التصوف دعوة لا مواجهة : عبد المجيد الصغير
محـاورات:
السؤال السلفي الصوفي : أحمد غاني
الطريقة البودشيشية في الحياة العامة
التصوف والبدعة مع الأستاذ عبد الله نجمي
أدبيــات:
المنحنى اللغوي النقدي في شرح ابن عربي : اسماعيل المساوي
مدارس ورجالات
نشر الإسلام وخدمته بإفريقيا : أحمد شيخي
الإنسان الكامل عند محمد إقبال : سيد صلاح الديـن
استشكالات:
من حوار الحضارات إلى تكامل الثقافات : محمد أديوان
فقهيـات:
إحقاق الحق في الرد على من أباح ما قتل من الحيوان
بالصعق والخنق: لطالب أخيار ولد الشيخ مامينا
مخطوطات:
الترجمان المعرب : عبد الله معصر
شهادات:
القول في تفسير "هو" : للإمام فخر الدين الرازي
علميــات:
الحضور الإلهي في حساب اللامتناهي : بشرى عسال
متابعــات:
التصوف والمجتمع:
بين رياض الذكر وحياض الفكر : عبد الصمد غازي
مبدعــات:
عربون ضعف أصيل : النخعي
نجوى : محمد بن محمد العلمي
حكميات
لطالما فجعت القلوب لتفرق كلمتنا أمام تحدي التقتيل الصهيوني والتنكيل بشعب يدافع عن وجوده وأرضه منذ عقود، ولشد ما هانت الكرامة أمام الغطرسة التي استباحت كل قيمنا وأرادتنا قردة تابعين·
واليوم تتفجع القلوب لأعلى هول يريد أن يئد الضمير الإنساني ويطمس كل المشاعر، بعد أن داس كل الحقوق والقوانين، غربان الإرعاب يريدون اليوم إبادة شعب عن آخره، بعد أن جوعوه واستنزفوه سنين، إنهم صباح مساء يصبون فوق الرؤوس نيران القنابل والقذائف في كل إغارة غادرة وكل تفجير غاشم، بدعوى في غاية الغباء والاستغباء هي دعوى تحرير شعب مقهور. ولما كان ''المحررون'' الطغاة آمنين مطمئنين إلى خنوعنا واستكانتنا فهم ماضون في عدوانهم ''التحريري'' غير آبهين بقيم الإنسان ولا بدماء الأبرياء من نساء وشيوخ وصبيان.
لقد غدا أبطال ''تحرير الشعوب'' اليوم في غير حاجة لاستنساخ أمثال ''هولاكو'' و''جنكيزخان''، بل إن تلك الأمثال قد بهتت أمام متألهي القرن الميلادي الواحد والعشرين.·
لقد تلاشى اليوم قانون الدول وانهار اتحاد الأمم ولم يبقى لمنطق الشرعية ولا لشرعية المنطق والعقل وجود أمام إدارة القوة والهيمنة والاستغلال، لقد ساد من جديد شرع الغاب ليملأ الأرض جورا والنفوس رعبا أكثر من أي وقت سابق بفعل تفاحش آلات الخراب التي لا تبقي عاجلا ولا تذر آجلا·
من عجائب المفارقات أن زعماء ''الديمقراطية'' الذين حملوا أنفسهم تطبيقها وفرضها على الدول وعقاب من لم يعتنقها، هم الذين يقصفون قواعدها ويطؤون معالمها، ومنها أنهم يريدون تجريد دولة من أسلحة دمار شامل مفترض، بأسلحة هي أشمل تدميرا وأشد فتكا، و ''أذكى'' في تقدير أصحابها، ومن ذلك أن الذين أقاموا الدنيا أمس ولم يقعدوها بسبب تحطيم تماثيل بوذية قديمة، هم الآن يدمرون بإصرار أثمن الكنوز في تاريخ البشرية من منشآت عمرانية وآثار فنية منذ عهود السامرين والبابليين والآشوريين فضلا عن بدائع المآثر الإسلامية. ثم كيف تحاسب دولة على امتلاك أسلحة ولا تحاسب طغمة بالقرب منها على امتلاك مثل تلك الأسلحة أو أفتك منها ؟·
