عدد21

في هذا العدد

الاستهلال

المحبة والعرفان أصل المقاصد في الفعل الصوفي ذ·محمد أديوان

المـغــرب الصــوفي بإفريـقـيــــ ا ذة· عزيزة بزامي

الوجدان الصوفي وأثره في شعر التصوف الأثـر المبـاشـــر د· عبد الوهاب الفيلالي

أدونيس و الخطاب الصوفي ذة· فاتحة سلايعي

عن تطور التصـوف في السنغـال وأدواره

الاستهلال

أيها السيد المترقب لاشك طال انتظارك حتى كاد الملل يتسرب إلى نفسك والنسيان إلى قلبك؛ لكن تأكد -سيدنا- أنك في كياننا حاضر لا تغيب؛ ألم نتفق سابقا على أننا منك وأنك منا، قريب لقريب؟ تتناجى أرواحنا عن قرب عن بعد تتخاطر، على الرغم من جيشان جحافل عوارض هذا الزمن العصيب، لا المكان يباعدنا ولا الزمان يناسينا، ألسنا نسيبين في هذا العالم·· غريب لغريب؟لنقل -نحن وأنت-: أيها السادة، إننا في قلب العالم حاضرون، كما أن العالم كله في بعض قلبنا، وليس كله، حاضر؛ نتنفس الأخبار كما يتنفسها سكانه، لكن ''أو كسجيننا'' الذي يقينا تلوث الجو وفساد البر والبحر لا تذبل شجرته الطيبة؛ تخفق جوانحنا لمؤلم الأحداث أكثر مما تخفق جوارح العالمين، لكن ''البوصلة'' الربانية التي تقينا انحراف القصد والانجراف مع كل تيار لا تفقد كعبتها؛ ومن ثم فما أكثر ما يلبس الأمر على كثير من الناس في شأننا، وشأننا أن نجدّ فحسب لنجد القصد من وجودنا، وأن نقوم لتحقيق هذا القصد تحقيقا يقوّم شؤون أمتنا بتقويم كل من أفرادها شأنه الخاص المتفاعل مع الشأن العام، دونما تظاهر ولا رياء·لنتخل قليلا عن عُجبنا، ولنخلع أقنعة الرضا عن ذواتنا ولنتجرد دقائق معدودات أمام مرآة نقدنا الذاتي بصدق، فيا لهول ما سنرى! ما أشد ظلم نفوسنا لنفوسنا! ما أسوأ سوء ظنوننا! ما أعتى العنف في رؤوسنا! ما أقسى الحقد في قلوبنا! كيف نشير بأصابع الإرهاب لغيرنا ومخالبها تود إزهاق روح كل مخالف لنا؟ لمَ لم نلمح أبدا -في مرآتنا- دماء لحوم إخوتنا تتقاطر من بين أسناننا؟····؟وهلا تحررنا من أوهام حرياتنا·· من استهلاكنا في الاستهلاك، وأخطره استهلاك الأفكار والأقوال؟ هلا حاربنا الفقر في عقولنا والران في قلوبنا، وأزلنا الوقر والغشاوة عن آذاننا وعيوننا، لنسمع ونبصر ما لا نسمع وما لا نبصر الآن؟ لتتضح الرؤية، وتتبدل الأرض غير الأرض·سيدنا القارئ البصير، ها نحن من جديد بين يديك، وقد جاهدنا الصعاب للوصول إليك، بعد أن كادت أنفاسنا تتقطع؛ فمعذرة على هذا التأخير، وعهدنا بك دائما حليم صبور· بين يديك إشارتنا، ولن تخفى على بصيرتك إشاراتنا، فليست الحقيقة دائما هي ما نرى وما نسمع، ولا حتى ما نحس أحيانا· إننا نخاطبك من عوالم الإمكان، ساعين إلى أبدع إمكان· بين يديك في هذا العدد صفحات وأبواب تليدة، في طيها أعمدة ومواد جديدة نستهل بها سنتنا الثالثة، ونرجو الله أن تنال رضاك، وهي جديرة بذاك، لأنها منك أولا، ولأنها من فيض الصدق تغترف، وإلى أنوار الإحسان تستشرف، وعلى أبواب المحبة تعتكف·فلعلنا -أيها السيد الحبيب- نساهم جميعا في تبديد ظلمات الجهل·
 

عن تطور التصـوف في السنغـال وأدواره

 هل من لمحة تاريخية مختصرة عن التصوف في السنغال؟ تدل المصادر التاريخية أن لمحمد المغيلي دورا كبيرا في إيصال الطريقة القادرية إلى منطقة حوض نهر النيجر في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر·ويبدو أن الطريقة القادرية وصلت إلى السنغال في القرن السادس عشر عن طريق موريتانيا· لكن الدور الأبرز في نشر هذه الطريقة في السنغال يعود إلى الزاوية الكنتية التي أقامت علاقات قوية مع الأسر الدينية السنغالية منذ القرن الثاني عشر·أما الطريقة -التجانية- فقد بدأت تنتشر في السنغال في بداية القرن التاسع عشر وواصلت انتشارها في جميع مناطق البلاد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر· وفي الوقت نفسه شهدت الساحة ميلاد الطريقتين المريدية واللاهنية في الربع الأخير من القرن المذكور· ما هي الزوايا المتواجدة بالسنغال ومراكزها؟ توجد زوايا قادرية وتيجانية ومريدية في جميع أقاليم السنغال وأهمها -زاوية أنديامان- التابعة للفرع الكنتي السينغالي وقد أسسها أبو محمد الكنتي على بعد85 كلم شرق دكار في منطقة كجور ولهذه الزاوية أتباع في السنغال ومالي وهم مستقلون عن القادرية الموريتانية· زاوية عبد العزيز حيدر في تيس وهي متفرعة عن القادرية الفاضلية الموريتانية لأن مؤسس الزاوية هو من حفدة الشيخ سعد أبيه بن محمد الفاضل وللزاوية أهمية محلية حيث يتبعها أكثر قادريي مدينة تيس وفريق من قادريي البلاد· الزاوية التيجانية بتواون وهي أكبر زاوية لهذه الطريقة -في السنغال أسست عام 1902 من طرف الحاج مالك سي وقد أقام المؤسس زاويته 22 عاما معلما ومربيا وتمكن انطلاقا منها من نشر الطريقة في معظم المناطق الولفية والمدن الكبرى وخاصة العاصمة داكار وسانت لويس· الزاوية العمرية التي أسسها الحاج عمر تال (1864-1897 ) وهي أقدم زاوية تيجانية في السنغال لأن الحاج عمر الفوتي كان يعتبر نفسه خليفة أحمد التجاني في السودان وسعى سعيا حثيثا لنشر هذه الطريقة في فوتا وسائر مناطق السنغال والبلاد المجاورة· ولاتزال الزاوية مستمرة في مواصلة جهود المؤسس·  الزاوية الإبراهيمية في كولاخ وهي التي أسسها الشيخ عبد أنياس المتوفي 1922 بعد استقرارها في كولاخ· وارتبطت هذه الزاوية باسم الشيخ إبراهيم أحد كبار أولاد المؤسس لأنه لعب الدور الأكبر في تطوير الزاوية وإعطائها بعدا عالميا، ومن المفارقات أن هذه الزاوية السنغالية التي لا تحظى بشعبية كبيرة في بلدها، عرفت نجاحا في دول أفريقية مثل غانا ونيجيريا وغيرهما وكسبت شهرة عالمية · هناك زوايا تيجانية أخرى في مدينة غوناس في جنوب السنغال عند الشيخ محمد سعيد باه (مؤسسها) وزاوية دار الخير التي أسسها الشيخ شمس الدين حيدر وزاوية تثينيا التي أسسها أمري انداك سيك وغيرها· الزاوية المريدية التي أسسها الشيخ أحمد بمبا (1852-1927) في مدينة طوبى التي أسسها الشيخ عام 1886 وتطورت حتى أصبحت إحدى أكبر المدن الدينية السنغالية إذ يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة كما يقرب عدد أتباع الزاوية نحو أربعة ملايين شخص·الزاوية اللاهينية في يوف أسسها الشيخ لب سي فيا والملقب بإمام الله ومن هنا كلمة إلاهيين التي حرفت للغة المحلية فأصبحت لاهيين ويسكن أتباع هذه الزاوية في منطقة الرأس الأصفر وينتمي أكثرهم إلى قبيلة ليبو الولفية·  كيف تطورت الأدوار المتنوعة للزوايا في السنغال؟ لاشك أن الدور الأساسي للزاوية هو تربية أتباعها· لكن الزاوية السنغالية تضيف إلى ذلك استثمار نفوذها للجوانب الأخرى من حياة الإنسان·فشيخ الزاوية هنا حل محل رئيس القبيلة وبالتالي يقوم بالتوسط في النزاعات التي تقع بسبب الأتباع وبينهم وبين غيرهم ويقوم بتدبير الزواج في إطار أتباع الزاوية ويساعد الفقراء ويوفر العلاج للمرضى ويوفر العمل للعاطلين ويتوسط للأتباع لدى السلطات للحصول على امتيازات مهنية·وللزاوية دور كبير في تنظيم التربية والتعليم عن طريق شبكة من المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية·كما لها إسهام في الإنتاج الاقتصادي عن طريق زراعة الفستق إذ يملك كل شيخ حقولا كبيرة يعمل فيها أتباعه مجانا وتنتج آلافا من الأطنان من هذه المادة الحيوية للاقتصاد السنغالي·وقد تطور دور الزوايا حتى وصل إلى المجال السياسي· وأصبح كل زعيم سياسي يريد الوصول إلى السلطة العليا يضطر إلى التحالف مع شيخ ذي نفوذ كبير للاستفادة من نفوذه في الحملات الانتخابية· إذ يكفي أن يصدر الشيخ نصيحة إلى أتباعه للتصويت لمرشح معين لكي ينصاع أكثر الأتباع لذلك الأمر ويصوتون للمرشح المذكور·والخلاصة أن هناك تحالف بين الشيوخ والأحزاب السياسية، يجني منها كل طرف مصالح لا يستهان بها · لكن الشباب من أبناء الشيوخ أكثر انغماسا في اللعبة السياسية من الكبار· كيف هي العلاقات العلاقات التي سادت وتسود بين الزوايا في السنغال؟ مرت العلاقات بين الزوايا بمراحل مختلفة إذ حدث تنافس قوى بين القادرية والتجانية في نوتا تورو في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتطوت إلى اصطدامات ومقاطعة فصلها الشيخ موسى كمرا في كتابه: الحوار المبين في أخوة جميع المؤمنين·لكن هذه العلاقات تحسنت نسبيا في القرن العشرين ولم يعد هناك توتر بين أتباع الطريقتين بل تزاور ومجاملة·أما العلاقات بين التجانية والمريدية فقد كانت سيئة للغاية في البداية رغم أن الحاج مالك وأحمد يحيا تربط بينهما روابط النسب والصداقة· وقد كان تدهور العلاقة بفعل المتشددين من الأتباع·· ولم تتحسن إلا في النصف الثاني من القرن العشرين··· هل من نماذج عن الإنتاج الفكري للزوايا؟ من أبرز مظاهر الإنتاج الفكري للرعيل الأول من مؤسسي الزوايا السنغالية:- رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم، للحاج عمر الفوتي، والمقاصد لنفس المؤلف وكفاية الراغبين للحاج ماللوي، و إفحام المنكر لنفس المؤلف، و مواهب القدوس لأحمد بمبا، و تزود الصغار، ومالك الجنان، والجوهر النفيس لنفس المؤلف···


