واللاشيء·إنها قيم وعناصر تخدم النزعة الفردية، وتزرع بذور الشراهية والأنانية، فتعمق الفوارق ما ظهر منها وما بطن، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على قصور في التدبير والسياسة، وتصحر في الحكمة الخالدة التي تستنبت نبات المعنى والخلود الدائمين·إن الزمن التاريخي الذي نصادفه رغم شساعته ودفئه، فهو ضيق وبارد، الناس فيه على اختلاف أجناسهم، وتنوع طبقاتهم، وتباين انتماءاتهم أيديهم باردة، وعيونهم رغم نورها وتوهجها منطفئة ودامسة، مات فيها الضمير الأخلاقي وغاب عن حياتها التحنن والدفء الإيجابي، وتلاشى بينهم البعد التواصلي
الروحي الذي يشد أواصرهم ويلم شتاتهم ويعضد آزارهم·الإنسان الحالي بفقدانه لهذه الأبعاد السلوكية والقيمية، بل قل للبعد الإنساني، ظلم نفسه وخسر كثيرا، ورجع القهقرى إلى كهف الكينونة الخامل المنعزل· فالانقلابات العلمية، والثورات الهائلة في مختلف المجالات والميادين التي أنتجها العقل المعاصر، لم تزده إلا اغترابا وشقاء، ولم تورثه إلا الخوف والعجز، فرغم التقدم الباسل في أساليب العقلانية المعاصرة، لم يجد هذا الكائن البشري المسكين المغلوب على أمره أمامه سوى إرادة القوة، والعقل الماكر وقانون الأقوى وسلطة العولمة الكشيرة أنيابها، إنه قانون لا يشرع للضعفاء، ولا يعترف بالمخذول والمغلوب، فعليه تمارس أنواع شتى من الضغوطات والغلبة، وتستنزف خيراته، ويحرم حتى من حقه في المصير والعيش، من طرف هذا -السوبرمان- المتجبر القوي: الضعيف أنفة وعزة، المالك لأسباب القوة، الخاوي المعنى والدلالة، والمفتقد للذات العلية والمطالب الإنسانية العالية، إنها أزمة عقل حضاري أخطأ الصواب وجانب الحق والحقيقة، بفعل الواقع المنخور من جراء تفشي مظاهر من الشذوذ والانحراف والأنانية والنقمة الإنسانية، وحب الذات والشهوات، والارتماء في نرجسية سافلة وساقطة، وباقي عناصر الإفلاس والانحطاط الذي عجز العقل بما أوتي من قوة في الأزمنة الراهنة عن تقديم الحلول الشافية والكافية والحد من سيلان هذا التيار الجارف ''وفي غمرة هذا الاندهاش بالعقل كاد الإنسان ينسى طاقة من طاقات وجوده القوية التي ترفده بأنساغ من الحياة في كل لحظة وآن، ألا وهي طاقة الروح''(1) إننا لا نجازف إن قلنا أنه فقد هذا البعد العرفاني الخالص، إلا النزر القليل جدا من ذوي العقول المنيرة والمحسوبة، والنفوس الكريمة والشريفة، هي وحدها من يملك قوة التفكير المتزن المسؤول، تفكير يستحضر التوازنات، ويحكم الضوابط العقلية والأخلاقية بوعي وامتياز·إنه لا حل لهذه الأزمة الحضارية إلا بالأبعاد الروحية في الإنسان، والاغتراف من معين السلوك التربوي والأخلاقي، والاستعانة بالنموذج الذوقي والجمالي في إعادة بناء الذات المعاصرة والعودة بها إلى جادة الصواب والاستقامة وبالتالي الارتكان إلى رحاب الأمن والراحة والسكينة، إذ كما يؤكد محمد أديوان فلـ''تجاوز لحظة الأزمة هذه يجب الاستعانة بالنموذج الروحي الذي يتجاوز حدود العقل ويسخر من منتوجاته وثمرات إبداعه في المجال الأخلاقي والسلوكي''(2)·وبالجملة فإننا نرى مع محمد أديوان أنه لا مخرج من الأزمة الحضارية المعاصرة، وانتشال الإنسان المعاصر منها، والإنسان العربي المسلم على وجه الخصوص، لا يتم إلا بالممارسة الأخلاقية والتربية الروحية والذوقية التي تحبل بها الذخائر الصوفية الطهرانية الخالصة، لا ذلك التصوف القابع