يعلم العالم كله اليوم أن المبررات غير المقاصد، فما أفظع من يدعي ما لا يمكن أن يؤمن هو نفسه بصحته، ويعلم أن الناس متأكدون من كذبه، ومع ذلك يمعن في التحدي والعزة بالإثم لأنه الأقوى في نظر نفسه لنفسه.·
ما أشد بلاهة الظالم الذي يسأل مظلومه: لماذا تكرهني؟ ما أرعن من يريد أن يفرض على غيره من يحكمه، والكل يعلم أنها ليست إلا دعوى تبريرية لتدخله واستغلاله·
إن العرب قالت في زمنها الأول:'' انصر أخاك ظالما أو مظلوما''·واليوم -وقد فاتنا التأويل الإسلامي للمثل- علينا أن نعود للمفهوم الأول حاضرا، ثم نحاول تدارك ما فاتنا ثانيا·
وبعد أن تأكد للجميع أننا نحن المستضعفين منذ حقبة طويلة ضحايا لألوان النهب والمسخ والتضليل والاستغلال التي تفني خصوصيتنا ومقومات وجودنا المعنوي والمادي باستمرار، بعد كل هذا وغير هذا، أفيحق لنا بعد اليوم ألا نتآخى بأخوة الإيمان لنتعاون على البر والتقوى من أجل تحقيق تنميتنا بأنفسنا ووسائلنا الذاتية المتكاملة، وخيرات بلادنا لا تضن علينا بشيء، على أن نجتهد في تحرير أنفسنا وعقولنا وقيمنا واقتصادنا وقرارنا.·
لكن قبل كل ذلك، وليتحقق لنا ذلك، علينا أن نفر إلى من لا ملجأ لنا إلا إليه، أن نعود لرب العالمين ونشد على حبله المتين ونحتمي بحصنه الحصين، كيف لا وقد قال ربنا ورب المستضعفين ''ففروا إلى الله'' وقال سبحانه: ''وكان حقا علينا نصر المؤمنين'' والحمد لله أن كثيرا من المسلمين اليوم أخذوا يعودون إلى الصواب بإدراك أن التوجه إليه سبحانه تالين كتابه وعاملين بمقتضاه مخلصين، وأن دعاءه سبحانه متضرعين إليه منكسرين، هو السلوك الذي يضع العباد في المكان اللائق بهم وهو العبودية لله وحده دون غيره، ومجاهدة النفس المتكبرة الأمارة بالسوء للانتصار بالله عليها، آنذاك نكون متعرضين لرحمة الله الواحد القهار سبحانه رجاء فضله ونصره. ألم يقل عز وجل: ''يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم'' أو لم يقل ''ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز'' أو لم يقل : ''وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم'' ثم إنه ''إن ينصركم الله فلا غالب لكم''. ·
محمد المصطفى عزام
أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب بالرباط
الحلقة الثالثة
يتناول هذا الحوار جملة من القضايا لاستكناه رأي العلماء والمفكرين المسلمين في التصوف، دون اعتبار لحدود الزمان والمكان، لا يلتزم إلا بالبحث عن الحكمة أنى كانت، دون النظر إلى قائلها، لذلك ينتقل بين الآراء المبثوثة في ثنايا الفكر الإسلامي ساعيا للكشف عن الرؤية السليمة للتصوف ومنهجه.