أدونيس و الخطاب الصوفي

 ذة· فاتحة سلايعي

'النص آلة كسولة توكل قسطا كبيرا من عملها إلى القارئ ''كولن ولسن(1)لما كانت الأعمال لأدبية موجودة لكي تكون مقروءة فإن القراءة المطلوبة(2)؛ ليست تمريرا للنص على السطور وليست تقبلا سلبيا للنصوص الأدبية،بقدرماهي تفاعل دينامي بين النص ''الكتــاب''ومتلــقيــه'' قـارئه· ولكونها كذلك، فهي حرية ونشاط مكثف وفعل متحرك كما أنها توليد،يحاول معه القارئ استكشاف و سبر الأغوار بفحص العمل-باعتباره فضاء لتداخل بنيات داخلية وأخرى خارجية-و تحديد سمته، مع ما يتطلبه ذلك من وصف الأدوات واختبارها، ومعاينة مهارة الأداء، وحسن البناء·من هذا المنطق، وتحقيقا لهذا الهدف، تأتي هذه المحاولة لتقريب كتاب لخالد بلقاسم(3)، يقع في مائة وأربع وسبعين صفحة، من الحجم المتوسط: أدونيس والخطاب الصوفي (4)·بناء على ما سبق يمكن التأكيد على أن إنتاج كتاب لدى بلقاسم ضبطته آليات و أدوات سيتم الاقتصار على بعضها· - أدونيس والخطاب الصوفى : رؤية من الخارج· صفحة الغلاف الأولى: حاولت أن تقرب الموضوع في بعده التصوري بتغطية مساحة هامة من الغلاف باللون الرمادي المائل إلى الخضرة، وإثبات لوحة الفنان ''شاكر حسن آل سعيد''(1)، التشكيلية عليها بمكوناتها، والعنونة للعمل في وسط الصفحة بـ''أدونيس والخطاب الصوفي'' بخط مميز فضلا عن إثبات إسم المؤلف ''خالد بلقاسم'' على يمين الصفحة و دار النشر ''دار توبقال'' أسفل يمينها·إن هذه المعطيات تسمح بإيراد الملاحظات التالية: 1- صفحة الغلاف تمثل مؤشرا هاما للدخول إلى الموضوع،إذ تتساوق مكوناتها و تتلاءم، مما يؤكد ارتباطها بموضوع الكتاب· 2- توظيف لوحة الفنان ''شاكر حسن آل سعيد''، وإثباتها على الغلاف له أبعاد، يمكن استجلاؤها بقراءة اللوحة باعتبارها مجموعة غرافيكية، فهي: لفنان ذي البعد الواحد(2) وإيحاء بإغراق صاحبها في الممارسة الصوفية مما غير مساره وانعكس عليها: ''بدأت أعامل الحرف إذن كمجرد سمة لا شكلية دون هوية أو دلالة لغوية''(3) ـ ولطخات لونية متدرجة: الأصفر فالأخضر الفاتح و الأبيض ثم الأسود· ـ كما أنها تتضمن حروفا عربية، وأشكالا حروفية ، من مثل: الواو و العين والدال و الألف··· ـ وشكل جدار محطم باللونين الآجري و البني،و تجدر الإشارة إلى أن ألوان اللوحة الأصلية الطاغية كانت أجرية و بنية،إلا أن مصمم غلاف كتاب بلقاسم استعار اللون الأخضر بدرجاته انسجاما مع الموضوع· ـ و خطوطا لا تأخد شكلا كتابيا بل هندسيا، وخطوطا مائلة وأخرى عمودية· ـ كما أن مساحات لونية اتخذت أحيانا أشكالا هندسية (مربع،مستطيل،نصف دائرة···) لنتوقف أمام الحرف لذاته، لماذا جعل آل سعيد من لوحته مجالا أو ميدانا لاختيار وجهة حرف واحد؟ ألا يملك الحرف الواحد ذو الاتجاه الواحد في اللوحة بعدين بالضرورة طالما أن الاتجاه هو بعد واحد لكن فوق سطح تصويري ذي بعدين؟· إن الحرف بهذا المعطى لا يعود حرفا بالتالي،بل شكلا لا شكليا، أو شكلا لغير شكل واحد· ففي اللوحة يشير حرف ''الواو'' إلى العدد 6 و9 في آن معا، وحرف العين إلى العدد 8 وحرف الدال والألف إلى العدد .1 فلا عجب إذا قلنا أن هذه الإشارات لها دلالاتها مع موضوع الكتاب، و أنه لما كان آل سعيد مغرقا في التجربة الصوفية، فقد كان مصمما ناجحا لغلاف كتاب بلقاسم·  صفحة الغلاف الأخيرة: أي ''رجاء الشك'' أو ''الإلحاق''، اختارلها المؤلف اللون الأسود انسجاما و تناسقا مع توجه الموضوع، و هي مقتطف من تقديم صاحب الكتاب قصد بها تقريب القارئ من عمله و إحداث تفاعل معه، و طرح بعض الأسئلة، لقد كان من الممكن أن تكون هذه الصفحة مقتطف من شيء قاله ''أدونيس''، أو أحد الذين أثنوا على المؤلف و نوهوا به، خصوصا و أنه في أصله أطروحة لنيل دبلوم الدراسات العليا· يبقى أن صفحتا الغلاف، وحدة قائمة على توليف مجموعة من العناصر نجح بلقاسم في موضعتها و توَظيفها، فهما تمثلان مدخلا هاما،و مؤشرا على مضمون الكتاب في حالة عدم التمكن من قراءته، يكفي القارئ الفطن التسلح بذهنية تحليلية واسعة، ودقة الربط بين مكونات الغلاف للتوفيق في استخلاص دلالاتها دون ولوج الكتاب· أدونيس و الخطاب الصوفي: رؤية من الداخل اعتمد المؤلف لتوصيل موضوعه إلى القارئ مجموعة من المداخل: ـ بعد صفحة الغلاف الخارجية، ستوقفنا صفحة بيضاء مثبت في أسفلها عنوان الكتاب: ''أدونيس والخطاب الصوفي''و على ظهرها في الوسط أصل الكتـاب: (أطروحــة صــاحبــه لنيل د·د·ع أ·ح)· لقد اختار بلقاسم هذه الصفحة لهذا الغرض و كان من الممكن أن ترد خلوا من أية إشارة· ـ بعدها مباشرة يجد القارئ نفسه أمام صفحة العنوان الأساسية المعتمدة، و قد وزعت مكوناتها بشكل موفق من ناحية الخط و الموضعة و المسافة و دقة المعلومات (المؤلف، العنوان، دار النشر)· و نفس الملاحظات تسجل على ظهر الصفحة (المجال المعرفي، الطبعة، السنة،رقم الإيداع،الرقم الدولي···)· على أن هاتين الصفحتين استوفيتا العناصر المطلوبة مجتمعة· ـ تمة مدخل آخر التزم به بلقاسم وهو ''المقدمة''، أو كما سماها ب ''تقديم''، ضمنها موضوع بحثه، ودوافع الإختيار، مع تحديد الإشكال والصعوبات، فضلا عن المنهج الذي سلكه في بحثه·.1 إن هذه المقدمة لم تكتمل بعد، وتحتاج إلى صياغة أخرى، و إضافات بدليل عدم اهتمامه بإيراد الدراسات السابقة في الموضوع والتعليق عليها وخلوها من خطة البحث· ـ أقول هذا لأنساب إلى أقسام الكتاب: لقد ركز بلقاسم موضوعه في ثلاثة أقسام متفرعة إلى فصلين وكل فصل مشجر إلى عناوين، يمكن اعتبارها مباحث و كل عنوان إلى عناوين فرعية بمتابة مطالب· ـ القسم الأول : و يقع في سبعة و ثلاثين صفحة (من 11إلى 49)، عالج فيه المؤلف التداخل النصي في علاقته بالشعرية العربية القديمة (السرقات)، و بالخطاب الفلسفي الحديث، بدءا من فريدريك نيتشه، دون إغفاله القضايا النظرية للتداخل معتمدا على وجهة نظر ميخائيل