في قمقم الخمول والكسل والتواكل الذي ينم على شعبذة ودروشة وجهل وتقاعس· بل التصوف المتجدد الذي يخرج من هذه الدوائر المغلقة إلى ساحات الكفاح والمجاهدة والمشاركة وبالتالي تقديم البدائل والإضافات·إذا كان موضوع جمهرة المتصوفة الحقيقيين النبلاء هو -المطالب العلية- من عمل وسلوك وتربية ومجاهدة···إلخ كما أخبرتنا الرسائل والمصنفات في باب تاريخ التصوف الإسلامي، فإننا نرى أن الوقت الحالي أصبح أكثر من أي وقت مضى يدعو إلى العودة إلى التراث الصوفي والعناية بالتجربة الصوفية، بهدف مساءلتها والوقوف بعيون يقظة وناقدة على جوانبها المشرقة والملتهبة، والتي تحبل بالمعنى الحقيقي والفكرة الصائبة، وكم نحن في أمس الحاجة إليها، فبها يتم تحريرنا من شرنقات الخذلان والعطالة، ونحن إذ نؤكد على البعد الروحي والسلوك التربوي الأخلاقي، فإننا لا نغفل أو نتجاهل الأدوار الطلائعية التي من شأن العقل أن يقدمها،بل على العكس من ذلك نحن لا نشكك في فعاليته وتوجيهاته ودرسه السديد، إلا أنه وحده لا يكفي، بل لابد من شريك آخر يكون هذه المرة النموذج الروحي والأخلاقي، هذا الأخير الذي يعمل على توجيه الإنسان إلى سبل الخلاص والرشاد، وتبليغه مراده المنشود في مسالك موافقة للحق مفارقة للخَلْق الضرير والخُلُق الكسير، وفي هذا يرى أحمد الوفيق: ''إن التراث الصوفي التاريخي بوجوهه النيرة وأسمائه ومعالمه ومخلفاته الأدبية والحكمية، ونماذجه في التجرد والتحمل والمعاناة والمواجهة والتكتم بأدواره الخلقية والعلمية والتعليمية والجهادية والتحكمية، هذا التراث قار في أعماق ضمير الأمة، تروجه وتتغنى به''(3)·إن التصوف الذي نريده ليس ''التعلق بالأضرحة والتشفع بها، أو بمزيد من انتشار الجهل''(4) بل هو الذي يطفح بالمعاني الراقية، والدلالات الغنية، كما يمثلها المقصد الصوفي الحق والطهراني، لا الجوانب الصوفية التي يذكرها التاريخ كحضور لا فاعل، سلبي لبعض الحركات المحسوبة على التصوف، بسبب ولائها للاستعمار والسير في ركابه، أو ذلك التصوف المنعزل الانطوائي اللاعملي المشلول، بل على عكس ذلك، نتبنى تصوفا فاعلا حركيا يحمل مشاعل الجهاد، والعمل الدؤوب من أجل الإصلاح وخدمة العباد والبلاد، والعمل على التخفيف من القلق والاندهاش الذي سكن ويسكن الناس اليوم، وعليه فالحاجة إلى الفكر الصوفي والتجربة بأبعادها الروحية الواسعة أصبحت مطلبا لا رادَّ له في وقتنا الراهن إن لم نقل بأنه مطلب تشترك فيه الإنسانية جمعاء للأسباب السالفة الذكر، والسياق الكوني الحالي، ولقد سبق لعلال الفاسي في كتابه ''التصوف الإسلامي بالمغرب'' أن أعرب في مستهله عن حاجة التصوف لـ''استكمال عناصر الدراسة العلمية العميقة والاستنتاجات الثابتة الصحيحة''(5)·ونحن إذ نورد هذا الرأي لا نريد به إلا الدعوة لتحفيز الباحث والدارس المعاصر الذي يود التجديد في التصوف أن تتظافر الجهود النبيلة والشريفة المقصد، وذلك حتى تستكمل حلقات هذا المجال ويدفع به إلى المزيد من الثراء والغنى المعرفي والمنهجي، لأن الرسالة العلمية تطلب ذلك، والقيام بهذا الفعل واجب، وأداء الواجب واجب كما أكد هيغلجريدة الإشارة العدد 11: محمد أديوان·(2) نفسه· مصطفى عزام : المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل·(3) جريدة التجديد: العدد ,128 (4) أحمد التوفيق حوار) نفسه·(5) علال الفاسي: التصوف الإسلامي بالمغرب :.
