مدارس ورجالات:
نشر الإسلام وخدمته بإفريقيا: أحمد شيخي
دفاع الصوفية عن الإسلام : عبد العزيز الصديقي
استشكالات:
واقعية الفكر الصوفي : محمد أديوان
أدبيــات:
ا لمديح النبوي : محمد رشيد اكديرة
وظيفة السماع الصوفي : محمد الموضح
ذوقيات:
من إشراقات الحج
فقهيـات: إشراقة العام الهجري الجديد : عبد الصمد غازي
علميات: مآل نظرية التطور : محمد لحميتي
متابعــات :
أطروحة دكتوراه "الترك النبوي وأثره في التشريع"
مبدعــات: عرفات المحبة للزجال النخعي
تسبيح : للشاعر مصطفى حيدر
حكميات
لاشك أن انتظارك ''الإشارة'' قد طال، وأن انزعاجك أضحى قلقا وشى به السؤال بعد السؤال؛ وقد كنا ونحن في وقفة تأمل ومراجعة وتقويم، حائرين بين عواقب التأخر ومزالق الاستعجال؛ لكن ما يشفع لنا أننا أحرص ما نكون على نيل مرضاتك، وذلك بزف الإشارة إليك في أبهى حلة وأحسن حال؛ باذلين أقصى الطاقات وأثمن الأوقات - على الرغم من قلة الإمكانات - حتى تكون الإشارة أحسن جليس وأفيد أنيس، في وحشة هذا الزمن البئيس، الذي ظمئت فيه الأرواح وجفت القلوب، ولم تجد غير تصحر القيم وترقّص السراب، لا يُسمع فيه ولا يرى غير المنازعات والمضاربات والمهاترات في أكثر المذاع والمكتوب·
لم يبق أحد جاهلا بما جرى ويجري لإنسان هذه اللحظات المتسارعة، ووسائلُ الإعلام والاتصال قد زجت بكل العالمين ''في الصورة''، صورة تتعاقب عليها الألوان، لكنها لا تظهر غير بؤس الإنسان وتدني أخلاقه وقيمه، لقد عولمت الصورة صورة الإنسان فحلت المرايا محل الأذهان، وفعّلت الواقع فينا فساهمنا جميعا في تأثيث الصورة، لم نعد في حاجة إلى حديث وقد حل الصدى محل الكلام، أمسينا لا نتعامل بغير الأرقام ولا نتفاهم بغير الخصام، وكل منا يحدس ما يبطن صاحبه من آثام، لأنه لا يبطن غير الآثام·
يحمل الصدى كلاما كثيرا عن التخليق إلى كل مكان، وعن توحيد البلدان والأديان، وعن تعبيد الشعوب وتوليد النبات والأبدان،· وعن ما يمكن وما ليس في الإمكان.· لكن الغافل المغفل هو المصدق بأن الإنسان يمكن أن يصبح غير الإنسان، مستغنيا عن عناية البارئ المصور المنان·
لعل في تجارب العالمين ما يكفي من ألقى السمع وهو شهيد، ليتلقى ويقرأ ويفهم ما في ذلك من آيات·
رسالتنا أيها العزيز القارئ، أن نقرب صورة، أو نستبدل بالصورة صورة، نحاول أن تكون الصورة أقرب إلى الأصل، تذكرنا بالحقيقة الغائبة أو المغيبة التي محتها صور أخرى كثيرة من ذاكرتنا القلبية. ولما كانت الذكرى تنفع، فبألوان صورتنا البديل نعتقد أننا نساهم في النفع العام والخاص كذلك بعون الله تعالى·
إن ما يحتويه عددنا الجديد هذا إنما يحوم حول الذكرى النافعة بمختلف صورها وألوانها، وهي معنى أو معاني نحن جميعا مسؤولون عن إحيائها فينا كليا لأنها الأصل والحقيقة والهوية، وإلا كنا لأنفسنا ناسين خائنين·
ولعل في ذكرى الهجرة النبوية التي نستفتح بها "إشارتنا" أعظم معنى علينا أن نديم تفعيله في نفوسنا وفي حياتنا الخاصة والعامة لنهاجر أصنام شركنا ونباعد أوهام شراكنا وننطلق نحو الأنصار النور الهازم لظلمنا وظلماتنا·
إخواننا، هذه بعض إشارات إلى معنى إشارتنا نضعها بين أيديكم، لا زاد لنا ولا معين غير المعين سبحانه وحسن ظنكم وتشجيعكم العلمي والمعنوي المعهود، وبالله التوفيق.
محمد المصطفى عزام
التربية الصوفية:
سؤال: هل يمكن بيان أساس النهج الصوفي في تربية الأجيال!
جواب: '' تأثيرات النفوس بعضها في بعض أمر لا ينكره حس سليم ولا عقل مستقيم، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك، وسيما عند تجردها نوع تجرد عن العلائق والعوائق البدنية، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك وسيما عند مخالفة هواها وحملها على الأخلاق رذائلها وسافلها''.