باختين، و لم يفته الحديث عن مفهوم التداخل النصي في الخطاب العربي المعاصر،معتبرا دراسة محمد بنيس حول الشعر العربي المعاصر في المغرب من الدراسات الأولى التي شغلته معتمدا على تصور كريستيفا وتودوروف وجان لوي· ـ القسم الثاني: و يشغل تسعة وستين صفحة (من 50 إلى119)، محور فيه بلقاسم حديثه حول الممارسة النظرية لأدونيس،و الخطاب الصوفي، مركزا على علاقة الحداثة بالخطاب الصوفي، ومؤصلا فممثلا لذلك، مؤكدا على الوجهة الخاصة لأدونيس من خلال تصوراته وتشغيله لمفاهيم معينة (الرؤيا،الفعل الشعري)، و تحديداتها (العروض،البنية الشعرية) مع مسائلتها، إذ أن هذه العناصر هي ما يحدد مفهوم التصوف لديه، (تجربة شعرية تحبل نصوصها بإمكاناتها···· ـ القسم الثالث و الأخير: تناول فيه الممارسة النصية لأدونيس و الخطاب الصوفي، من خلال النصي و بناء الدلالة لدى أدونيس ما دامت العناصر التي يعتمدها الشاعر لبناء نصه هي ذاتها التي تؤسس دلالية هذا النص، متوسلا في ذلك بالتحليل والدراسة من خلال: ديوان: التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل، مقدما قوانين حوار النصوص وأسسه النظرية، الأمر الذي هيأ لأدونيس الإنفتاح على تصوف الثقافة العربية القديمة و تأوله· على أن ما يمكن ملاحظته يتلخص في ما يلي:üلما كانت العناوين بتعريفاتها وكثرتها إمضاء شخصي يتقدم النص ويؤشر على احتمالاته كاشفة عما يوجه النص و يؤطره، فقد اتسمت بالدقة متحاشية الملل و الإخلال، مما سهل على القارئ المتابعة برغبة و متعة، فقد كانت قصيرة و دالة و مباشرة· üلقد أحسن بقاسم توزيع الفقرات واختصارها المفيد الدال و غير المخل، مع تدرج أفكاره، فضلا عن ضبطه لعلامات الترقيم، مما يثير القارئ و يزيده رغبة المتابعة، ولم يفته اعتماد لغة رصينة وأسلوبا جيدا وتحليلا فطريقة عرض جيدتين· لقد ختم خالد فصوله بخلاصات، نادرا ما نجدها في المؤلفات تيسيرا للقارئ و حرصا على أناقة الكتاب ونظامه، فقد حقق فيه صاحبه النسقية في هذه الأقسام: الأول 37صفحة،الثاني ,69 والثالث63 فصحة· هذا بعض ما يسجل لخالد، أما ما يسجل عليه فيتمثل في: ü توظيف بعض العبارات المتجاوزة (هذا الأخير···)ü إيراده أعلاما كثيرة-غير معروفة لدى عموم القراء-دون التعريف بها، أو إحالة إلى مظانها،إذ مادام العمل الموجه إلى القارئ، و القراء تتفاوت مستوياتهم، الأولى تقريبهم من ما يمكن أن يلتبس عليهم (أعلام، مفاهيم ···) (باختين/كرستيفا )ü عدم اهتمامه بضبط الأبيات الشعرية·ü و لكي لا يكون بلقاسم مخلا فقد أغلق موضوعه بخلاصة ضمنها نتائج دراسية، لكنه أغفل استشراف موضوعه، و تركه مفتوحا، بطرح أسئلة تبقى معلقة في ذهن القارئ فكرة مفادها أنه أتى على الموضوع بأكمله حيث لا مجال ولا داعي لأن يبحث فيه مرة أخرى أو ينظر إلى بعض جوانبه·ü لم تكن هذه المداخل الوحيدة في الكتاب بل تمة: -صفحة الإشارة: إنها بمثابة تمهيد لأحد الفصول، لأنها وظفت مرة واحدة، و كان من الممكن أن تعمم على كل الفصول· ـ النصوص القصيرة: التي تصاحب عناوين أقسام الكتاب والتي يصطلح عليها في أبجديات الثقافـة الفرنسيـة Les motos، أثبتها خالد على صفحة عنوان القسمين I و II، و كان موفقا في اختيارها باعتبار نفاذيتها و شمولها، إذ لم تكن مجانية، بل دالة و موحية بالمعنى العام والكامل للأقسام ومعاضدة له، تعزف على نفس إيقاعها إضافة إلى كونها حلية نصية إلا أن مثبتها لم يعممها على كل الأقسام، و كان من المستحسن أن يقوم بهذا العمل، ثم إنه لم ينهج الدقة معها، بعدم إيفائنا بالمعلومات الأساس لهذه النصوص· ـ الإحالات أو الهوامش: إنها محل استيفاء بأخبار و معلومات و إفادات متنوعة لا محيد عنها لاستكمال تصور القارئ للموضوع، شغلها بلقاسم بكثرة لإيفادنا بالمعلومات الضرورية للمصادر و المراجع المعتمدة في الصفحات، مع بعض الإضافات، إلا أنه كان مخلا فيها و مشعرا القارئ باضطراب و عدم ارتياح أحيانا، بإثباته مرة إسم المؤلف / دار النشر / مكان النشر،الطبعة السنة/ الصفحة و مرات المؤلف/ دار النشر··· ـ بيبليوغرافيا الكتاب: و هي وجه من الوجوه المعرفية الأساس في البحث العلمي، تنبه القارئ بتصفح سريع بأهميتها و تنوعها،(أعمال أدبية/ دراسة في الشعر و الأدب/ كتب في التصوف/ المجلات) و انفتاحا على الثقافة الغربية· إلا أن هذا لا يمنع من إبداء ما يلي: ـ لم تدع الحاجة في كتاب خالد إلى تصنيف هذه المصادر و المراجع بتلك الطريقة، لأن هذا الأمر أوقع المؤلف في تكرار أسماء المؤلفين· ـ عدم الدقة في اعتماد أسماء المؤلفين فتارة ترد مرتبة ترتيبا علميا و تارة أخرى ينتفي هذا الأمر· ـ اعتباره ''ابن'' في الترتيب إذ يوردها في الألف· ـ الإخراج الطباعي: كان بلقاسم بارعا في إخراجه للكتاب، بتميز نصوصه رقنا و موضعة (وسط الصفحة)، فقد كانت الطريقة التي سلكها جميلة و ممتعة و مريحة، و مشجعة على المتابعة،إذ لم يثقل الصفحة،مما يستجلب بصر قارئه و لا ينفره، و لم يوحد نوع خطوط عناوين كتابه، بل نوعها و أبدع فيها، نفس الشيء يسجل على الإحالات· خلاصة:يبقى أن كتاب بلقاسم ''أدونيس والخطاب الصوفي'' نموذج للدراسات الأدبية الرصينة بتحقيقه مجموعة من المكاسب على مستويات مختلفة من مثل:- حسن تطويقه لموضوعه·- إتقانه لأدوات الإنتاج·- حسن هيكلة كتابه·- حسن توزيع فقراته وتنظيمها·- حسن الموضعة والنسقية·- نفاذ عناوينه وتعالقها مع صميم موضوعه·- إنفتاح موضوعه·فعمله هذا يدل بوضوح على وعي تام بموضوعه، وتمثل له باعتباره مسرحا لتداخل بنيات داخلية وأخرى خارجية، إنه مسار لتلقيات عديدة يبدأها خالد بلقاسم، ويكملها القارئ بأفق انتظاره الخاص·فهل تمكن هذا الكتاب من إعطاء صورة عن صاحبه؟ وهل هذه هي الصورة المثلى لإخراج كتاب وتقديمه إلى القارئ؟ أفلم يحن الأوان بعد لتحديد أبجديات إنتاج كتاب بالمعنى العلمي له، وإلزام الكتاب بها؟·