الإبداع الشعري في التصوف الحـب الإلهـي عند محيي الدين بن عربي الحاتمي
د·جعفر الكتاني
عمل سفيرا للمغرب وعميدا لكلية الآداب بالرباط سابقا
ولكن الإيمان غير كاف في مذهب الحاتمي الشيخ الأكبر، الإيمان إقرار ولابد بعد الإقرار أن يتمعن المقر فيما هو فيه، وفيما حوله، ويستخدم لذلك الحواس كلها، وأهمها العين والبصيرة فتلك سبل العبادة، والعبادة المشوبة بالحب دليل على حرية الإرادة ذلك أن من يرى الجمال الكوني بالعين والبصيرة لامحالة أن يحب ومن يحب لابد أن يعبد، ولا اعتداد بمخلوق واحد·إن لله في الوجــــــــود عبيــــــداً
لم ينالوا الصعود إلا سعـــــــــودا لم يزالـــوا بباب مَن كان منهم عينهم عاكفين فيه قعـــــــــــــــودا يطلبون الوصـــــــال منه ابتداء منه، ثم يطلبون الصـــــــــــــدودا ليروا حكمــــــة التقــــــابل منه فيهم ثم يطلبون الشهـــــــــــــودا(1)وقد أعلن محي الدين بن عربي أنه انتهج هذه السبيل وأدرك أن وجوده الفرد منعدم الكينونة ولكنه مقمط بوجود الله وفي ذلك وحده تتجلى حياته·لما رأيت وجودي في تجليــــــه رأيت ما كنتُ أبغيه وأنفيه فما رأيت وجودا كنت أظهره إلا رأيت وجوداً منه أخفيــه إذا علمت بهذا واتصــــفت به علمت أن له عهداً يوفيـــــــه(2)ولايغرن مخلوق بطيف العيش، فالحياة في الدنيا زائلة ممرغة في التناقض لأنها معبر وممر سائح، والعود أحمد، ولذلك يجدها الإنسان مرقدا محفوفا بالمخاطر·من عَز ذَل إذا طال الزمان به وآية الدهر تقليب وتصريف(3)لقد امتزج الحب الإلهي بعقيدة وحدة الوجود في شعر الشيخ الأكبر فأبدى في شعره رؤية فلسفية عاطفية· ومن هنا نادى الشيخ الأكبر إلهي إذا ناديت فالسمـــع أنتم ولباك من لباك أنت المترجم توحدت الأشياء إذ كنت عينها وما تم إلا سامــــــــع ومكلـــــم(4)ولكنه، الشيخ الأكبر، يجد نفسه مختصا بنظرية حالة من التوحد لايشاطره فيها سواه أو لعل هذه النظرية تفرده من دون سائر البشر بهذا اللون من ''التوحد'' إذا كان النص يقرأ قراءة لغوية محضة· وهذا هو النص·وجودي عن الأمر الإلهــــــــــــــــــــيِّ لم يكن عن الذات والتكوين لي فاعقل الشأنا وهذا الذي قد قلته لم يقــــــــــل به سوانا، فحقق من يكـــــــــــــون إذا كانا توحدت سراً وهو أمر يخصـــــني وإني كثير بالتأمل إعلانا فمن يرني مني يرى العين واحداً ومن يرني منه يرى العين أعيانا وإن لنا في كل حال ومشــــــــــــهد دليلاً على علمي بنفسي وبرهانا وعلمي بنفسي عين علمي بربهـــا يحققه كشفاً جلياً وإيمانا(5)لايمكن إلا أن نكون مشدودين الى جاذبية محي الدين بن عربي الحاتمي لما تتمتع به شخصيته من ثقة وطمأنينة تجاه مذهبه في وحدانية الوجود وتجاه قدرته في تصوير هذا المذهب