''والمقصود أن درجة الصديقية والربانية ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هي أفضل درجات الأمة، ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كل عمل بتعليمهم وإرشادهم، أو علم غيره شيئا من ذلك كان له مثل أجره ما دام ذلك جاريا في الأمة على آباد الدهور، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب : ''والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم''، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ''من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا'''' -ابن القيم-
سؤال: ولكن ألا يكفينا في مجال التربية الروحية الإصلاحية الاقتصار على النظر في النصوص الشرعية، دون الالتجاء إلى اتباع شيخ مربي؟
جواب: إن الرجوع إلى النصوص الشرعية واجب على كل مسلم، خصوصا فيما يتعلق بمقام الإسلام والإيمان، ولكن عندما يتعلق الأمر بمقام الإحسان فإننا نحتاج إلى منهج سلوكي وتربوي لا يكفي فيه إعمال الفكر في النصوص الشرعية، وإن كان لا شيء من أمر المكلف يخرج عن هذه النصوص، ولكن الفكر وحده لا يستطيع الوصول إلى ما يتعلق بالتربية الروحية، فأمرها يتعلق بتحقيق مناط خاص، ''وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها'' -الشاطبي-
سؤال: ولماذا لا نعتمد المنهج المتبع في العلوم الكسبية دون الالتجاء إلى الكتب المؤلفة في التصوف والأخذ عنها؟
جواب: إن الكتب المشار إليها محشوة بالحكايات عن أرباب الأحوال الذين ملكتهم الأحوال، وأرباب الأحوال الذين ملكوا أحوالهم، وأكثر ما تحتوي الكتب على القسم الأول، والمملوكون للأحوال لا يقتدى بهم ما داموا كذلك، ومن اقتدى بهم خرج عن الطريقة المثلى وخيف عليه الانقطاع، وهو الغالب فيمن اتبعهم، إذ هناك صار الناس حين اتبعوهم فرقا، فمنهم من اختل جسمه حتى تلف أو كاد، ومنهم من تلف عقله أو كاد، ومن من شاذ الدين بما لم يأذن الله فغلبه ومنهم من يأس من روح الله في السلوك أو كاد ومنهم من كان على طريقة خير من علم أو عمل فانقطع عنه لعارض رياء أو عجبا أو حب دنيا أو جاه ولم يتحقق
ومنهم من أساء ظنه بالطريقة وأهلها وكذب بها، إلى غير ذلك من الأمور العارضة التي لايزيلها النقل عن كتب التصوف بل يثيرها، وهذه الأمور لا يدرك كنهها إلا أربابها ولم نر فيمن تقدم أو تأخر من ثبت تحت إبالة شيخ سني محقق اتفق له شيء من هذا -ابن خلدون-
سؤال: هل يمكن توضيح الأمر أكثر؟
جواب: ''إن الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق أجمعين وإن كان واحدا في نفسه، فكل سالك يليق به من التربية ما لا يليق بغيره، والأحوال والمواجد والواردات والمواهب والعلوم واللقاءات، والعوارض في السلوك تختلف بحسب الأشخاص والأحوال، والبداية والنهاية، والقوة والضعف، وسبيل سلوكهم غير متفق، فقد يكون الرجلان على وزن واحد في العلم والعمل، وترتيب الرياضة، ويعرض لهما عارضان مختلفان، فيحتاجان إلى دواء مختلف، إن جعل واحدا لم يصلح، أو متحدان، إن جعل مختلفا لم يصلح، ويعرض لهما عارضا مختلفا، فيحتاجان إلى دواء مختلف، إن جعل واحدا لم يصلح، أو متحدان، إن جعل مختلفا لم يصلح، ويعرض لهما العارض المتحد، فيصلح لأحدهما من العلاج ما لا يصلح لآخر، وترد على كل واحد منهما الأحوال والمواجد والإلقاءات متفقة ومختلفة، فيفرق الشيخ بين مؤتلفها، ويجمع بين مختلفها بحسب ما أراه الله، هذا فيما يعرض له في التخلق والتحقق معا، التحقق بالتوحيد أشد وأحرى و لا يكتسب الدخول فيه من كتاب، بل تحت شيخ خاض بحر التوحيد ثم وقف على ساحله يدعو إليه، وشأن هذا السلوك أعظم والتحرز فيه أتم، والعوارض الطارئة على سالكه أقوى وأدهى وسائر ما يذكر من الفرق في هذا النمط، إنما أصل هلاكهم السلوك في هذا الطريق من غير شيخ محقق عارف، أو الخروج عن نظره فيه فالاحتياج فيه إليه كاحتياج الجسد إلى الغذاء، ابن خلدون
سؤال: إذن كيف يمكننا أن نميز بين دورشيخ التربية ودور شيخ الفتوى العلمية؟
جواب: إن شيوخ الطريقة شيوخ تربية وارتياض ودلالة على أحوال معاينة، خارجة عن الاختيار، ليست من قبيل المحسوسات ولا العلوم المتعارفة، وشيوخ الفتيا وحملة الشريعة شيوخ نقل وإبانة إخبار عن كيفية عمل داخل تحت القدرة (واللازم على المكلف بالنسبة للفريقين اعتقادا) '' وجوب الحق لهم وتعظيمهم واتباع هديهم'' ابن خلدون.
جواب: ''أما القول بأنها ''شريعة ثانية فتشنيع من القول إنها طريقة خاصة مغايرة لطريقة الشرع العامة، عثر عليها الصديقون واقتفوها حرصا على الدرجات العلى، وعلموا بعد ذوق معانيها ووجدان مداركها كيف تتعلق بها الأحكام الخمسة، وألقوا فهم ذلك لمن خاض لججهم، وعبر بحار ذوقهم فهي مندرجة تحت الأحكام الخمسة اندراج الخاص تحت العام، لكن لتعذر العبارة عن متعلق الأحكام الخمسة، وعدم عموم البلوى، خفي ذلك إلا على أهله المختصين بتعارفها، ومعرفة حكم الله فيها ابن خلدون.