الوجدان الصوفي وأثره في شعر التصوف الأثـر المبـاشـــر

 د· عبد الوهاب الفيلالي

 الشعر أكثر أجناس القول التصاقا بالتجربة الصوفية وتجاوبا معها، يكمن سر ذلك في ارتباط وجودهما بالوجدان وما يكتنف الذات من عاطفة جامحة وانفعال خلاق، ذلك ''أن التأمل بالوجدان والقلب وسيلة مهمة عند الشاعر والمتصوف على السواء''(1)، ومظاهر التجربة الصوفية تتشابه إلى أبعد الحدود مع الحالة الشعرية ومخاض الذات المبدعة لحظة الإبداع، هذا فضلا عن استبطانهما معا -وفق المفهوم الإنساني العام للتصوف- لتجربة روحية تستهدف الكشف عن الحقيقة وتتغيى تجاوز الوجود الفعلي للأشياء·ينضاف إلى هذا التشابه ذي الأصل الوجداني الواضح بين التجربتين -كأساس لاعتماد أهل التصوف على جنس الشعر في التعبير عن تجاربهم- تمتعه بقدرات إبداعية تتجلى في جمعه بين العناصر التي يركز عليها الصوفية في ممارساتهم الوجدانية، مجتمعة أو متفرقة، وهي الكلمة والنغمة والحركة، وأيضا قدرته على قول ما لا يستطيع النثر قوله من الحقائق(2)·بناء على هذه الإمكانات والخصائص الوجدانية والفنية المتشابهة بين التصوف والشعر، ينبغي فهم لجوء الصوفي إلى اللغة الشعرية وتركيزه عليها أكثر من غيرها في التعبير عن تجربته، وإن ظل يؤمن بقصورها -رغم اكتنازها- عن استيعاب هذه التجربة بكل حمولتها المعرفية الذوقية الوجدانية، لا لشيء إلا لأن التجربة الصوفية أكبر من أن يسعها الخطاب اللغوي أيا كان (3)·انطلاقا مما سبق، نستطيع أن نقول إن التصوف والشعر تبادلا التأثير والتأثر فيما بينهما؛ وإذا كان أثر الشعر في التصوف يتجلى في التأريخ للتجربة الصوفية بلغة إبداعية انفعالية تتلاءم مع أصولها الوجدانية والفنية، وتخفف من عنف التجربة وشدتها، وتقوي حظوظ إثارة المتلقي والتأثير فيه، فإن تأثر الشعر الصوفي بالممارسة الوجدانية الصوفية يكمن في أغراضه، ومكونات اشتغاله اللغوية والإيقاعية، والصورة الرؤيا التي تتحكم في بنائه الدلالي؛ إذ هو وليد التجربة الصوفية أساسا، وإلا ما حق أن ننعته بـ''الشعر الصوفي''·أ- الأغراض:يتجلى أثر الممارسة الوجدانية على مستوى الأغراض في تطور أغراض شعرية وولادة أخرى جديدة؛ لها كلها خصوصية صوفية وجدانية تختلف حدتها وعمقها من غرض إلى آخر بحسب مقام الغرض في مسار التجربة وأحوال الذات الصوفية المبدعة· ومن أهم هذه الأغراض نذكر ''الحب الإلهي'' والحب والمدح المحمدي  وأشعار التوسل والتوجيه التربوي، نقتصر منها على ''الحب الإلهي'' و''الحب المحمدي'' لارتباطهما أكثر من غيرهما بالوجدان الصوفي مراعاة لمقام ذات الحق وذات الرسول صلى الله عليه وسلم فهي سلم التجربة الصوفية، دون أن ننسى أن الشعر الولوي لا يخلو بدوره من معاني الوجدان الصوفي لارتباطه بشيوخ التصوف وأحوالهم ومراتبهم وكراماتهم، وصدق عاطفة الشعراء تُجاههم، الذين غالبا ما يمدحونهم تعلقا وتكرما بهم ومحبة لذواتهم الطاهرة، منتقين ما يناسب مقامهم من معان روحية· أما شعر التوسل فكله نابع من قلب الصوفي وما ينتابه من واردات الخوف والرجاء والقبض والبسط، ويعد هذا اللون الشعري وجها من أوجه تعلق الصوفية الشديد بالله ورسوله وأوليائه ومحبته لهم، وتضرعهم إلى الله كي يفيض عليهم من وصاله ما به ترفع ذات البَيْنِ والغبن ويفوزون بمشاهدة نور الحق جل وعلا·1- الحب الإلهي والتشوف إلى الوصال:إني جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحتُ جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي ننطلق من هذين البيتين للصوفية ''رابعة العدوية'' لنقول: إن الحب الإلهي فعل وجداني ذوقي يشكل نواة الحياة الروحية وأصل التجربة الصوفية، والسبيل إلى الكمال الإنساني ومكمنه ومقامه الأعلى الذي ينشده كل صوفي، متحملا من أجل ذلك معاناة المجاهدة في صبر وإصرار وإيثار للمحبوب الحق، إلى أن يفنى عن ذاته ويبقى به في مقام المحبوبية، يتملى من نوره ويتلذذ بوصال جماله·وقد أوضح الصوفية في أشعارهم مقام هذا الحب وحددوا قيمته؛ في مثل قول ابن الفارض (الطويل):ولي في الهوى علم تُجَلُّ صفاته ومن لم يُفَقِّهْه الهَوى فهْو في جهل(4)وقول محمد بن عبد الكبير الكتاني (الطويل):حرام على قلب تعرض للهوى يكون لغير الحق فيه نصيب(5)وقد وصفوا ما يتخلل هذا الحب من أحوال وانفعالات ومواجيد، بلغة ومعان رمزية تلويحية نهلوها من شعر الغزل والخمر والطبيعة···، ونسجوها في سياق صوفي تحول فيه اختلافها إلى ائتلاف ذي دلالة إيحائية، تتعدى معناها الإنساني الأول إلى معنى إلهي يتناسب ومقام المحبوبية وينسجم مع حال الوجدان الصوفي الذوقي والعاطفة الانفعالية ورغبة الذات في وصال محبوبها، حيث تتحول الخمر من الدلالة على السكر الحسي إلى السكر المعنوي بعد الشرب من المحبة الإلهية والغيبة عن السوى، ويرمز الجمال الأنثوي إلى الجمال الأصل المطلق الذي يتسم بالكلية والثبات، لم يجد الصوفي المغرم به والهائم في محبته بُدَّا من أن يتذلل ويتوسل إليه بهذه الرموز ذات البعد الإيحائي، كاشفا حاله الوجدانية الذوقية وهيجان مواجيده؛ مثلما في قول محمد بن عبد الكبير الكتاني:وكم سهرت جفن الكئيب ترقبا لطيف خيال الحسن من فرط حيرتي أنوح على الأطلال كيما أرى بها مشابه جسمي في تلاشي وغربتي أذاب فؤادي سحر عين جمالها ولبيته كرها على عز سطوتي فما فؤادي مجلىً لغير سهامها ورفضُ السوى فرض عليَّ لغيرتي أغار عليها أن أراها وإنما غرامي بدا في الكون يُبدي قضيتي على مثلها أفنى وأبلى تحيرا وأرقص في الأغلال من فرط لوعتي تبدت على كأس فكان للطفه بها هو إياها وإياه حلتي أباح الهوى سري وكم قد كتمته فصرت له معنىً للطف حقيقتي غني، فقير، مفلس، متهتك، كئيب، قتيل الحسن، أقصى حظيرتي تذللت مذ لاحظت معنى جمالها فصارت معاني الجفن تفتك جملتي(6)فقد جاءت هذه الأبيات دالة على حرارة التجربة وشدة وله الشاعر بمحبوبه، حاملة معاناته الوجدانية في معاني المكابدة والتوتر التي بدت آثارها في شكل تقطعات لغوية من قبيل: ''غني، فقير، مفلس، متهتك، كئيب، قتيل''، أفرزتها عاطفة جموحة وتواقة إلى وصال المحبوب، لم تكتف بإظهار محبتها له فتعدت ذلك إلى التصريح بغيرتها عليه من نفسها: ''أغار عليها أن أراها···''، وتذللها له وانبهارها بسحر جماله وفنائها فيه·بناء على ذلك، نخلص إلى أن غرض الحب الإلهي والتشوف إلى وصال الحق سبحانه أثر من آثار الممارسة الوجدانية الصوفية، لولاها ما كان له أن يوجد ملفوفا في إزار لغة السمو والعلو (الرمزية)، وتكتنفه تلك الدلالة الإيحائية المستوحاة من عدة حقول معجمية ودلالية وصور عاطفية إنسانية تفاعلت فيما بينها بإيعاز من طبيعة تجربة المحبة الوجدانية وما يعتمل في النفس من مشاعر وانفعالات لا قدرة للتعبير التقريري المباشر على حملها· ومن أبرز من نظموا في هذا الغرض من شعراء التصوف المغاربة نذكر: محمد بن عبد الكبير الكتاني، ومحمد الحراق، وأحمد بن عبد القادر التستاوتي، ومحمد العياشي بن عبد القادر التساوتي، وعبد القادر العلمي، وأحمد بن عجيبة··· وغيرهم·2- الحب المحمدي:يميز الصوفية في مدحهم للرسول صلى الله عليه وسلم بين مدحه لذاته وشخصه الظاهر الحسي وما يتبع ذلك من كمالات ومعجزات وخوارق -وهو الغالب- وبين مدح سره الباطن ونوره الأصلي الذي تفرعت عنه التجليات الحسية وهو المديح الصوفي أو الحب المحمدي الصوفي·وأهم ما يستخلص من هذا التمييز بين النوعين هو تأثير الصوفية في فن المديح النبوي بفعل مفهومهم العميق ''للحقيقة المحمدية'' وتمييزهم بين ''محمد الذات'' ''ومحمد المعنى'' أو ''الحقيقة الأحمدية'' أو''محمد الروح''، وهي كلها اصطلاحات صوفية نفهم منها أن نبوته صلى الله عليه وسلم مبدأ أولي سابق، وأن حقيقته هي أصل الوجود وأول مخلوق قبل آدم ''صدر عن الذات، ومنها صدرت بقية المخلوقات''(7)، يقول محمد بن عبد الكبير الكتاني في هذا المعنى:هو المبدأ الفياض والدولب الذي يُفيض على الأدوار سر الألوهيه هو العنصر الكلي والدورة التي بها كان بسط الدائرات الوجودية(8)تأسيسا على هذا المبدإ الصوفي، كان شعراء الصوفية يبنون قصائدهم النبوية ويسكنونها معاني المحبة ومعاناة آلام الفراق وما يكابدونه شوقا إلى وصال النور المحمدي ومشاهدة الجمال الأحمدي، وصالا روحيا ومشاهدة ذوقية سامية تتجاوز جمال صورته الظاهرالحسي إلى جمال الباطن؛ وكما قال أبو حامد الغزالي: ''شتان بين من يحب نقشا مصورا علـى الحائط لجمال صورته الظاهرة وبين من يحب نبيا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة''(9)·توسل الشعراء في هذا الباب برمزي الخمرة والجمال الأنثوي، نشدانا للجمال المحمدي الأصل ومحاولة لاستيعاب ما يصاحب ذلك من انفعال وجداني· ومن النماذج الشعرية التي يمكن أن تعتبر صورة واضحة لشعر المحبة المحمدية، المتشبع بروح الوجدان الصوفي وما يكتنفه من انفعالات الألم والحزن والبكاء ومعاناة الشوق إلى الوصال، قول الشعر عبد الرحمن بن عبد الهادي السجلماسي:يا حبيبا بحبه قد سقاني صرْفَ راحٍ رحيقه زنجبيلا وبسر جماله قد سباني فغدوت، بلا تمن، قتيلا كيف أسلو ومقلتي في عناء وفؤادي على الدوام ثميلا وكساني من الغرام نحول واصفرار، فعين حالي هطيلا ليت شعري متى يحق لقائي لمحيا به الجمال حفيلا أحمد المصطفى إمامي وغوثي وملاذي وبالغريب كفيلا طال شوقي، وطال صبري وهجري، وهواه بحشو صدري نزيلا(10)وقوله أيضا منتشيا بوصال صفاء مقام الرسول صلى الله عليه وسلم وارتوائه من خمر محبته المعتقة:فالشرب طاب زمان وقته، وانجلى ظل الأواني وشربه اللَّفَّاحْ فاشرب صهيبة صرف راح محبة تشفي العليل بعرفها الفياح وازرع فناجل قهوة تمحي الصدا واشطح بحضرتها وزد أقداح واجعل شرابك مطلقا يا مغرما وارقص بربك واغتنم أفراح(11)