بأنماط بيانية متعددة، ويدخل استنتاجاته لمذهبه في شتى المواقع وبأساليب متنوعة· وفي جميعها تتجلى طاقته الإيمانية بما يذهب إليه ويعتنقه ومن ذلك:وما عجبي عن واحد عنه واحد كما قيل لكن من وحيد عن اثنين فلولاه لم أوجد ولولاي لم يكن ولابد لي من كون ذاتي من اثنــــين حقيقة ذاتي من حقيقة ذاتــــه ولابد من ذاتي فلابد من تـــــــين(6)لقد حجبت منا قلوب صقيلة عن الكشف والتحقيق من حجب الرين وحجب الرين وأصداء الغين(7) يترددان في شعر محي الدين معلنا عن ضرورة إزاحتهن من قلب الواجد كيما يتأتى له أن يعرف الله·لله سر لو بدا ما اهتدى به رجال الأعين العمش(8)إن محي الدين ابن عربي الحاتمي واحد من أكابر شعراء الأدب الصوفي فهو وشعراء الصوفية بعيدا عن الأشكال الرسمية لقوالب الشعر المدرسية أقرب إلى الشعر الحديث المتحرر من قصائد الزلفى وصيغ الكدية مقدمين روحا شاعرية خالدة بنفاذها وصيغا لغوية باهرة بتجددها··ديوان ابن عربي، ص 103·(2) ديوان ابن عربي، ص 614·(3) ديوان ابن عربي، ص 034·(4) ديوان ابن عربي، ص 641·(5) ديوان ابن عربي، ص 811·(6) ديوان ابن عربي، ص 411·(7) ديوان ابن عربي، ص 411·(8) الرين: الحجاب الكثيف والغين صدأ وهو حجاب رقيق يزول بالتصفية ونور التجلي لبقاء الإيمان معه· والغين أيضا الاحتجاب عن الشهود مع صحة الاعتقاد (تعريفات الشريف علي بن محمد الجرجاني، ص 39)
ابن الموقـت المـراكشـي بمنظـار صوفيـة زمـانـه
ذ· محمد بنشارف الرحماني
وحرصا منا على تقريب هذه الصورة، بما يسمح به المقام ، سوف نورد مقتطفات، تمثل نماذج لما خطه بعض رجالات أهل الطرق نظما ونثرا·وقد اقتصرنا بالنسبة للمنثور على مقتطفات موجزة من رسالتين في الموضوع، الأولى بعنوان: ''الحجارة المقتية لكسر مرآة المساوئ الوقتية'' من تأليف العلامة أحمد سكيرج، أما الثانية فبعنوان: '' الفرقانية الغراء في تقريع موقت مراكش الحمراء'' لمؤلفها الشيخ عبد السلام الفرقاني، المستوطن بالبرواقية من أعمال الجزائر، على أن نلحق بهما بعضا مما نظمه فئة من الأدباء العلماء، الذين هزتهم انتقادات ابن الموقت، فهبوا للدفاع عن جانب أهل الفضل من شيوخ الطرق·على أننا نود قبل ذلك، أن نشير إلى مسلمتين اثنتين -يراد أحيانا تغييبهما-، أولاهما، تتمثل في كون شيوخ الصوفية في ردودهم على الفقيه ابن الموقت، كانوا في موقع الدفاع المشروع، بعد أن هوجموا بأشنع النعوت، وثاني هاتين المسلمتين، أنهم كانوا يمارسون حقا طبيعيا هو حق الرد· هذا بالإضافة إلى أن ردودهم تميزت بخاصيتين، خاصية الأمانة، فهذا أحمد سكيرج التزم في ردوده، بأن كان يسوق مقالة ابن الموقت بأمانة، ثم بعد بعد ذلك يعقب عليها، بما يراه مجليا حقيقة الطرق المستهدفة لهجمات المؤلف، أما