تحضر في الفكر الإسلامي بقوة بنية الحوار، إذ أن المفكر الإسلامي في كتاباته كان يستحضر دائما مقولات خصمه واعتراضاته وحججه، فيأتي فكره حواريا وإن غاب المحاور، لهذا سنعتمد هذه البنية الداخلية للنص في الفكر الإسلامي لبناء هذا الحوار وصياغة الأسئلة، كما سننتهج منهجية التناصف، إلا أننا لن نضيف في الجواب إلا ما يقتضيه الربط لكي تصل الفكرة منسجمة للقارئ·
إذا كان الحوار قديما يقتضي وحدة الزمان والمكان، وحاليا مع انتشار وسائل الاتصال والقنوات الفضائية يقتضي وحدة الزمان، فإن هذا الحوار تنتفي فيه الحدود الزمانية والمكانية على مستوى الفكر الإسلامي، فالمحاور فيه هو المفكر الإسلامي الذي تنوعت تجلياته في تاريخ الإسلام بمختلف أبعاده الزمانية والمكانية. فلن نلتزم بمفكر إسلامي واحد، إذ سنقفز على حدود الزمان والمكان، مقتفين أثر الحكمة لالتقاطها أنى وجدناها، والذي يهمنا في هذا الحوار هو الفكرة ذات الأصول الإسلامية، دون تقيد بقائل معين، وإن كنا بعد كل جواب سنحيل على قائله مراعاة للأمانة العلمية وتنبيها إلى وزن القائل في الفكر الإسلامي. وبالله التوفيق
سؤال: كيف يعرف التصوف الحقيقي؟·
جواب: الوصول إلى الحد الحقيقي بصفة عامة أمر عسير، فكيف إذا تعلق الأمر بتجربة روحية لعل من أبرز خصائصها استعصاؤها على اللغة الطبيعية، واعتماد أهلها على الإشارة في تبليغها لعدم قدرة العبارة على ذلك ؟ لذلك كان من الطبيعي أن لا ننتظر من الصوفية أن يأتونا بتعريف للتصوف يستجيب للمقاييس المنطقية أو يندرج تحت نوع من أنواع الحدود، كما كان من الطبيعي أن ننتظر تنوعا في هذه التعاريف وتعددا فيها، بل وانفتاحا على إغناء هذا الجانب مع كل داخل في التجربة الصوفية ومتحقق بها، ولهذا نجد أن حصر تعريف التصوف في عدد معين هو مما لم يتفق عليه الصوفية، فمنهم من رأى أنها تزيد على الألف ومنهم من رأى أنها تزيد على الألفين، ومنهم من رأى أنها لا تنحصر، وسعى إلى إيجاد ما تتفق فيه ·
سؤال: فهل يمكن ذكر بعض التعاريف التي تركز على ما اتفق عليه ؟
جواب: من هذه التعاريف:
- التصوف أوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة من الله
- التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع وعمل مع اتباع
- التصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة إذا خلا عمله من العلل وحظوظ النفس
- التصوف تعظيم أمر الله، وشفقته على عباد الله.
التصوف هو الخلق والمحبة سمة الطائفة وعنوان الطريقة.
الصوفي من إذا استقبله حالان أو خلقان كلاهما حسن، كان مع الأحسن·
سؤال: هل يمكن توضيح هذا التعريف الأخير؟
جواب: لقد اعتبر الخلق ميزانا للتنافس في مجال التصوف، فالتمكن في الأخلاق الفاضلة يعلو بمرتبة صاحبه في المراتب والمقامات الصوفية، وقد وقع التركيز على أن هذه الأخلاق تكون ملابسة لصاحبها ملابسة ذوق وفعل، لا ملابسة علم فقط (المقصود الثقافة العقلية التي لا تتجسد في الفعل) ورسم فحسب، أي أنها أخلاق ترقي وشهود، فهي نصيب الصوفي من التحقق بالأخلاق الإلهية في حدود ما تسمح به الطاقة البشرية (من أخلاق الرحمة والمغفرة وغير ذلك)، ومن هنا كان التخلق في المستوى الصوفي تعاملا مع الحق قبل أن يكون تعاملا مع الخلق، فهو يستلزم الصدق مع الحق، ولذلك كانت الأخلاق الصوفية خالية من التصنع الذي هو أول الأكدار التي يصفي منها الصوفي قلبه، كما أن هذا الصدق يجعل الصوفي يعامل كل الخليقة بنفس الأخلاق، فالتعامل في الحقيقة مستمد من الخلاق لا من الخلق، وهو منظور يختلف تماما عن منظور من يؤسس تعامله الأخلاقي على رؤية الخلق وهو ما نلمسه في التعاريف السابقة.·
سؤال: ولكن هل ينحصر التصوف في البعد الأخلاقي بمفهوم التعامل مع الخلق؟