سؤال: فكيف نميز على مستوى الأهداف بين الفقهاء في التعامل مع المكلف ومنهج الصوفية؟
جواب: '' إنما عني الفقهاء بتحرير الحدود والأحكام الجزئية التي هي مظان التنازع والمشاحة، والأخذ بالحظوظ الخاصة، والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة، وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط الفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل إلى ما حرم الله فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاح ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل، فهم يزعونهم عن مداخلة الحمى، وإذا زل أحدهم يبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية آخذين بحجزهم، تارة بالشدة، وتارة باللين
فهذا النمط هو كان مجال الفقهاء، وإياه تحروا، وأما ما سوى ذلك مما هو من مكارم الأخلاق فعلا وتركا فلم يفصلوا القول فيه، لأنه غير محتاج إلى تفصيل، بل الإنسان في أكثر الأمر يستقل بإدراك العمل فيه فوكلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده، إذ كيف ما فعل فهو جار على موافقة أمر الشارع ونهيه، وقد تشتبه فيه أمور، ولكن بحسب قربها من الحد الفاصل، فتكلم الفقهاء عليها من تلك الجهة، فهو من القسم الأول، فعلى هذا كل من كان بعده من ذلك الحد أكثر كان أعراقه في مقتصى الأصول الكلية أكثر، وإذا نظرت إلى أوصافه صلى الله عليه وسلم تبين لك الفرق ما بين القسمين، وبون ما بين المنزلتين، وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة واتصافهم بمقتضى تلك الأصول
وعلى هذا القسم عول من شهر من أهل التصوف، وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول وأصحابه، وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات فأجروها بالأصول الأولى على حساب ما استطاعوا، وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك، فعاملوا ربهم في الجميع، ولا يقدر على هذا إلا الموفق الفذ، وهو كان شأن معاملات الصحابة كما نص عليه أصحاب السير - الشاطبي-
سؤال: ولكن ألا ترون أن في منهج الصوفية مجانبة لليسر وتضييقا على المكلف؟
جواب: '' لم تزل الأصول يندرس العمل بمقتضاها لكثرة الاشتغال بالدنيا والتفريع فيها حتى صارت كالنسي المنسي، وصار طالب العمل بها كالغريب المقصي عن أهله، وهو داخل تحت معنى قوله عليه الصلاة السلام: ''بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء''
ومن ها هنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من حلتهم المعروفة، فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهم شرعا، فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا ما لم يكلفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة، وحاشا الله ما كانوا ليفعلوا ذلك، وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة، وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة، لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام، ونصوص التنزيل المكي الذي لم ينسخ، وتنزيل أعمالهم عليه تبين لك أن تلك الطريق سلك هؤلاء وباتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر، فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم، فقال أما على مذهبنا فالكل لله، وأما على مذهبكم فخمسة دراهم، وماأشبه ذلك، علمت أن هذا يستمد مما تقدم، فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله ولم يبين فيه الواجب من غيره، بل وكل إلى اجتهاد المنفق ،لا شك أن منه ما هو واجب، ومنه ما ليس بواجب، والاحتياط في مثل هذا مبالغة في الإنفاق في سد الخلات وضروب الحاجات، إلى غاية تسكن إليها نفس المنفق، فأخذ هذا المسؤول في خاصة نفسه بما أفتى به، والتزمه مذهبا في تعبده، وفاء بحق الخدمة وشكر النعمة، وإسقاطا لحظوظ نفسه، وقياما على قدم العبودية المحضة، حتى لم يبق لنفسه حظا، وإن أثبته له الشارع اعتمادا على أن لله خزائن السماوات والأرض، وأنه قال: ''لا نسألك رزقا نحن نرزقك''، وقال: ''ما أريد أن يطمعون'' وقال: ''وفي السماء رزقكم وما توعدون''، ونحو ذلك، فهذا نوع من التعبد لمن قدر على الوفاء به
ومثله لا يقال في ملتزمه'' إنه خارج عن الطريقة، ولا متكلف في التعبد، لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح فيه كل الناس قيد في التنزيل المدني حين فرضت الزكوات فصارت هي واجبة انحتاما، لا تتعدى إلى ما دونها، ويبقي ما سواها على حكم الخيرة، فاتسع على المكلف مجال الإبقاء جوازا، والإنفاق ندبا، فمن مقل في إنفاقه ومن ومكثر، والجميع محمودون، لأنهم لم يتعدوا حدود الله
ومنهم من لاينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع، بل يبقي بيده منه شيء، متحملا منه أمانة لا ينفك عنها إلا بنفاذه أو كالوكيل فيه لخلق الله، سواء عليه أمد نفسه منه أم لا، وهذا كان غالب أحوال الصحابة، ولم يمن إمساكهم مضادا لاعتمادهم على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى وأما من أبقى لنفسه حظا فلا حرج عليه، وقد أثبت له حظه من التوسع في المباهات على شرط عدم الإخلال بالواجبات -''الشاطبي-''
سؤال: هل يمكن أن نستند بالنسبة لمنهج الصوفية إلى شرعية تاريخية، فنقول بوجود هذا المنهج السلوكي التربوي في عهد الصحابة والسلف؟