الخاصية الثانية فهي المتمثلة في تجاوز الحلقية فلم يقصر دفاعه على طريقة بعينها، بل طال هذا الدفاع مختلف الطرق، كالقادرية والوزانية والناصرية، والتجانية، والدرقاوية· والمختارية، والفتحية، والكتانية، والشنجيطية، والبوعزاوية وهي الطرق التي استهدفها ابن الموقت في حملاته، وخاصة في ''الرحلة المراكشية''·وفيما يلي نماذج مقتضبة نراها كافية لاستجلاء صورة الفقيه ابن الموقت لدى صوفية معاصريه·
النموذج الأول: للشيخ عبد السلام الفرقاني من رسالته ''الفرقانية الغراء'' ويقول في مقدمة رسالته: ''قد وقفت على كتاب يسمى بالرحلة المراكشية، مشحون بالبهتان والظلم والهذيان والعدوان، مملوء بالتدليس والتغليط والتلبيس والطغيان، مفعم بالتمويه والتفسيق والتضليل والتخليط والأباطيل،
فمن تصفحه بإنصاف فلامين أنه يقول: ''إن باب الخير مسدود عن مؤلفه ··· حكم على صلحاء الأمة وعلمائها الأحياء والأموات بالتبديع والتفسيق والتضليل، وما خرج من هذا الحكم إلا شخصه''(1)·ثم خاطب ابن الموقت قائلا: ''هون على نفسك أيها الشيخ، فلا مداهنة ولا محاباة ولا تلبيس في الدين، فإنا نراك تسكت على المناكر الفظيعة إن وافقت مشربك، وتشنع من خالف هواك بلا تأمل ولا نظر في عاقبة، وخير لك من ارتكاب هذا الشتم والسباب، أن تخاطب أمة محمد، بما خوطب به، من طغى وبغى، وهو قوله تعالى: ''فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى''· وهل أمة محمد صلى الله عليه وسلم في نظرك أطغى من هذا الطاغي، أو لم تجد من يستحق هذا الخطاب؟فأقول لك أيها الأخ قد تعاميت وتعديت وبغيت، وفي الحديث: ''بابان معجل عقوبتهما البغي والعقوق'' ولتعلم أيها الشيخ، أننا ممن يحب محاربة البدع بالقلب واللسان، لا باللسان فقط، فإنه حذر منه صاحب الشرع بقوله صلى الله عليه وسلم: ''أخوف ما أخاف على أمتي، كل منافق عليم اللسان'' ودليلنا على أن علم الشيخ في لسانه الأحد من المقراض، أنه ما سلم منه حي ولا ميت، وما أظهر فصاحته، ومشدقته، إلا في الحط من قدر الأولياء والعلماء، وأهل البيت··· فاخش الله أيها الأخ في إخوانك المسلمين، فالمسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يحقره''(2)·النموذج الثاني: وهو للعلامة أحمد سكيرج من كتابه ''الحجارة المقتية''· تعقيبا على قول ابن الموقت ''ما هذه الطوائف الوقتية، إلا تلوينات عوجاء، بل أفاعي رقطاء، ابتكرتها مخيلة شيطانية'':يقول سكيرج: ''هل سمع أحد يا عباد الرحمن، هذيانا مثلما يهذي به هذا الشيطان، فأدخل نفسه في أوحال، وحالت به في أسوء حال، وغالب أصحاب الطوائف الوقتية هم محافظون على الدين وبهم بقي انتشار الإسلام في الأقطار المتباينة··· ثم مدح نفسه في معرض قيامه بقدح أهل الله، بأنه من أكابر علماء الحضرة المراكشية وهو في الحقيقة من··· أجهلهم، وإنما هو من شرذمة تأبط شرا، ونسبت له ما ألفته سرا···أرادوا بذلك انتشار دعوة المبشرين، وانتصار دعوة الصهيونيين··· وضرب بينهم بسهم مسموم، وهم من وراء ينظرون ويولولون، وما جنوا معه في ذلك كله سوى جناية مكر حاق بهم، ولا يحيق المكر السيء إلا أهله؟''