جواب: ''إن الكثير من الكتاب الحديثين -متابعين في ذلك الكثير من الصوفية - قد حددوا التصوف نفسه لا تزكية النفس وحسب- بأنه الخلق الطيب.·يقول أبو بكر الكتاني (المتوفى سنة 322 هج): ''التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف''، ويقول أبو محمد الجريري (المتوفى سنة 311 هج)، وقد سئل عن التصوف: ''الدخول في كل خلق سني، والخروج من كل خلق دني''، أما أبو الحسن النوري فإنه ينفي عن التصوف أن يكون رسما منهجيا تخطيطيا، أو أن يكون علما كسبيا، ويجزم بأنه خلق، ويعلل النفي والإثبات فيقول: ''ليس التصوف رسما و لا علما، ولكنه خلق، لأنه لو كان رسما لحصل بالمجاهدة ولو كان علما لحصل بالتعليم، ولكنه تخلق بأخلاق الله، ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق الإلهية بعلم ورسم''·
على أن أبا الحسن النوري نفسه يحدد الأخلاق التي يرى أنها التصوف، فيقول في موضع آخر معرفا التصوف: ''التصوف الحرية والكرم وترك التكلف والسخاء''·
على أن هؤلاء الذين ذكروا هذه التعاريف الأخلاقية للتصوف، ذكروا هم أنفسهم تعاريف أخرى وذلك -على الأقل- يدل دلالة لا لبس فيها على أنهم لم يروا كفاية الجانب الأخلاقي في تحديد التصوف، وتعريفه.·ومن الطبيعي أيضا أن تكون الأخلاق الكريمة شعار الصوفي فيما بين الأساس والثمرة، فهي إذن ملازمة للتصوف وللصوفي ملازمة تامة، لا تتخلى عنه ولا يتخلى عنها، ويعبر ابن سينا عن بعض ما يتحلى به الصوفي من أخلاق، معللا ذلك فيقول: ''العارف شجاع، وكيف لا و هو بمعزل عن تقية الموت؟ وجواد، وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل؟ وصفاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها زلة بشر؟ ونساء للأحقاد، وكيف لا وفكره مشغول بالحق ؟''.
سؤال: إذن فالصوفي عابد، وهو على خلق كريم، ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى شئ آخر؟ فما هو هذا الشئ الآخر؟
جواب: هذا الشئ هو ''الإرادة المصممة التي لا تلين، الإرادة التي تزيـل -لقوتها وتصميمها- كل ما يقف أمامها من عقبات في سبيل الوصول إلى الله سبحانه"·
إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا -على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم- بالفرار إليه: (ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين)·
والإنسان يفر إلى الله من الكفر إلى الإيمان، ويفر إلى الله من المعاصي إلى الطاعات، ويفر من الكون إلى المكون، ومن النعمة إلى المنعم، ومن الخلق إلى الخالق، ومن نفسه إلى ربه. ·
إن الفرار لانهاية له لأن الترقي لانهاية له، وكما أن الفرار إلى الله مستمر دائم، فإن الهجرة إليه سبحانه وتعالى مستمرة دائمة.· والهجرة إلى الله والفرار إليه بمعنى واحد، وهو بمعنى مستغرق شامل يشرحه في عمومه وشموله قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ممتثلا أمر الله سبحانه وتعالى وتوجيهه في قوله تعالى: ''قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ''·
وصلاة الإنسان إذن نسكه، و محياه وممـاتـه إنما تكـون في الوضـع الإسلامــي لله سبحانه وحده، حيث لا شريك له: من حب ومدح، أو ثناء وزلفى، أو جنة، أو بعد عن النار: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغذاة والعشي يريدون وجهه، و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه، وكان أمره فرطا)·
والتصوف: ذكر دائم، أي تذكر له سبحانه وتعالى في كل لمحة ونفس، وهي اتجاه بكل الأعمال إلى الله، وهو هجرة لا تنقطع إليه سبحانه، وقد تتعذر في المبدأ وتشق في أول الطريق، فكان لابد من تهيئة الجو المناسب للمران والتعبد فترة من الزمن.