ب- مكونات النص الشعري الصوفي:نقصد بالمكونات عناصر المعجم والتركيب والإيقاع والصورة التي تتفاعل فيما بينها لبناء النص الشعري وتشييد دلالته ورؤيا صاحبه من خلال اللغة وبها، نستدعيها هنا لنتبين بعض مظاهر أثر الوجدان الصوفي فيها كالآتي:1- مستوى المعجم: المعجم هو الأساس الذي ينبني عليه النص، والمكون الأول الذي ينبغي استكشافه قبل غيره للقبض على الدلالة، والحقل الوجداني هو أكثر حقول المعجم الصوفي حضورا في شعر التصوف؛ يتجاوز ذاته إلى غيره فيمنح التجربة الشعرية حرارتها الوجدانية من خلال ألفاظ حالية ذوقية من قبيل: الشوق-القبض-البسط-الوجد-الصحو-السكر-الذوق-الشرب-الخوف-الرجاء-···، وغيرها من الألفاظ المرتبطة بها في الدلالة على أحوال الذات خلال السفر من مقام إلى آخر وما يعتمل داخلها من انفعالات ذوقية وجدانية تتناسب وحالة التلوين من حال إلى غيره إلى أن يحصل التمكين، حيث تتغير دلالة الكلمة ودرجة عمقها بحسب السياق وطبيعة التجربة والحال، وتلك هي حقيقة اللغة الانفعالية الخلاقة؛ دائمة الحركة والانسجام والتجاوب مع تقلبات أحوال النفس إلى درجة تغلب فيها ثنائيات من قبيل ''السكر- الصحو'' و''القبض-البسط''التي توهم بتضاد طرفيها، في حين هي ثنائيات منسجمة ومتكاملة الطرفين في سياق التجربة الصوفية وحركتها الباطنة وفق قانون الوجدان الصوفي الذاتي(12)·ولعل ما أوردناه من نماذج شعرية في غرضي الحب الإلهي والحب المحمدي كفيلة بالدلالة على ذلك، إذ ارتبط كل نموذج -مبنى ومعنى- بتجربة صاحبه وما ميزها من أحوال ومواجيد، مثلما هو الحال في قول محمد الحراق:سلوا الحب عني هل أنا فيه مدعي فإنه يدري في الصبابة موضعي ويعلم حقا أن لي أحبة أحبهم بالطبع لا بالتطبع وإن رام جحدي في هواي فإن لي شهودا بحالي في رسوم الهوى تسهادي، وذ لي، واكتئابي، ولوعتي ووجدي، وسقمي، واضطراري وأدمعي وهجران أوطاني، وفرط تولهي، وشدة إحراق الحشا، وتفجعي(13)حيث جمعت هذه الأبيات بين الحب، كفعل وجداني، وبين ما يشهد عليه من أحوال المكابدة والمعاناة ترسمت في وحدات معجمية متتالية، هي: السهاد والذل والاكتئاب والوجد والسقم والبكاءوالاحتراق والتفجع·2- مستوى التركيب: إن من صفات الصوفية أنهم يتكلمون بلسان حالهم قبل أو دون لسان العلم والعقل، وقد قادهم حالهم الوجداني هذا إلى إبداع لغة منتخبة تناسبه وتعادل ما يفيض عنه من معان، وإذا كانوا قد أقروا بقصور اللغة عن معادلة تجاربهم الباطنة معادلة موضوعية، فإنها ظلت أكثر أساليبهم التعبيرية حضورا، أفرغوا فيها توتراتهم ونفخوا فيها من روحهم الوجداني ما ميزها عن غيرها وأعطاها صفة اللغة الصوفية الوجدانية الاستبطانية الذوقية الموسومة بالحركة والدينامية من خلال ما يمكن أن نسميه اللعب اللفظي والشطح التركيبي·ومن أهم مظاهر هذه الطبيعة التركيبية الوجدانية للغة في شعر التصوف (14) ما يلي:2-1-التكرار اللفظي مع العمق والنمو الدلالي، في مثل لفظ ''سر السر'' و''ذات الذات'' من قول الشاعر الصحراوي المغربي أحمد بن محمد البوحسني:جلال الذات أصبح في فؤادي وسر السر ينبع من مرادي وذات الذات آخذها بذاتي بفضل الله، لا نجب الجهاد(15)·وألفاظ: الكل والطلسم والذات في قول الشاعر محمد بن عبد الكبير الكتاني:أنا كُلُّ كُلِّ الكُلِّ طلسمُ طلسمٍ بذاتي خلت ذاتي بكاسات خمرتي(16)·2-2-القلب أو المزاوجة بين التقديم والتأخير في حال من الرقص اللغوي، من قبيل ''أنا من أهوى ومن أهوى أنا···''، ومن أمثلة ذلك أبيات للشيخ ماء العينين تحكمها ثنائية التخلية والتحلية أو المحو والإثبات:وجو د في انعدام وانعدام وجود في الذوات وفي الصفات كمال في انتقاص وانتقاص كمال في الصفات وفي الذوات وختم في ابتداء، وانتهاء بختم في الممات وفي الحياة(17)2-3- تدرج الضمائر والأعداد وفق تدرج الشعور في اتجاه الوحدة، ثم تداخلها في حال من الفناء وانتفاء الحدود النحوية واللغوية بينهما، حيث يتم تجاوز دلالتها الوضعية الإشارية إلى دلالة صوفية وجدانية عبر عنها ابن الفارض بقوله:فقد رُفعت تاء المخاطب بيننا وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي(18)ومثاله قوله أيضا:وأُشهدتُ غيبي، إذ بدتْ، فوجدتُني هنالك، إياها بجلوة خلوتي فوصفيَ، إذ لم تُدْعَ باثنين، وصفها، وهيئتها، إذ واحد نحن، هيئتي(19)وقول محمد بن عبد الكبير الكتاني من تائيته:وأبصرها لحظي وذلك لحظها فكنت بها منها بصيرا بجملتي(20)وقول محمد الحراق:وحُلْتِ بين الذي قد كان يحجبه وبينه فغدا إياه إيا كِإن قلت أنت سمعت في الخطاب أنا وإن أنا قلت ناجاني مُكَنّاكِ(21)2-4- الجمع بين متقابلات توهم بالتضاد في ظاهرها؛ مثلما جاء في قول الحراق:وصار السكر بعد الوصل صحوا وأين السكر من حسن العذارى(22)حيث جمع بين السكر والصحو، وهي ثنائية صوفية ترمز إلى توالي الأحوال الوجدانية وتشير في سياقها التداولي إلى تَكَمُّلِ الذات في مقام الوصال·2-5- تراسل الحواس؛ هو تلويح إلى مناجاة كلية، بكل الوجود الحسي، ورمز إلى تبدد الحدود بين الحواس ووظائفها الطبيعية لحظة الوجود المعنوي الكلي، ورؤية الأشياء موحدة بعين البصيرة الساكنة في الوجدان؛ كأن يرى الصوفي بسمعه بدل عينه ويسمع بعينه بدل أذنيه···، يقول ابن الفارض:فعيني ناجت، واللسان مشاهد، وينطق مني السمع، واليد أصغت وسمعي عين تجتلي كل ما بدا، وعيني سمع، إن شدا القوم تنصت كذاك يدي عين ترى كل ما بدا، وعيني يد مبسوطة عند سطوتي وسمعي لسان في مخاطبتي، كذا لساني، في إصغائه، سمع منصت(23)2-6- تلاحق المعاني من خلال تتابع الألفاظ والمتواليات تلويحا إلى أحوال ذوقية باطنة، وشبيه ذلك توالي آهات حمدون بن الحاج في البيت التالي:آه على جسدي، آه على كبدي، آه ومن كمدي، فليس يتصف(24)وقد يجتمع بعض هذه الخصائص في بيت واحد أو بيتين، دالا بذلك على شدة الوجد، مثل اجتماع التكرار اللفظي (الذات- السر) وتكرار الضمير ''أنا'' الذي يرمز داخل السياق التداولي إلى حال الفناء في