(3)·ويرجع في موضوع آخر، استنكار ابن الموقت لكل ما يطلق عليه طائفة من الطوائف وطريقة من الطرائق بقوله إن ذلك كان ''لتوهين حركة الدين ليخلو الجو للمبشرين الذين قيل أنهم مؤيدون له، والمدافعون عنه بالعهود المصونية· لقد بحث عن العيوب التي تظهر في عيون غير العارفين بحقيقة هذه الطرائق والطوائف··· ولم يشر إلى حقيقة تلك الطرائق وما أسست عليه إلا خشية الفضيحة بين أهلها الأعلام المنتشرين في أقطار الإسلام، ثم يكر على أتباعها··· يقدح ويمدح من يشاء على حسب ما له من أهواء''(4)·
أما إذا انتقلنا لباب ما نظم في موضوع الكشف عن صورة ابن الموقت عند صوفية زمانه، فسنصادف العشرات من القصائد، التي أنشأها ثلة من الأدباء العلماء، من أمثال العلامة الشيخ مرزوق بن الحسن الأنصاري الأمدرماني من السودان، والمقدم العلامة أبي إسحاق إبراهيم الكولغي من السنغال، والأديب أُبَي بن أحمد الديماني الشنجيطي، والأديب محمد عال بن فتى العلوي الشنجيطي التجاني، والخليفة الأكبر الحاج محمد انياس والشيخ الطاهر بن محمد الأفراني وغيرهم·ولضيق المجال فسنكتفي باجتزاء بعض الأبيات، مما نراه كافيا لتقديم صورة عن ابن الموقت من خلال ما نظمه شعراء صوفية من معاصريه·يقول سكيرج عن ابن الموقت:قد كان من أهل التصوف فانجلى عنهم وأصبح صاحب النكران وعـــــــــدا عـــلى إخــوانه مــتمردا حـــــتى غـــدا فيهم بلا إخوان وعـــــــليهم أعــــدى من الأعداء صا ر، لأنــــهم في حـالة اطمئنان لم يدر ما معنى التصوف فاكتـفى بــتــشـــوف لمــراتب العرفان ولـــــقد تــــعدى طــوره فغدا يـصو ل على ذوي الإيمان بالعدوان مــــــازال في أهـــــوائـــه متراميـا بـــــغير حق وهو ذو حـرمان(5) ويقول الشيخ مرزوق الأنصاري السوداني المصري:تــــبا لحلـــــف ســــــفاهة وهــوان ووقاحة قامت على البهتـان ديخا به اجتمعت مساوئ جـنسه فغدا عدو مذاهب الإحســان وبلؤمه اضطهدوا جلال العقل في شرف العلوم وعزة الأديـــان فـــــتقـــدمــــــت فيه المساوئ كلها ولها أتى المرآة في الأكوان فاشـــتد يعـــــوي بــالقبائح نابحا أنوار نهج الحق والعرفــان(6)ومن نظم المقدم أبي إسحاق إبراهيم الكولغي فيما انتقده ابن الموقت على أهل الطرق، قوله:منع الرقــــــــــاد تــــــوارد الحدثان وحبـــــــــا الفؤاد تراكم الأحزان فبدا الشحوب بخلقتـــــي ولطالما