سؤال: هل يمكن بيان موضوع التصوف ومن أين استمد، و ما حكمه ؟
جواب: أما موضوعه (أي التصوف) فهو الذات (الإلهية) العلية لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها، إما بالبرهان أو بالشهود والعيان، وقيل موضوعه النفوس والقلوب والأرواح، لأنه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها، وواضعه هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأما استمداده فمن الكتاب والسنة وإلهامات الصالحين وفتوحات العارفين، وأما حكم الشارع فيه فقال الغزالي إنه فرض عين،··· وحيث كان فرض عين يجب السفر إلى من يأخذه عنه إذا عرف بالتربية واشتهر الدواء على يده، وأما تصور مسائله فمعرفة اصطلاحاته والكلمات التي تتداول بين القوم كالإخلاص والصدق والتوكل والزهد والورع والرضا والتسليم والمحبة والفناء والبقاء وكالذات والصفات والحكمة والروحانية والبشرية وكمعرفة حقيقة الحال والوارد والمقام وغير ذلك، وأما نسبته من العلوم فهو كلي لها وشرط فيها، إذ لا علم ولا عمل إلا بصدق التوجه إلى الله، وأما فائدته، فتهذيب القلوب ومعرفة علام الغيوب ''
سؤال : كيف يمكن تصور موقع التصوف في النسق الديني الإسلامي؟
جواب: ''...التصوف في جوهره هو الفهم الواعي للدين، والعمل به على شكل عبادات وسلوك يمارسه المسلم مع نفسه و مع غيره ومن ثم تتجلى الحياة الروحية المتزنة التي قوامها الإيمان والعمل. كما أن التصوف علم فقه المعرفة، وأساسه إصلاح القلوب، وقمته المعرفة في محيط ما وراء الطبيعة، فوظيفة العقل معرفة الطبيعة ووظيفة القلب معرفة ما وراءها من غيبيات، فالقلب شطر الإيمان الأعظم وبه تحل المشاكل التي لا طاقة للعقل أو العلم المادي بحلها كالقضاء والقدر وحقائق ما بعد الموت، فنطاق هذه المعرفة ليس العقل أو الحس، بل هو نور يقذفه الله في قلب عبده الذي طهر قلبه وزكاه، فيتم له الكشف والشهود والإلهام الصادق محكوما بالكتاب والسنة.
سؤال : هل يسلم ما يقال من حدوث اسم التصوف وما يستنتج منه البعض من حدوث مضمونه ؟
جواب: إن التصوف باعتباره سلوكا متمثلا في الإنحياش إلى الله مع العكوف على العبادة·ليس بالأمر الغريب عن الإسلام، فقد كانت هذه النزعة العملية فاشية بين الصحابة والتابعين وإنما استحدث الاسم نفسه، ويبدو أنه كان معروفا في القرن الهجري الأول (السابع الميلادي) بحسب الرواية التي وردت عن الحسن البصري.
سؤال: هل المنهج الصوفي هو فقط المواظبة على فعل العبادات؟ أو هل هو فقط الإكثار من النوافل :قياما بالليل وصوما بالنهار ونحو ذلك ؟ أم ماذا ؟
جواب: إن للعبادة أثرا لا ينكره أحد في تصفية النفس وتزكية الروح، ولكنها إذا كانت تهدف من وراء ذلك إلى دخول الجنة ونيل الأجر والثواب بقيت عبادة مشكورة مأجورا صاحبها، مثابا عند الله سبحانه وتعالى، و لا يتجاوز للقائم بها -على هذا الوضع وبهذه الصورة- وصف العابد إلى وصف الصوفي. ·
ووصف العابد من غير شك منزلة عظمى ولكن العبادة على هذا النمط كأنها ''معاملة ما" والعابد على هذا الوضع، كأنه يعمل في الدنيا لأجرة يأخذها في الآخرة هي الأجر والثواب
أما الصوفي، لإنه يريد الحق الأول، لا شئ غيره، و لا يؤثر شيئا على عرفانه وتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنه نسبة شريفة إليه، لا لرغبة أو رهبة، وتعبر السيدة رابعة العدوية عن هذا المعنى، فتقول: ''إلهي :إذا كنت عبدتك رهبة من النار، فاحرقني بنار جهنم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنة فاحرمنيها، وأما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك ·فلا تحرمني يا إلهي من جمالك الأزلي''، وتقول رضوان الله عليها: ''ما عبدته خوفا من ناره، وحبا لجنته، فأكون كالجير السوء، بل عبدته حبا وشوقا إليه''.6 والواقع أن الله سبحانه وتعالى إذا عبد رغبة في الجنة، أو عبد رهبة من النار، فإنه سبحانه وتعالى لا يكون المطلوب الأول ولا يكون الغاية التي يسعى إليها العابد، وإنما يكون سبحانه كأنه واسطة بين العابد و ما رغبه وهو الجنة، أو رهبة وهو النار. ···