جواب: إن الصحابة رضوان الله عليهم لما شرح الله صدورهم للإسلام، وقبلوا من الهداية ما كانوا فيه على بينة من ربهم، صرفوا الاهتمام إلى أعمال الباطن فكانوا يراعون أنفساهم، ويراقبون خطراتهم، ويحذرون غوائل قلوبهم، وفي هذا كانت أكثر مفاوضاتهم وفزع بعضهم إلى بعض واعتبر ذلك في سؤال عمر بن الخطاب حذيفة رضي الله عنهما، وقد ذكر حذيفة المنافقين وأشار إلى ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم، فقال له عمر ناشدتك الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماني فيهم قال: لا ولست أبرئ بعدك أحدا، فانظر إلى حذر عمر رضي الله عنه من هذا النفاق إذ لو كان مراد عمر وحذيفة بهذا النفاق مدلوله المشهور: هو إظهار الإسلام وإضمار الكفر كما كان في منافقي المدينة وغيرهم لما حذر عمر من ذلك وفزع فيه إلى علم حذيفة، إذ هو يعلم من نفسه أنه مبرأ منه وكيف يخفى هذا على عمر، وكل واحد يعلم من نفسه ما أكن وما أبدى، فالذي حذره عمر صنف آخر من النفاق وهو ما يكون في أعمال الباطن من خفايا المهلكات، تقع فلتة ولا يعلمها الإنسان من نفسه، ويعلمها النبي باطلاعه على القلوب ومعاينته لأعمالها وأسرارها وبما خصهم الله به من ذلك، وساغ إطلاق النفاق على هذا الصنف من الأعمال لما فيه من مخالفة مضمر الباطن لظاهر الدعوى ثم لما درج الصحابة رضوان الله عليهم وجاء العصر التالي لعصرهم، تلقى أهله هدي الصحابة مباشرة وتلقينا وتعليما، وقيل لهم التابعون، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب وفشا الميل عن الجادة والخروج عن الاستقامة، ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها، وأقبل الجم الغفير على صلاح الأعمال البدنية والعناية بالمراسم الدينية من غير التفات إلى الباطن ولا اهتمام بصلاحه، وشغل الفقهاء بما تعم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة، حسبما طالبهم بذلك منصب الفتيا وهداية الجمهور، فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعباد، وطلاب الآخرة منقطعين إلى الله، قابضين على دينهم كالقابض على الجمر حسبما ورد، ثم طرقت آفة البدع في المعتقدات فهذا معتزلي أو رافضي أو خارجي، لا تنفعه أعماله الظاهرة ولا الباطنة مع فساد المعتقد الذي هو رأس الأمر، فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدرون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسموا بالصوفية -ابن خلدون-
د أحمد غاني
أستاذ باحث في علم أصول الفقه
تفضيل الأولياء على العلماء
سئل ابن رشد الجد الفقيه عن قول الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه الإحياء لما ذكر معرفة الله سبحانه والعلم به وقال إن الرتبة العليا في ذلك للأنبياء ثم الأولياء ثم العارفين ثم العلماء الراسخين ثم الصالحين فقدم الأولياء على العلماء، وفضلهم عليهم· وقال القشيري في أول رسالته: أما بعد فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه· فهل هذا كقول أبي حامد؟ وهل المذهب صحيح أم لا؟ فقد قال بعض الناس لا يفضل الولي على العالم، لأن تفضيل الشخص على الآخر إنما يرفع درجته عليه لكثرة ثوابه المرتب على عمله فلا فضل إلا بتفاوت الأعمال· وقد ثبت أن العلم أفضل من العمل لأنه متعد، وخير العمل قاصر، والمتعدي خير من القاصر فثوابه أكثر وصاحبه أفضل·
فأجاب: أما تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الله فقول الأستاذ وأبي حامد فيه متفق، لا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال، وبما يستحيل عليه من العيب والنقصان أفضل من العارفين بالأحكام، بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول، لأن العلم يشرف بشرف المعلوم وبثمراته· فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، وأن ثماره أفضل الثمار، فإن معرفة كل صفة من الصفات توجب حالا عليه، وينشأ من تلك الحال ملابسة أخلاق سنية، ومجانبة أخلاق دنية، فمن عرف سعة الرحمة أثمرت معرفته سعة الرجاء ومن عرف شدة النقمة أثمرت معرفته شدة الخوف، وأثمر الخوف الكف عن الإثم والفسق والعصيان مع البكاء والأحزان والورع وحسن الانقياد والإذعان· ومن عرف أن جميع النعمة منه أحبه، وأثمرت المحبة آثارها المعروفة، وكذلك من عرفه بالعظمة والجلال هابه وعامله معاملة التائبين المعظمين مع الانقياد والتذلل وغيرهما·
فهذه بعض ثمار معرفة الصفات· ولا شك أن معرفة الأحكام لا تورث شيئا من هذه الأحوال، ولا من هذه الأقوال والأعمال، ويدل على ذلك الوقوع، فإن الفسق فاش في كثير من علماء الأحكام بل أكثرهم مجانبون للطاعة والاستقامة، بل وقد اشتغل كثير منهم بأقوال الفلاسفة في النبوة والإلهيات، ومنهم من خرج عن الدين، ومنهم من شك، فتارة يترجح عنده الصحة، وتارة يصح عنده البطلان، فهم في ريبهم يترددون· والفرق بين المتكلمين والأصوليين، وبين العارفين أن المتكلم قد تعرف عنه علومه بالذات والصفات في أكثر الأوقات فلا تدوم له تلك الأحوال، ولو دامت لكان من العارفين، لأنه شاركهم في العرفان الموجب للأحوال الموجبة للاستقامة فكيف يساوي بين العارفين والفقهاء؟·
والعارفون أفضل الخلق وأتقاهم لله سبحانه والله سبحانه يقول: ''إن أكرمكم عند الله أتقاكم''·
ومدح تعالى في كتابه للمتقين أكثر من مدحه للعالمين· وأما قوله تعالى: ''إنما يخشى الله من عباده العلماء''، فإنما أراد العارفين به وبصفاته وأفعاله دون العارفين بأحكامه، ولا يجوز حمل ذلك على علماء الأحكام، لأن الغالب عليهم عدم الخشية وخبر الله تعالى صدق، فلا يحمل إلا على من عرفه وخشيه، وقد روي هذا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو ترجمان القرآن·