أضـــــــنى المحب توارد الأشجان لهفي على ما فاتني من وصل من أهـــــــــوى قبيل تفرق أشجان ينعب الغراب بين من سأهوى فيـا أســــــــــفي كذاك تقلب الأزمان عبت الألى هم ســــــــــادة، هم قادة هم صابرون وطالبوا الرضوان ورميتهم وشتمتـــــــهم وهتكتهم وحـــــــــــقرتهم بالإفك والبهتان هلا نظرت إلى المحـــــــاسن تلق ما شــــــادوه في الأديان من بنيان قد قال إن الناس هلكوا ولم يهلك ســــــــــــوى هذا الطريد الجاني(7)ومن قصيدة للأديب أبي بكر بن أحمد الديماني الشنجيطي:لا يحزننك أن غـــدا ذو شقوة حـــــــنق ليـــــهدم بنية الإيمان إنا بحزب الله مــــا إن ضرنا بــــعداوة يـــــــوما أخو عدوان فالله يعصمنا ويـعصم ديننا مــــن كل ذي حسد وذي شنآن لا غرو إذ حاربتنا فلقد سعى فيما سعيت عصائب الخذلان هاتيك سنة ربنا فـــــي خلقه مــــــن ذا يبدل سنة الرحمان(8)ومما جاء في قصيدة للأديب محمد عال بن فتى العلوي الشنجيطي التجاني:طرق المشايــــــــــخ هذه أركانها والـــــــــشيء تعرفه من الأركـان الذكر واستغفــــــــــار رب غافر ثم الصلاة على النبي العدنانـي والجمع للذكر الجـــميل جرى به عــــــــــمل الكرام السادة الأعيان حتى حكى الإجماع فيه بعضهم مـــــن بــعد ما كرهوه منذ زمان لا تعد طورك يا فــــتى مراكش فــــــتقــــود نفسك للردى بعنان هذه عجالة راكــــــــب مستعجل قـــــــــدمتها لك يا فتى الفتيان فيها الإشارة للأدلـــــــــــــــة كلها بـــين الحــــــديث ومحكم القرآن فإذا انتهيت بها فذاك مقصــدي أولا فـــــــدوح القــــول ذو أفنان(9)ومن قصيدة طويلة أخرى للخليفة الأكبر محمد أنياس:قل للذي ينفي الطـــــــريقة ذلة قــــــــــلب الحــــقائق حجة البطلان وكذاك أهل البيت قـــد ينفيهم بــــــــكتـــــــــــــابة المرآة للخسران وأرته مرآة المســـــــــــاوئ ذاته فـــــــيخــــــال كل الكون في أدران فرأى البريئ من الأنام كنفسه بتـــــــــــلطخ الآثـــــــــام والعصيان وأباح أعراض الخلائق جــــــملة من مسلمي ذا العصر في البلدان تبا له ولحزبــــــــه ومـــــــــحبه أو مـــــــن يـــــــود كــــلامه بجنان(10)ومن منظومة للشيخ الطاهر بن محمد السوسي الأفراني:بان الموقت قد دعـــــوه وقــــد هجا مــراكش والحمراء ذات الشأن قد صاغ تأليفا أبــــــــان بـــــه مسا وئ الوقت صوالا على الأعيان قد رام أن ينهى ويـــــــأمر غــــيره لــــــكن تجــــاوز حومة الميدان خبطَت به عشواؤه في ظـــــــــــلمة ســـقطت به في هوة الخسران فرسى البرئ بذنب مقــــترف ولم يـــــرقب عهود الله في إنسان جرح المشايخ كلهم وغــــــدا عــــــلى أهل الهداية من ذوي العرفان وأباح أعراضا