سؤال: فكيف يمكن أن نفهم وحدة المنهج الصوفي مع تعدد الممارسات والطرق الصوفية ؟
جواب: القدماء والمحدثون -سواء أكانوا من الصوفية أم من مؤرخي التصوف- يتجهون إلى أن التصوف منهج وغاية، إنه طريقة وحقيقة، إنه سلوك ونتيجة·
والصوفية يشبهون الوحدة التي تجمع بين المنهج والغاية بالدائرة ومركزها، ويقول الشيخ عبد الواحد يحيى: ''إن الطريقة هي الخط، الذاهب من الدائرة إلى المركز·وكل نقطة على الدائرة هي مبدأ الخط، وهذه الخطوط لا تحصى -كلها- إلى المركز، إنها ''طرق''، وهي طرق تختلف تبعا لاختلاف الطبائع البشرية،ولهذا يقال: "الطرق إلى الله كنفوس بني آدم" ومهما اختلفت فالهدف واحد، لأنه لا يوجد إلا مركز واحد، وإلا حقيقة واحدة، على أن هذه الاختلافات الموجودة في المبدأ، تزول شيئا فشيئا، وذلك حينما يصل السالك إلى درجات عليا. والطريقة والحقيقة مجتمعتان يطلق عليهما: التصوف، وهو ليس مذهبا خاصا، لأنه الحقيقة المطلقة، وليست الطرق مدارس مختلفة، لأنها طرق أي سبل موصلة جميعها إلى الحقيقة المطلقة : لتوحيد الواحد·
أستاذ باحث في أصول الفقه
هل للطريقة القادرية البودشيشية التي يندرج في سلكها آلاف المريدين الذين ينتمون إلى مختلف الشرائح الاجتماعية (أطباء، مهندسون، جامعيون، طلبة، عمال···) طموحات سياسية؟ هل تفكر في خوض المعترك السياسي الوطني كحزب إسلامي معتدل مثلا؟
هذه الأسئلة ومثيلاتها يطرحها بعض الملاحظين السياسيين والمحللين السوسيولوجيين الذين يتتبعون عن كثب التوسع العددي والنمو الكيفي للطريقة القادرية البودشيشية واستقطابها لعدد متزايد من المنخرطين الجدد·وهي أسئلة تَنِمُّ عن قصور في الفهم وضعف في التحليل ناتج عن دراسة خارجية وسطحية للطريقة القادرية البودشيشية وإقحامها في قوالب فكرية جاهزة دون محاولة الغوص في أعماقها للتعرف على الآليات ''الربانية التي تحكمها، هذه الآليات التي لا تُكتشف بالفكر ولكن تنكشف للشعور بالمشاركة الوجدانية'' وليس بالتحليل النظري·
فإذا كان تشييء الظاهرة الاجتماعية يساعد الباحث على فهم الظاهرة فهما موضوعيا كما هو معروف في مناهج البحث السوسيولوجي، وذلك بفصل الذات الباحثة عن موضوعها، فإن الظاهرة الصوفية لا يمكن فهمها موضوعيا إلا بالاندماج في التجربة الصوفية اندماجا شعوريا تنصهر معه الذات في موضوعها، تصبح معه الذاتية عين الموضوعية·
من هذا المنطلق يحاول هذا المقال الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه ويبدد في نفس الوقت سحب الغموض المخيمة في سماء الفهم.·
إن الطريقة القادرية البودشيشية تسعى لتحقيق أهداف مختلفة تماما عن الأهداف التي تتوخاها التنظيمات السياسية كما أنها تختار وسائلها من جنس أهدافه.ا·
فإذا كانت غاية الصوفي هي تحقيق القرب من الله ومعرفته فإن هذا المسعى الروحي لا يمكن إلا أن يتبنى وسائل روحية متلائمة معه فنحن لا نمخر عباب البحر على متن سيارة ذات عجلات مطاطية، كما أننا لا نسير في الطريق على متن باخرة·
لذلك لا يمكننا منهجيا وصم الطريقة القادرية البودشيشية بـ''السلبية السياسية'' أو ''الخمول السياسي'' ما دامت أنها ليست تنظيما سياسيا ولا حركة نقابية. فلا وسائلها ولا أهدافها لها طابع سياسي حتى نُصدر عليها مثل هذا الحكم.