أقسام العلماء بالأحكام
ثم إنا نقول: العلماء بالأحكام أقسام:
أحدهما: من تعلم لغير الله، وعلم لغير الله، فتعلم هذا وتعليمه وبال·
الثاني: من تعلم لغير الله وعلم لله فهذا ممن: ''خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا'' ولا أدري هل هو يقوم إحسانه بسيئاته أم لا؟·
الثالث: من تعلم لله وعلم لله وهو ضربان:
أحدها: أن لا يعمل بعلمه فهذا شقي لا يفضل على أحد من أوليائه، وإن عمل بعلمه فإن كان عالما بالله تعالى وبأحكامه فهذا من السعداء، وإن كان من أهل الأحوال العارفين بالله فهذا من أفضل العارفين إذ حاز ما حازوا وفضل عليهم بمعرفة الأحكام وتعليم أهل الإسلام·
وأما قول من يقول العمل المتعدي خير من العمل القاصر فإنه جاهل بأحكام الله تعالى بل العمل القاصر أحوال:
إحداهن: أن يكون أفضل من المتعدي كالتوحيد والإسلام والإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر، وكذلك الدعاء، ثم الخمس إلا الزكاة، وكذلك التسبيح عقب الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قدمه على التصدق بفضل الأموال وهو متعد، وقال: ''خير أعمالكم الصلاة''· وسئل صلى الله عليه وسلم: ''أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإيمان بالله· قيل ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله· قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور''·فهذه أعمال كلها قاصرة وردت الشريعة بتفضيلها·
القسم الثاني: ما يكون متعديه أفضل من قاصره، كبرّ الوالدين، إذ سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ''أي الأعمال أفضل؟ فقال: بر الوالدين''· وليست الصلاة بأفضل من كل عمل متعد، فلو رأى المصلي غريقا يقدر على إنقاذه، أو مؤمنا يقتل ظلما، أو امرأة يزنى بها، أو صبيا يؤتى من الفاحشة،وقدر على التخليص والإنقاذ لزمه ذلك مع ضيق الوقت، لأن رتبته عند الله أفضل من رتبة الصلاة، والصلاة إن قيل ببطلانه أمكن تاركها القضاء·
فهذان القسمان مبنيان على رجحان مصالح الأعمال، فإن كانت مصلحة القاصر أفضل من مصلحة المتعدي، وإن كانت مصلحة المتعدي أرجح قدمت على القاصر، فتارة يقف على الرجحان فيقدم الراجح، وتارة ينص الشارع على تفضيل أحد العملين فيقدمه، وإن لم يقف على رجحانه، وتارة لا يقف على الرجحان ولا نص يدل على التفضيل، فليس لنا أن نجعل القاصر أفضل من المتعدي، ولا أن نجعل المتعدي أفضل من القاصر، لأن ذلك موقوف على الأدلة الشرعية· فإذا لم يظهر شيء من الأدلة الشرعية لم يجز أن نقول على الله ما نعلمه أو نظنه إلا بدلالة شرعية·
العرفان أساس التفاضل بين الناس
فائدة: إذا استوى الناس في المعارف بحيث لا يفضل بعضهم بعضا في ذلك، فلا فضل على بعض إلا بتوالي العرفان واستمراره، لأن توالي ذلك شرف قد فات البعض، وفاز به البعض، وكذلك لا تدوم الأحوال الناشئة عن هذه المعارف إلا بدوام المعارف، ولا تدوم له الطاعة الناشئة عن الأحوال إلا بدوام الأحوال، فإذا دام صلاح القلب بدوام المعارف والأحوال دام صلاح الجسد بحسن الأقوال واستقامة الأعمال· وإذا غلبت الغفلة على القلب غلبت الأحوال الناشئة عن المعارف وفسد القلب بذلك، ففسدت بفساده الأقوال والأعمال·
والمعارف رتب في الفضل والشرف بترتيب الفضل والأحوال الناشئة عنها على رتبها في الفضل والشرف والكمال وكذلك ما يترتب عليها من الأقوال والأعمال·
والحال الناشئة عن معرفة الجلال والكمال، ينشأ عنها أفضل الأعمال وهو التعظيم والإجلال، وملاحظة سعة الرحمة ينشأ عنها الطمع والرجاء، وملاحظة التوحيد بالنفع والضر ينشأ عنها التوكل على الله في العمل في جميع الأحوال، فالتائب أفضل من الراجي·
فهذه نبذة من أوصاف العارفين بالله تعالى· ومما يدل على فضلهم على الفقهاء ما يجريه الله تعالى عليهم من الكرامات الخارقة للعادات، ولا يجري شيء من ذلك على أيدي الفقهاء إلا أن يسلكوا طريق العارفين، ويتصفوا بأوصافهم· وما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره، ولا يصح قول من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما فضل بأعماله الشاقة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فضل بتكليم الله تعالى إياه تارة على لسان جبريل، وتارة من غير واسطة، وكذلك فضل بالعلوم التي يختص بها الرسل والأنبياء عليهم السلام، وكذلك فض بالمعارف والأحوال، ولهذا قال: وإني لأرجو أن أكون أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية· وكذلك لما احتقر بعضهم قيام رسول الله إلى قيامه، وصلاته إلى صلاته، وأنكر ذلك صلى الله عليه وسلم فذكر أن تفضيله عليهم إنما كان بمعرفته بالله تعالى· وهذه أكثر جهات تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مشقة عليه فيها، وكيف لا يكون كذلك والله تعالى يقول: ''إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي''؟ ومثل هذه المقالة لا تصدر إلا من جلف جاف؟ وكيف يفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعماله الشاقة مع أنه لا شبه لأعماله وصبره وتأذية قومه بأعمال نوح وصبره وتأذية قومه، وما أسرع الناس إلى أن يقولوا ما ليس لهم، ولو أنهم سكتوا لكان خيرا لهم والله تعالى أعلم.