ذات الحق فناء روحيا وجدانيا زاده عمقا تراسل عباراته ومعانيه في قول أحمد بن محمد بن آمنا البوحسني:أنا الذات عين الذات في الكون كله أنا الخالق الباري، المصور للأمرأنا الحق، والتحقيق أثمر في الحشا أنا السر عين السر يا ناظر السر(25)بناء على هذه الخصائص، غدت اللغة الصوفية الوجدانية لغة رامزة تحمل حقائق غير مألوفة، ومنازلات ومواجيد لا يفقه كنهها إلا الصوفية الواجدون الواصلون، وتسهم داخل البناء الفني لنصوص الشعر الصوفي في تحديد الرؤيا الصوفية وطبيعتها الروحية الوجدانية·3- مستوى الصورة الرؤيا(26): كلما ذكرنا الصورة في الشعر الصوفي قفزت إلى الذاكرة الرمزية الصوفية بروافدها الأساسية الثلاثة: الشعر الغزلي الحسي والعذري العفيف، وشعر الخمر، وشعر وصف الطبيعة والتغني بجمالها، فضلا عن رمزية عناصر اللغة الشعرية ذات الخصائص الصوفية الوجدانية التي تسهم بدورها في بناء الرؤيا الصوفية بناء شعريا·وإذا علمنا أن الرمز لغة السمو والعلو، مراد لما رمز له(27)، وذو طبيعة نفسية استبطانية تجعله الأكثر قدرة على حمل أحوال العاطفة، وأن التصوف سفر مقامي عارم بالأحوال الوجدانية الذوقية في مساره في اتجاه الأْعلى بحثا عن فسحة مشاهدة نور تجلي الحق، انكشف سر تعلق أهل التصوف بالصورة الرمز أو الصورة الرؤيا التي تتشكل من تلك العناصر الثلاثة في ارتباطها بالتجربة الصوفية وباقي خصائصها اللغوية والتركيبية، رغم ما يمكن أن يبدو -في الظاهر- من اختلاف بينها في ذاتها، وبينها وبين طهر وقدسية هذه التجربة:-الغزل والخمرة ـــــ الحسي الماجن الداثر·- التجربة الصوفية ــــ المعنوي الباطن· والقدسي المطلق·فالرمز، لا الإفصاح التقريري إذن، هو التعبير الوحيد الممكن عن التجارب الصوفية في أعلى مقاماتها(28)، يغدو معه الجمال الحسي رمزا للجمال السماوي المطلق من باب مشاهدة الجمال المطلق ساريا في الأعيان الجميلة ( المرأة -الطبيعة) دون أن يتغير أو يتبدد، أما رمز الخمر فيحيل إلى حال الوجد والسكر من راح المحبة الإلهية ومشاهدة نور الجمال الحق وما يصحبه من معان ذوقية، وتحضر الطبيعة مكانا خصبا وجوهرا يحتضن مجلس الأنس والوصال وتعاقر فيه الكؤوس·ومن النماذج الشعرية التي اجتمعت فيها تلك العناصر الثلاثة، مكونة صورة الوصال ونعيم الذات الصوفية بتذوق خمر المحبة الإلهية ولحظة الكمال بمجالسة المحبوب في مجلس الأنس العفيف المقدس، قول العربي بن السايح من قصيدة في تجربة الوصال وتحقق رؤيا الكمال:وأدنى مقامي من علاه تكرما وأكرِم بمخدوم يرقُّ لخـــــــادم فاعطيته راح الحديث مروقا بكاسات وجد عاطرات المناسم لدى روضة يروي الصبا عن نسيمها حديث الشذا عن نفح زهر الكمائم وترقص زهوا بالمعاطف قضبها إذا أطربتها ساجعات الحمائم جلونا بها أنسا يحاكي لطافة شمائل حِبِّي أو بليل النواسم وظَلْنا وما غير العفاف نديمنا وتبَّت يدا واشي الخنى والمآثم(29)ففي الشعر الصوفي، إذن، تتواصل وتتفاعل ملكة الخيال والطبيعة الوجدانية ولغتها الرمزية فتتوحد الأشياء وتتجدد في أفق البناء اللغوي للرؤيا الهدف؛ أعني الكمال الإنساني والصفاء الروحي الوجداني، انطلاقا من أن التصوف طلب للكمال كما قال الشيخ أحمد زروق(30)، وأن الإنسان ''ما دام حيا يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له'' كما قال ابن عربي(31)·بفعل تلك الرؤيا الهدف غدا الإنساني والطبيعي عموما··· مظهرا للإلهي؛ وتحول جمال المرأة إلى شفرة شحنتها الذات الصوفية الشاعرة بما يسكن قلبها من معاني السمو الرباني، وما يرد عليه من لطائف ورقائق ودقائق وجدانية تفيض من نور جمال الحق الكلي الدائم الذي لا يمكن التعبير عنه سوى بالتلويح الرمزي القادر على تقريب صورة التجربة وما يكتنفها من وجدان انفعالي دينامي·صفوة القول، إن الرمز الصوفي ابن شرعي لتجربة الصوفية وأحوالهم الوجدانية، وأثر وجداني فني إبداعي بالقوة من جهة ما يحمله في ذاته من إمكانات تخييلية تورث الإيحاء والتلويح، وبالفعل من خلال تحكمه في بناء الرؤيا الصوفية داخل النص، وأكثر مظاهره إبداعا تتجلى في قدرة الشاعر على إلباسه خصوصية تجربته، لا استدعاءه في ثوبه الاصطلاحي وكأنه قانون يتنقل بالدلالة نفسها والعمق ذاته من نص إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى، وهذا -طبعا- رهين بتأصل التجربة وشاعرية صاحبها·4- مستوى الإيقاع: يسهم الإيقاع، في تفاعل مع باقي مكونات النص، في بناء الدلالة والرؤيا وكشف بواطن النفس الشاعرة وما ينتابها من انفعالات ومواجيد، وذلك بفضل طبيعته النفسية الوجدانية المتجلية على سطح النص في ثنائية ''الاسترجاع والحركة''(32) التي تطبع الوزن والقافية كإيقاع خارجي، والتجانس الصوتي والتركيبي في التكرار والجناس والموازنة··· كعناصر مشكلة للإيقاع الداخلي·و إذا علمنا أن الإيقاع الداخلي هو الأكثر قدرة على حمل العاطفة وانفعالاتها بفضل طبيعته المفاجئة ونموه مع نمو النص وتقدمه، وأن الانفعال والذوق والاستبطان طباع في شعر الأحوال خاصة، فحسبنا ما وقفنا عليه من مكونات تركيبية صوفية شاطحة مثالا لإسهام الممارسة الوجدانية الصوفية في إتراب البنية الإيقاعية في الشعر وكشف غنائيتها في انسجام مع بواطن النفس وتقلب أحوالها خلال مسارها التلويني، خاصة عند شعراء يملكون ناصية القول الشعري ويستطيعون أن يشيدوا قصائدهم على حروف يستسيغها ذوق السامع وتستطيبها نفسه ويطرب لها باطنه·إن اللغة الشعرية في الشعر الصوفي ذي الأثر الوجداني تتميز -كأصلها (التجربة الصوفية)- بأحوال من التلوين إلى أن تبلغ مقام التمكين وهو تمام القصيدة وانتهاء الشاعر من نظمها· وهذا يفصح -مرة أخرى- عن التشابه الواضح بين التجربتين الصوفية والشعرية، صوفية كانت أو غير صوفية؛ فكلاهما مخاض قبل الولادة وتلوين قبل التمكين، وهذا ما سنقف على تأكيده خلال تناول أثر الممارسة الوجدانية الصوفية في الكتابة المعاصرة غير الصوفية، وبالضبط في تحديد روادها لمفهوم الشعر·ي`