لكن هذا لا يعني السقوط في سلبية مطلقة فالصوفي، يمارس سياسة ''المواطن'' ويهتم بالمصالح العليا لبلاده كواجب ديني وأخلاقي ''الوحدة الترابية، الاستقرار السياسي، السلم الاجتماعي···'' لأنها تنسجم مع روح التصوف وبل وتعتبر من مظاهره الخارجية.·
من هذا المنطلق تشارك الطريقة القادرية البودشيشية في الحياة العامة، وفي إحداث التغيير الاجتماعي الإيجابي مباشرة أو بطريقة غير مباشرة على عدة مستويات.·
- على مستوى الفرد حيث تشكل الزاوية القادرية البودشيشية مركزا مهما لإعادة التأهيل الروحي والأخلاقي لكل المنضوين تحت لوائها من خلال بث الأخلاق الإسلامية العالية فيهم ليس عن طريق الخطاب الوعظي ولكن عبر الشعور الداخلي من خلال ذكر الله تعالى الذي يحدث انقلابا داخل النفس الإنسانية ويستبدل فيها إرادة الشر بإرادة الخير.·
هذه الأخلاق التي تصطدم بها كل البرامج الإصلاحية والتصحيحية والتي يتم استبعادها على مستوى التحليل باعتبارها عناصر ''غير علمية'' ويستنجد بها في فترات الأزمة لامتصاص الصدمات الاجتماعية والنفسية.·
- على المستوى الاجتماعي من خلال مساهمة الأفراد المنتمين للطريقة في البناء الاجتماعي كل من موقعه الذي يحتله في السلم الاجتماعي والمسؤولية المناطة به.·
فالقاعدة العامة التي تحكم سلوك المريد في كل اختياراته هي أنه كلما تقدم في سيره الروحي كلما كانت اختياراته متلائمة مع متطلبات الشريعة الإسلامية، وبعيدة عن الهوى وحظ النفس.·
- ثم إن الطريقة القادرية البودشيشية تتعامل أيضا مع بعد غيبي باعتباره شهودا حاضرا، فالطريقة عندما تأمر أتباعها بالاستدامة على ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، وقراءة صحيح البخاري والشفا للقاضي عياض···إلخ فإنها تحرك ''أسبابا معنوية'' لها تأثير فاعل وعميق في نفوس مريديها وفي المحيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لشعورها العميق بمعية الله تعالى وقدرته المطلقة التي لا يعجزها شيء، وهي بذلك تمارس ''وطنيتها'' ولكن في مستوى يغيب عن كثير من الناس لانحجابهم بكثافة المادة عن شفافية الروح، وبالأسباب عن مُسبِبها.·
وقد أحسسنا مرارا بسريان اللطف الإلهي في الأحداث التي يمر بها المغرب ببركة الأذكار وسلك القرآن التي يأمر شيخ الطريقة القادرية البودشيشية بالعكوف عليها درأ 'للأخطار واستجلابا للطف الإلهي مما نشعر به شعورا خاصا يرقى إلى درجة يقين المعاينة.·
د. محمد صحري
أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق
تتناول هذه الدراسة قيمة التجربة الصوفية ومشروعيتها الأخلاقية وكيف حاول الاستشراق تشويهها بدوافع استعمارية. وقد بينت هذه الدراسة الأدوار الطلائعية التي قام بها التصوف في تاريخ الإسلام.
أود أن أستهل دراستي هذه بالتأكيد علي تلك الحقيقة التي كانت محط إدراك كثير من الملاحظين في القديم والحديث ألا وهي أن التجربة الصوفية جزء لا يتجزأ من التجربة الدينية، إذ التصوف "بعد" من أبعاد هذه التجربة الأخيرة، مادامت التجربة الدينية تترجم في النهاية إلي بطانة عقائدية وممارسة أخلاقية، وهل التصوف إلا تصفية القلب وتزكية النفس والتخلق بالخلق الحسن، وكل من زاد عليك في التخلق فقد زاد عليك في التصوف····!
مشروعية التجربة الصوفية
لذا فإن الجدل الذي عرفته الساحة الفكرية منذ أوائل القرن الماضي حول مشروعية التجربة الصوفية·إنما كان جدلا يعكس في الواقع تلك القطيعة التي لم تفصل بين المفكر المسلم الحديث وبين تراثه الصوفي فحسب ، بل إنها قطيعة فصلت في نفس الآن المفكر المسلم وبين تراثه الأخلاقي الإسلامي بوجه عام، فبقدر ما انحطت نسبته الصوفية انحطت نسبته الأخلاقية، فكان الابتعاد عن مكارم الأخلاق الإسلامية في عهود الانحطاط إيذانا بالابتعاد عن مكارم الأخلاق الصوفية، لأن هذه من تلك ، وهي بعد من أبعادها الضرورية.