الونشريسي
المعيار
قيمة الحرية
يعتبر وجود الإنسان وماهيته من أعقد الإشكالات التي واجهت الفلاسفة والحكماء، لِما يكتنفها من أسرار ويحفّها من غموض، لذلك تفرقوا طرائق قددا في شأن هذا المخلوق العجيب، وتضاربت أقوالهم ومذاهبهم وتباينت مفاهيمهم حوله، ولم تكن نظرياتهم بشأنه إلا نسبية تقف في معزل عن الحقيقة المطلقة· فالإنسان بئر مظلمة، أغوارها متشعبة، وداخلها معقد، وجحورها مشحونة بالأسرار وطافحة بالغموض·
تلك الأغوار المتشعبة والجحور الغامضة في نفس الأمر نسق من الإحساسات النفسية والشعورية تنبني عليها إحساسات واضحة لا غبار عليها، ويتصدر هذه الإحساسات الجلية الإحساس بالحاجة الملحة إلى الحرية لإثبات الذات وإدراك التطلعات· فالحرية والوجود متداخلان منذ أن خلق الله الخلق ويسّر له سبل الانطلاق في مناكب هذا الكون، أي أن الحرية منحة إلهية وأيضا كسْب إنساني، وقد كان رأي بعض الفلاسفة صائبا حين ربط حرية الإنسان بوجوده ونفى أي فارق بينهما، ورأى أن الإنسان يكون ناقصا ما دامت حريته ناقصة·
وهذه الحرية إن وجدت التربة الخصبة التي تتجذر فيها والظروف والملابسات التي تتعهدها بالرعاية نمت وسمقت وأينعت ثمارها في النفوس والعقول، ليسود الإبداع، وتتحرك دوافع الإنتاج، وتتفجر الطاقات للحركة والبناء، واختراق الآفاق وتحدي الطبيعة، ولذلك عرف الفيلسوف برغسون الحرية بإنها: ''حالة شعورية وديمومة خلاّقة باستمرار، نكتشفها مباشرة في حياتنا الداخلية ولا يمكن التعبير عنها بلغة''·
ولا ينكر منكر أن الشخصية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحرية، إذ بسيادة أجواء الحرية تصقل الشخصية وتبلور، وتغدو قادرة على الوعي بالواقع، وناضجة في مواجهتها لحركة الحياة، وهذا بناء على ما ذكرنا من تلازم الحرية والوجود، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بناء على ارتباطها بمسألة التكليف الذي يترتب عليه الثواب والعقاب· ولا جرم أن ربطها بالتكليف يستلزم ربطها بالإرادة والعقل·
الحرية عند الفلاسفة
فقد ذهب فلاسفة الإسلام كابن مسكويه والفارابي وابن زكريا الرازي إلى أن الحرية الحقة هي ضبط الهوى وإلجام شهوات النفس بالعقل، وهو أيضا مذهب الفيلسوف اليوناني زينون الذي تأخذ بتعاليمه المدرسة الرواقية حيث قررت أن الحرية تكتسب قيمتها بمدى خلوها من الهوى وتحررها من الشهوة والألم· ولعل الفيلسوف الألماني فشته كان مقاربا لهذا المعنى حين ذكر في كتابه ''غاية الإنسان'' أن وجود الواجب يدل على وجود الحرية·
الحرية عند المتكلمين
كما ارتبطت الحرية عند متكلمي الإسلام بالإرادة والاختيار خاصة في مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة من الله تعالى -كما هو مذهب الأشاعرة - أم هي مخلوقة من العباد - كما هو مذهب المعتزلة -؟ وقد ظهرت خلافات في المسألة لا يعنينا الخوض فيها، لكن حصل الاتفاق أو كاد على ما يلي: العقل هو مناط التكليف، والتكليف موجب لحرية الاختيار، وهذه الحرية موجبة للحساب، وهذا يفضي إلى القول بتلازم العقل والحرية·
الحرية الحقة