المـغــرب الصــوفي بإفريـقـيــــ ا

ذة· عزيزة بزامي

  نظم معهد الدراسات الإفريقية التابع لجامعة محمد الخامس-السويسي، أيام 2,3,4 أكتوبر 2001 ندوة دولية حول الزوايا من بلاد المغرب إلى إفريقيا جنوب الصحراء: أدوار جديدة رهانات جديدة· والمعهد يهتم منذ إنشائه سنة 1987بدراسة مختلف مظاهر الحضارات الإفريقية، والتراث المغربي المشترك، واللغات، واللهجات الإفريقية·وفي هذا الإطار تم تنظيم الندوة التي ساهم فيها باحثون ومختصون من المغرب وخارجه·افتتحت الندوة يوم الثلاثاء 2 أكتوبر واختتمت يوم الأربعاء 3 أكتوبر .2001استهلت الندوة أعمالها بكلمة الأستاذة مديرة المعهد حليمة فرحات الموجهة للمشاركين مذكرة بأهمية هذا اللقاء العلمي الذي يساهم في إغناء البحث حول مختلف مظاهر الحضارات الإفريقية· مرحبة بهم ومقدمة لموضوع الندوة الدولية·بعد ذلك افتتحت الندوة أشغالها بالجلسة الأولى المتمحورة حول الزوايا والمجتمعات الإفريقية برئاسة الأستاذ مصطفى ناعمي (باحث في المعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط) الذي قدم المحاضر الأول ''الأستاذ عمر ناجيح الذي كان عرضه يتمحور حول كنتة وادي نون القادريون: الأصول والإمتداد حيث تناول فيه أصول قبائل كنتة ،نسبها واستقرارها في وادي نون وما أعقب ذلك من مشاكل الإندماج والانصهار في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة· كما تطرق أيضا للنفوذ الديني الذي كان لهذه القبائل نتيجة أصولها ووضعيتها الدينية·وتناول الأستاذ محمد دحمان (باحث في علم الاجتماع القروي) موضوع الزاوية والممارسة التعليمية: دراسة حالة المحضرة السالمية بين الجنوب المغربي وموريتانيا، تحدث فيه عن مقاربة سوسيو-تاريخية لإبراز الدور التعليمي والتربوي الذي لعبته الزوايا الصحراوية والذي ساهم في التقريب بين الشمال والغرب الإفريقي· وأشار في ختام عرضه إلى الدور الذي لعبته المحاضر في إشراك المرأة في النيل من مناهل العلم والتربية·وفي عرض بعنوان قضية تواجد الزوايا بالمسينا والفوتاجلو تحدث الأستاذ برنار سلفانك (جامعة السوربون-باريس1) عن الصعوبة التي تعترض الباحث عن الدور التربوي والجهادي الذي لعبته الزوايا في المنطقتين المذكورتين خلال القرنين 19و.20أما الأستاذة فاطمة الزهراء طموح فقد تناولت في عرضها أدوار كنتة في السودان: منطقة تمبوكتو في القرن 19· فأبرزت دور الزوايا خاصة منهاالقادرية في جنوب الصحراء في جمع شمل القبائل وتذويب الخلافات وأيضا التجديد الذي عرفته المنطقة مع مجيء الشيخ المختار الكنتي·وختمت هذه الجلسة بعرض الأستاذ: رحال بوبريك عن عودة الشيوخ وإسلام الزوايا في موريتانيا·ويم الأربعاء 3 أكتوبر ابتدأت الجلسة الصباحية التي ترأسها بابا ديمبا فال (جامعة دكار) والتي ترأسها بياربونت والتي كان محورها الدولة والشبكات الدولية استهلها الأستاذ خديم امباكي (جامعة دكار) بموضوع زاوية الموريد السينغالية: دورها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي· ناقش فيه المكانة التي احتلتها الزاوية المريدية في الحياة الاجتماعية والثقافية داخل السينغال وعن مكانتها سواء في الحقل الاقتصادي أو السياسي·ثم بعد ذلك تناول الأستاذ بابا ديمبا فال عرضه حول الموريديون السينغاليون والحكم المركزي: من المواجهة إلى التعاون حيث ركز فيه على الدور السياسي لهذه النظيمة داخل السينغال·أعقب هذا العرض موضوع الأستاذ الحادجي سامبا أمدو ديالو (جامعة السوربون) الذي تناول فيه الزواية التيجانية السينغالية المنحدرة من عائلة سيدي تيفاوان وتنظيمات الزاوية المسيرة في مواجهة الاستعمار إلى مرحلة ما بعده·وفي ختام الجلسة ناقش الأستاذ أحمد أزمي (جامعة محمد بن عبد الله-فاس) النظام التيجاني وأدواره التربوية والروحية والفكرية والسياسية في المغرب وأيضا في السودان الغربية بين الماضي والحاضر·وفي الجلسة الأخيرة التي ترأسها الأستاذ خديم مباكي والتي تمحورت حول الزوايا مع مطلع القرن .21تناول خلالها الأستاذ بيار بونت موضوع المسارات والتراتبية تمثل ورهانات حركة الزوايا جنوب أدرار الموريتاني منذ قرن من الزمان· تناولت بعده الاستاذة أندريانا بيكا موضوعها الذي قامت فيه بعرض نظرة عامة عن الزوايا الصوفية في السينغال المعاصرة، وركزت على الدور السوسيو-ثقافي لأحد فروع التيجانية وهي تيجانية نياس المتمركزة في كولخ·وفي العرض الأخير رحلت الأستاذة فاطمة الحراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث ناقشت موضوعا يتعلق بـ الزوايا في بلاد المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء والعولمة وحالة الصوفية بالولايات المتحدة الأمريكية فبعد أن أعطت نظرة عامة عن تاريخ التصوف في الولايات المتحدة ألأمريكية وأّهم الطوائف هناك، أوردت لمحة عن وضعية أحد الزوايا الصوفية المعاصرة فيها وهي الزاوية القادرية البودشيشية، وقالت بأنها من أنشط الحركات الصوفية، ونوهت بأنشطتها المتعددة·وعن سؤال الزوايا ما بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء· أية أدوار وأية رهانات جديدة؟ أجابنا بعض من الأساتذة المساهمين في الندوة:د· مصطفى ناعمي (باحث بالمعهد الجامعي للبحث العلمي - الرباط·) :في بداية القرن العشرين كان الضباط الفرنسيون والباحثون متأكدين من أن الزوايا والطرقية سوف تنتهي بعد فترة قصيرة · ندخل اليوم قرنا جديدا و الحالة تؤكد عكس ذلك، فمسألة التطور الحالي للطرقية والزوايا بإفريقيا يؤكد على دور وظيفي كبير للطريقة في التأسيس لمفهوم جديد قد يرتبط بمفهوم المجتمع المدني· هذا المجهود النظري يتطلب منا العودة إلى تحديد المفاهيم ومن خلالها رسم صورة لإسهام الحركة الصوفية في تحديد معالم الدول الإفريقية شمال وجنوب الصحراء· الأدوار هي أكبر من أن نمسحها بجرة قلم كما نفعل في المناهج التقليدية في البحث· كما أن الرهانات تبدو من خلال التطورات الراهنة التي نواكبها منذ أزيد من عشر سنوات تتجلى من خلال الأدوار الكبرى والمتزايدة للزوايا، فشبكات الزوايا المتفرعة عبر إفريقيا وأروبا وأمريكا تفرض علينا إعادة النظر في الأفكار السائدة والتجاهل شبه الرسمي التي تخص به وسائل الإعلام والأكاديميات التقليدية هذه الإشكالية·ذ· محمد دحمان (باحث في علم الإجتماع القروي) الأمر يتعلق بمقاربة متعددة الإختصاصات لظاهرة الزوايا في المغرب العربي في إمتداداتها إلى داخل القارة السمراء، من حيث نشأتها بهذه القارة وكيفية انتتشارها والأسس الروحية و المادية لذلك الإنتشار و الرهانات و الآليات التي إعتمدتها في النفاذ إلى قلب الإنسان الإفريقي رغم الإختلافات المجالية والتقافية الإثنية ما بين المجموعات الإجتماعية المكونة لمجتمعات هذه القارة ·و هكذا ركز الباحثون على الزوايا القادرية و التجانية و المريدية في أعمالها التربوية و الروحية و إمكانياتها المادية و أدوارها السياسية و الإجتماعية و ذلك إنطلاقا من خلفيات فكرية و ثقافية متعددة، و أيضا من خلال حالات بعينها بكل من المغرب و موريتانيا و السنغال و مالي و فوتا جالون، و قد مكن هذا التعدد في المقاربات العلمية و التباين في التوجهات الفكرية من إغناء النقاش و إثراء الحوار المعرفي بين مهتمين و باحثين من الدول الغربية و بلدان حافتي الصحراء · ووقف الجميع على أهمية هذه الزوايا في سبر أغوار العديد من الظواهر الحضارية اجتماعية و ثقافية و روحية و استراتيجية و مدى جدوائيتها في الرهانات الثقافية و السياسية المعاصرة في عالم تغزوه العولمة و بروز الهويات المحلية و الإقليمية باحثة عن موقع لها تحت الشمس في عالم متحول ·د· رحال بوبريك (أستاذ بكلية الآداب - أكادير):أمام ضعف أجهزة الدولة -الوطنية في توفير الشروط الضرورية للمواطن الإفريقي من تأمين للصحة والتعليم والحماية من نوائب الدهر أصبح هذا المواطن يعود إلى أشكال الولاءات التقليدية قبلية ودينية·في هذا الإطار تلعب الزوايا والطرق دورا مهما بالنسبة للفرد والجماعات كجهاز تربية روحية وعلمية وأيضا كإطار يوفر أحيانا بعض المرافق الصحية وأشكال من التضامن والتآزر بين الإخوة وأعضاء المجموعة الطرقية الواحدة·هذا من جانب ومن جانب آخر، تلعب الطرق أمام هشاشة الانتماءات الوطنية دور المرابط والمحدد لشكل أو أشكال من الانتماء يتجاوز حدود الدولة الواحدة ليجمع بين أفراد وقبائل وجماعات على أساس ما هو روحي وديني وليس ما هو سياسي ووطني·