تصان منــــــــــــــددا بالطعن في الأنساب والأبدان وسعى إلى الأشراف آل البيت من قــد طهروا من وصمة الأدران ما هكذا ما هكذا يا ابن الموقـــــــت تــــــورد الآبـــال في الغدران(11)ذاك غيض من فيض، مما سجلته المرحلة من ردود ثلة من صوفية تلك الفترة على مواقف موقت مراكش الحمراء، القائمة على المنداة بالإقصاء والإلغاء والنفي في حق الطوائف والطرق الصوفية·وبجرد أولي لمعجم الألفاظ التي وظفت في هذا السجال، تجعل المرء يقف على مدى الحدة والعنف الذين اتسم بهما(21)، وهو عنف يكاد يطبع مجمل الحوارات التي عرفتها أوساط النخبة وقتها، سواء منهم فئات العلماء والفقهاء، أو فئات الأدباء والشعراء، أو رجالات الإصلاح، وذلك في مغرب ما بين الحربين العالميتين، الأمرالذي ما زال يظهر ويختفي حتى يومنا، مما يؤكد تلك الحقيقة الخالدة، بالتلازم الدائم بين التعصب والانحطاط·والفرق كما لا يخفى شاسع بين القول بالتعصب والقول بالاعتقاد، فلا خشية على الأمة من الاعتقاد، وإنما الخوف كل الخوف من التعصب، إذ التعصب ليس سبيلا إلى التنابذ والتنافر والفتنة فحسب، وإنما هو مؤشر دال على الانحدار إلى مهاوي الانحطاط والهمجية·والذي يثير مزيجا من مشاعر الحيرة والحزن، أن كتابات ابن الموقت الصدامية في حق أهل الطرق، نجحت في استدراج بعض هؤلاء إلى دائرة لغته العنيفة، مما يعتبر غريبا عن هوية الخطاب الصوفي المتصف بالعفة واللين،القادر دوما على امتصاص الأذى بالإصرار على التحمل والصبر، الأمرالذي فطن إليه فيما نرى، الشيخ العلامة أحمد سكيرج، فبادر إلى إصدار رسالته المتميزة ''سبيل الرشاد''، فكانت بحق درسا بليغا فيما ينبغي أن تتصف به المناظرة بين جماعة المسلمين، من أجل مد الجسور، وتقريب المسافات، وإزالة ما بين المسلمين من أشواك وألغام، مع التشبت في نفس الوقت بالدعوة إلى الحق في إبداء الرأي، والرأي المخالف، والحق في التعبير الأصيل عن حرية الفكر وثراء الروح·والذي يستوقف قارئ رسالة العلامة سكيرج بالإضافة إلى محتواها وبنائها، هو عنوانها الذي صاغه المؤلف كما يلي: ''سبيل الرشاد في المحاورة بين ذوي الاعتقاد والانتقاد''(31)، والعنوان هنا فصيح، ومكتمل·فصيح من حيث إخباره الواضح عن هدفه، وعن استراتيجيته التربوية التعليمية التي تتغيا رسم النهج القويم لما ينبغي أن تقوم عليه المناظرة بين متحاورين مسلمين·ومن جهة أخرى فهو عنوان مكتمل، ليس في حاجة إلى ما أو من يتتمه، وهو بالتالي عنوان موجه لنوع من القراءة الهادفة، التي تغري بالكشف عن سبيل الرشاد التي يبشر بها الكاتب في رأس الكتاب· فهو إغراء وتوجيه، إغراء على احترام الرأي، والاعتراف بالفضل، وتوجيه نحو قيم الإنصات والتسامح، والفهم والتفاهم، وهذا مبحث آخر·