بيد أن الحرية الحقة ليست هي تلك الفكرة المجردة المحلقة بأجنحة فلسفية في فضاء المثاليات، والصارمة لحبال المودة مع الواقع، بل هي الحرية ذات المضمون الفاعل في تحقيق التحرر داخل النفس البشرية، وذات المحتوى المنطلق لخلق أجواء الحرية التي تكرّم الإنسان وتقدسه ما دام فاعلا في الحياة منقبا عن كنهها وأسرارها· ومن هنا كان التنظير من لدن فلاسفة كُثُر عبثا لا طائل وراءه لتصيير الحرية كلاما معقدا لا ينحل إلا لمن يأخذ بناصية لغة فلسفية تقنية، ولتباري المنظّرين لها في سربلتها بسربال الغموض، واجتثات جذورها من تربة الواقع ليحكم عليها بالسجن المؤبد داخل مصنفات الفلاسفة والمفكرين التجريديين، وبين قضبان منتدياتهم الثقافية والفلسفية·
إن الحرية بمعناها الحق المذكور أعلاه هي المطلب المقدس الذي رفعت لواءه الشعوب والأمم منذ أقدم العصور، بل منذ نشأة الخليقة على وجه البسيطة، وأزهقت للظفر بها المُهج، وانبرت للذود عن حوضها الأقلام قبل أن تقتطف ثمراتهاشرذمة من محترفي التسييس المفرّغ من محتوى التأنيس أو المكبل بشراك التلبيس·
لقد كانت هذه هي الفكرة المركزية التي دعا إليها الأنبياء والأصفياء وغيرهم من صناع التاريخ الصالحين، والمقصد الأسنى الذي لأجله جاءت الديانات، وبكلمة: إنها غاية الإنسان·
ولا أقصد بالحرية ذلك المحتوى المرتبط بالسلوك السياسي داخل الإطار الاجتماعي وحسب، بل إلى إماطة اللثام عن الحرية بمفهومها الروحي المتعالي، وهي ذات المقصد التحريري للنفس الإنسانية : تحريرها من الأمراض الباطنية وتغليب نوازع الخير على نوازع الشر في النفس، وبالمنطق الديني: التخلص من شرور الشيطان وضغط النفس الأمارة بالسوء·
الحرية عند الصوفية
ولذا كان المتصوفة هم أنضج الناس في تجاربهم مع النفس وأعمقهم في البحث عن حقيقة الحرية وعلاقتها بالنفس، لا سيما أنها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالجانب الروحي والحرية عندهم ضربان: حرية ذاتيه ويقصد بها التحرر من النفس الأمارة بالسوء، وحرية غيرية ويقصد بها التحرر من مكائد الشيطان، وتحقق هاذين الضربين من الحرية يفضي ضرورة واقتضاء إلى التحرر الاقتصادي والاجتماعي···، وبعبارة شرعية: تحقق الجهاد الأكبر يفضي ضرورة واقتضاء إلى النصرة في الجهاد الأصغر· فتكون الحرية بالمفهوم الصوفي حرية كاملة بخلاف غيرهم ممن ركزوا في تحصيل الحرية على التحرر من الغير -بالمفهوم الاجتماعي لا الشيطاني - مما جعلها قاصرة لا تفي بالمطالب الحقيقية والمقاصد التحفيزية لعمارة الإنسان لهذا الكون· ويبلغ ذلك النضج مداه في تعريفهم للحرية، فقد رسموها بقولهم: ''هي الانطلاق من رق الأغيار''، وحصروها في ثلاث مراتب: 1- حرية العامة من رق الشهوات، 2- وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق، 3-وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار (اصطلاحات الصوفية للكاشاني باب الحاء)·
فالحرية بمراتبها الثلاث -وإن كان بعضها فوق بعض-تعني التحرر من عبادة النفس بصراع شاق ومضن يفضي إلى اقتحام عقبة المراتب الثلاث لتحقيق مسمى الإنسان الكامل الذي تحرر من كل الأغيار الباطنة والظاهرة ليخلص لله وحده ويكون في مستوى تمثيل كلمة الإخلاص علما وعملا· إنها حقيقة الحرية التي دعت إليها الأديان السماوية، ألم يقل الله تعالى في القرآن الكريم: ''وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين''؟! ألم يقل السيد المسيح في الإنجيل: لا يستطيع الإنسان أن يدخل ملكوت الله إذا كان عبدا لسيدين؟!