المحبة والعرفان أصل المقاصد في الفعل الصوفي

 ذ·محمد أديوان

 كلية الآداب - الرباط

 موضوع المقاصد في الفكرالإسلامي يرتبط بأصل الفعل الإنساني وما يمكن أن يرتبط بهذا الفعل من الغايات والنهايات التي رسمها الشرع الإسلامي لأفعال العباد·وإذا انطلقنا من الميدان الأول الذي خلق الإنسان من أجله وهو العبادة أي تحقيق العبودية مصداقا لقوله تعالى: ''وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون''، فإن الأصل الأول والمقصد الأسمى في كل فعل بشري هو العبادة، أي أن الأفعال الإنسانية التي خلقها الله للعباد هي أفعال يراد منها التقرب إلى الله تعالى وبلوغ هذه الدرجة من العبودية الخالصة التي نص عليها القرآن الكريم· وبالنظر إلى هذا الجانب يتبين بوضوح أن هناك شيئا مهما في أصل هذا الفعل التعبدي ألا وهو تخصيص الله تعالى بالتعبد وترك ما سواه· وكل الأفعال الإنسانية ينبغي أن تكون في عمقها أفعالا تعبدية بصورة من الصور·ولكي يتأسس هذا المنطق التعبدي لدى الإنسان في سائر أفعاله لابد أن يكون مقترنا بمحبة الله تعالى إذ لا عبادة بدون توجه إلى المعبود، ولا توجه إلا بمحبة للمحبوب·وإذا كان التعبد هوالتوجه إلى الله تعالى بحركة قلبية دائبة لا تفتر يتواصل بها المؤمن مع ربه آناء الليل وأطراف النهار، فإنه يلزم لكي يكون هذا التواصل متحققا بكل معانيه، أن يرتبط بمعنى آخر أسمى وأرفع، ألا وهو معنى محبة الله تعالى، لأن المحب يتعبد بتمام معنى العبودية لله، والمؤمن الذي لم يصل بعد إلى درجة المحبة فهو يعبد بدرجة أقل من الكمال من المؤمن المحب لله·فمنزلتاهما مختلفتان وإيمانهما وتعبدهما متفاوت· والمؤمن المحب هنا هو العارف الصوفي السالك في الطريق إلى الله تعالى·إن أصل المقاصد في سائر الأفعال الإنسانية إذن، هو التعبد، وأصل التعبد في حد ذاته محبة الله تعالى والتوجه إليه، ومن ثم كانت المقاصد التي شرعها الله تعالى لأفعال العباد مرتبطة بمقصدية أسمى وأشمل وهي مقصدية المحبة· وسائر التفريعات في المقاصد في أفعال المسلم المؤمن تستمد قوتها ومعناها من هذه المقصدية العظمى·فإذا أخذنا مقاصد جزئية وفرعية كحفظ الدين وحفظ الحياة وحفظ النسل وغيرها، فهي مقاصد يراد بها حفظ حركة الوجود الإنساني العام على أساس فلسفة الإسلام وروح الشريعة الإسلامية، ولكن هذه المقاصد تظل جزئية وفرعية لا تكفي في أي حال من الأحوال لتحقيق المقصد الأسمى الذي تستمد منه قوتها ومغزاها في التشريع، ألا وهو مقصد حب الله تعالى كأساس ضروري لعبادته تمام العبودية· ولهذا كانت الأفعال التي يقوم بها المريد الصوفي أفعالا مختلفة من حيث المقصدية عن الأفعال التي يقوم بها غير المريد لأن المؤمن المسلم العادي يقوم بأفعاله ضمن مقاصد ظاهرة ومعلومة بالضرورة لأنها أساس الشريعة وروحها، في حين أن المريد الصوفي لا يتحرك إلا في سبيل تحقيق المقاصد الخفية السامية وعلى رأسها مقصدية محبة الله تعالى·وإذا كانت المحبة أصل المقاصد الصوفية، فإنها أيضا أصل العرفان الصوفي ومنطلقه· فكل معرفة لا تنشأ في قلب الصوفي إلا عن هذه المقصدية العظمى أي المحبة·وكل معرفة صوفية هي داعية إلى تأمل أوضاع المحبة المغذية لهذه المعرفة أو على الأصح العرفان·ولننظر الآن في أصل هذا العرفان وعلاقته بالمحبة كمقصد أسمى للفعل الصوفي·فالعرفان الذي هو ثمرة المحبة مخالف للمعرفة في صورتها العقلانية التي تظهر بها عند عموم الناس من العلماء· فالعرفان منبعه القلب الذي هو مكان المحبة ومنزلها، والمعرفة العقلية مكانها العقل وطريقها قواه الإدراكية·ويتحصل من الفروق السابقة أن العرفان معرفة خاصة الخاصة وطريقها الأذواق والمكاشفات الروحية· فآليات العرفان الصوفي هي أيضا آليات تحقيق المحبة كمقصدية عليا في الفعل لدى الصوفي، منها آليتا الذوق والكشف ويراد بهما ما يمكن الصوفي من معرفة الله تعالى عندما ينقدح في قلبه من اللطائف والمنن اللدنية والواردات الربانية ما يستدل به على وجود الله تعالى كحضور قلبي في قلب المسلم الصوفي· ولا يكاد يصل العارف إلى تمثل هذه الحقيقة القلبية حتى يتحول قلبه بفضل الأنوار التي تغمره إلى أداة صالحة لتلقي الواردات العرفانية فيعرف بالله وعن الله دون وساطة ظاهرة·فوصول الصوفية إلى الحقيقة هي غير طريق العلماء والعامة في الوصول إلى الحقائق أو المعارف·وفحوى هذه المغايرة أن العلم عند الصوفية مستمد من العلم المطلق الإلهي لا حاجة فيه إلى الحدود والتعريفات أو الأنماط والتقسيمات والتفريعات وإنما هو علم يرثونه بمايحصل لهم من التزكية والتطهير الروحي الذي يهيؤهم للتلقي بالله وعن الله العلم المطلق عن طريق المحبة والفناء في الذات الإلهية· ومع التزكية والتطهير الروحي والمحبة الخالصة يحقق الصوفية مقام العرفان· وخلافا لما يظن فإن الصوفي قد يتعرض للمعرفة في صورتها العقلية، وقد يشترك مع غيره من الناس والعلماء في اكتساب المعرفة العقلية في بداية الطريق لكي يفهم الصوفي المعلوم من الدين بالضرورة وليقف على علم الشريعة الذي يضمن له القيام بالشعائر وطقوس العبادات الظاهرة والمعاملات الحيوية كإنسان داخل منظومة المجتمع الإسلامي الشامل، بيد أن هذه المرحلة الأولى من المعرفة العقلية هي من باب ما يستكمل به المسلم الصوفي ظاهر الشريعة، وبعد هذه المرحلة إن كان صادقا في التوجه وطلب الله تعالى ينتقل إلى مرحلة العرفان على نحو ما بينا أعلاه·وبهذا الانتقال من المعرفة إلى العرفان ينتقل الصوفي من الشريعة الظاهرة إلى كمالات الشريعة بطلب الحقيقة المحمدية التي هي منتهى آمال الصوفية في طريق المحبة والعرفان·وكثيرا ما يتردد في نصوص الصوفية وخطاباتهم أن التفريق بين العلم العام والعلم الخاص أمر لا يتأتى إلا للعارفين الراسخين في الطريق، لأن العلم العام يصل إليه كل من طلبه من وجه القراءة أو الكتابة وتحصيل بعض المسائل العقلية التي يمكن للناس أن يتفاوتوا في تحصيلها بحسب ما لهم من كفاءات وقدرات على الإدراك والفهم والحفظ والتحليل، وأما العلم الخاص فهو مجموع المعارف التي وصل إليها العارفون بفضل ما يقومون به من الرياضات الروحية التي تمكنهم بصور شتى من الوصول إلى الحقيقة المحمدية التي هي أصل العرفان ومحط الأنوار الإلهية·وبذلك يكونون حقيقين وجديرين بأن يتلقوا عن الله المعارف دونما حاجة إلى الوسائط أو الكسب عن طريق الآليات العقلية وما سنته الشرائع الوضعية في مناهج التربية والتعليم من أصول كسب المعارف بالإدراك العقلي أو المهارات الحسية·والعارفون يصلون إلى هذه الدرجة من السمو العرفاني لا بوسائط الإدراك أو طرائق المهارات الحسية وإنما بوسائط المجاهدات والمكاشفات والأذواق إذا جاز أن ندعوها وسائط لأنها ليست وسائط بالمعنى الذي يفهم عادة من إطلاق هذا المصطلح·ولعل ما يصل إليه الصوفي من العرفان رهين بما يحصل له من التوجه الصادق إلى الله تعالى ولا يكون إلا بتمام الذكر· وتمام الذكر يكون بتحقيق المشاهدة بعد المجاهدة أي مشاهدة الحضرة· ولا يصل إلى ذلك إلا مريد مثابر مجاهد مكابد يطوي المراحل في الطريق في استماتة ونكران للذات وقمع للنفس وتطهير لها· وأخوف ما يخاف على السالك الوقوف مع ما يظهر له من المعارف الجزئية التي قد تتبين له في بعض مراحل الطريق، فينسيه جمالها الأخاذ المعارف اللاحقة التي سيصادفها في طريقه، لأنه بصدقه في الطلب وصحة توجهه يتجاوز إلى غيرها مستمرا في الطريق يستحث ركائب العرفان التي تحمله على المعارف حملا محفوفا بالمخاطر، فتراه لا يقبل بالأجزاء بحثا عن المطلق·