الحرية والإبداع
لا جرم أن هذه الحرية تنعكس بالإيجاب على الإرادة والسلوك، فكلما حافظت الحرية على مضمونها الحقيقي واستعصت عن تدجين التسييس وتطويع التلبيس وارتقت في مدارج المراتب الثلاث المذكورة كلما صُقلت الإرادة، وهذب السلوك، وكانت الفاعلية الذهنية والعملية أكثر حيوية في استغلال الكون ، وسبر أغواره، واستخلاص الأسس والقوانين التي تنبني عليها حضارة ربانية لا يطرقها الصدع والانخرام، وعلى النقيض من ذلك كلما انتهكت حرمة الحرية بإجابة داعي النفس الأمارة بالسوء كلما تدنت بصاحبها في أخس الدركات وكشَّر الفساد عن أنيابه ليفتك بالإنسان والمجتمع، وبحلول ظلم النفس بالاستجابة للمطالب الحيوانية في النفس تغليبا وترجيحا ولت الحرية فرارا ولم تعقب، وتبخرت لفرارها أجواء الخلق والإبداع، واقتصر السعي والبحث في الحرية على جمال الظواهر تقديسا وتعبّدا، فتضيع إمكانية استخلاص عناصر الجمال الباطني الذي لا يدركه إلا من تحرر متحقِّقا بحقائق الجمال والجلال الإلهيين·
إن ظلم النفس بالمعنى المذكور يزرع خوفا باطنيا يبعث على اضطرابات نفسية قد تفضي إلى تدمير ذاتي كما يتجلى في ظاهرة الانتحار التي تفاقمت في المجتمع المعاصر بالرغم من فائض التنظير الذي يغمر أسواق الكلام التجريدي على الحرية وتوابعها·
إن الظلم يشل الذهن عن قدرته الفعلية في التخيل المبدع، وعن بذل جهده في ترتيب هذا التخيل الفاعل ونظمها لإنزال مقتضاها إلى حيز الواقع فتفعل فعلها في التغيير والابتكار خدمة للإنسان وتحقيقا لكرامته الباطنية والظاهرية لا تسخيرا له بتصييره آلة صماء تُقزّم وظيفتها لخدمة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يجعله عبدا لها باسم الحرية·
لذا نلفي الشعوب الرازحة تحت نير التفسخ الأخلاقي القائم على ظلم الإنسان لنفسه وعبادته لهواه أكثر الشعوب انغماسا في الهيام بالأسطورة والخرافة إذا كانت أمة متخلفة تكنولوجيا، مما قد يكون تفسيرا للمعاناة الذاتية والاستسلام والخنوع لهيمنة النفس في بعدها الشيطاني، وهروبا يائسا من الواقع السياسي المتعجرف بأنانيته المستعلية ومراوغاته الماكرة·
ونظرة متعجلة إلى شعوب العالم الثالث تزودنا بالخبر اليقين، إنها شعوب متخلفة فكريا حتى النخاع لما يخيم على عقليتها من الأْعراف البالية والتقاليد الخرافية· ولست بذلك أطعن في ذات الأعراف والتقاليد، فهذه من المقومات الأساسية في بناء حضارة الأمم ومن الأسس الضرورية في صيانة هويتها وثقافتها من الانسلاخ، وإنما أقصد الأعراف الفاسدة والتقاليد الشائنة التي تجر بحبالها أعناق معتنقيها إلى مستنقع ظلماني حيث عبادة الشيطان واتباع هوى النفس، ولا تربطهم بالواقع المحيط بهم إلا أوهام لا تصمد لمواجهته، من أجل تحقيق الترقي بشقيه الروحي والمادي·
فما أحوجنا في عصرنا هذا لأمثال الحكيم الترمذي لنعيد لتحرر العقل صفاءه! ولأمثال الإمام الغزالي لنعيد لحرية التدين حياتها! ولأمثال الشيخ الأكبر ابن عربي لتحرير باطن الذوات بمقتضى وحدة الشهود! وبكلمة: ما أحوجنا إلى ''تصوف حي''!
ومن هنا يظهر أن العلاقة تركيبية بين ظلم النفس والتخلق الأخلاقي والفكري من جهة والحرية المكبوتة والاستقلالية المخنوقة من جهة أخرى·
ولنرجع عودا على بدء لمسألة ربط الحرية بالإبداع لنذكر إشكالا وجيها وهو: رب عقول مبدعة خلاقة شخصت في دياجير الظلم بشقيه النفسي والسلطوي وقتل الحريات بشقيها الروحي والدنيوي! لكن الإشكال يندحر بهذا الجواب'' إن هذا لا ينكره منكر، بيد أنه شذوذ عن القاعدة لا ضرب لأساسها، وفلتة من فلتات الدهر لا ظاهرة من ظواهره، ومن شذ عن القاعدة فتخطّى حواجز الظلم بشقيه النفسي والموضوعي فأبدع فإن إبداعه - لا جرم - يكتنفه الاحتشام ويحفه التحفظ· وإن كان الإبداع حاصلا في أجواء الحرية بمفهومها المادي والتجريبي فقد أوضحنا قصورها فلا نعيد· وكيف للإبداع المخنوق أو المجرد أن يدرك المرتبة السَّنية التي يعتليها الإبداع الراتع في حقول الحرية بمفهومها الإلهي والمترعرع في أحضان الاستقلالية بمفهومها التعرفي؟! إن هذا هو السر في كون المتصوفة قد أبدعوا بما عجز عن الإتيان بمثله غيرهم، فقد ألفوا أجمل المصنفات· ونظموا أجمل الأشعار، وعزفوا أجمل الألحان، وهذا أوضح من أن يستدل عليه، وفي العيان ما يغني عن الخبر·
وصفوة القول: إن الحرية كفكرة ذهنية، ومنزع فطري، وفاعلية مبدعة، وجمال عرفاني وتعرّفي، قمينة بأن تشيد صرح حضارة تعيد للإنسان آدميته المسلوبة وحقوقه المهضومة في عالم طغت فيه الأنانية المستعلية، وتحكمت فيه شريعة الغاب أو كادت، وصارت السلطة العليا للنفس الأمارة بالسوء والهوى، مما فرّغ ثقافات الشعوب من قيمة الحرية كفلسفة تُعتقد وقلب يَنبض وسلوك ينتهج .
د· خالد زهري
أستاذ باحث في الفكر الإسلامي