الاستشراق والتصوف
وبعد أن هدأت عاصفة النقد واللوم والبحث عن أسباب الانحطاط وتعليل «تأخر المسلمين وتقدم غيرهم"·أراد المثقف المسلم الحديث والمعاصر أن يعود إلي ذلك التراث الصوفي في الإسلام ليتعرف على تجربته وليستنطق "نصوصه" لكنه وجد تلك النصوص وقد سبقه إلى تحليلها ودراستها وإخراجها في شكل جديد ثلة من المستشرقين. إلا أن هذه "المعرفة" الاستشراقية، رغم قيمتها في إزاحة الغبار عن تلك النصوص الصوفية وتقديمها للمسلم المعاصر في ثوبها الجديد، كانت تمثل في حقيقة الأمر "عائقا معرفيا" يحول دون التعرف العلمي السليم على واقع التجربة الصوفية وبعدها الحقيقي ضمن التجربة الإسلامية العامة.
ويتمثل ذلك العائق المعرفي في الدراسات الاستشراقية في كون هذه الأخيرة حددت لها منذ البداية هدفا «إديولوجيا» لم يكن البحث العلمي الذي يغلفه يمثل سوى غطاء يخفي الرغبة الدفينة في تسخير «المعرفة» لأجل «السيطرة» على الآخر، بعد تشويه واقعه وإعادة «تأويله». لقد كان الاستشراق يعكس بالفعل التحولات الفكرية والسياسية لأوربا القرن التاسع عشر، أوربا المعتقدة للمركزية الاثنية «ETHNOCENTRISME»· والمتطلعة للسيطرة على الشرق المريض، اقتصاديا وسياسيا، أوربا التي وجدت في «هيجل» وعيها بذاتها وفي دولة «نابوليون» نموذجا للمستقبل، ولم يحمل «بونابارت» معه إلى القاهرة ذلك الطابور الثاني من رجال الفكر والعلوم حبا في الحكمة والمعرفة بقدر ما فعل ذلك تصميما على تطويع كل علم لأجل السيطرة على الشرق وتأويل كل «معرفة» تأويلا يزيل العقبات أمام ذلك الهدف الأساسي.
هكذا لم تكن التجربة الصوفية، شأنها شأن باقي نواحي التحرير الإسلامية، لتسلم من تأويل «المعرفة الاستشراقية» التي حاولت منذ البداية أن تجعل من التصوف الإسلامي مجالا سهلا، في الظاهر على الأقل لتقديم مختلف التأويلات والتبريرات التي تبرر عودة المارد الأوربي إلى العالم الإسلامي وتمهد له الطريق لغزو القلوب والعقول قبل غزو الأجساد والأوطان، لقد صار التصوف في «المعرفة» الاستشراقية يمثل الثورة الروحية في الإسلام، أليس الإسلام كما نعرف دين توحيد وتنزيه، يفصل بين الخالق والمخلوق، ويندد بكل أنواع «التشبيه» ويحذر من كل اعتقاد بالحلول أو بوحدة الوجود؟ وحيث إن «التصوف» هو بعكس ذلك «مشاركة» في الحياة الإلهية واعتراف بإمكانية الاتصال بين العبد والمعبود، وحلول أحدهما في الأخر فإن التجربة الصوفية في الإسلام تجربة شاذة في بيئتها غير منسجمة مع روح الإسلام ، فإنها إذن أقرب إلى المسيحية القائلة بإمكانية تلك المشاركة في الحياة الإلهية والقائمة على المعرفة الغنوصية وعلى التجسيد والحلول. وعليه فإن التصوف في العمق يمثل بالفعل «ثورة روحية» ضد الإسلام الفاصل بين العالمين، ومضمن هذا أن هذه الثورة الروحية تمثل في آخر التحليل «بضاعة مسيحية» نبتت رغم تلك العوائق في قلب الإسلام وعاشت معه واخترقت جسمه.·وعليه فما المانع أن تعود اليوم الثقافة المسيحية برمتها، عقيدة وسلوكا ودولا، إلى العالم الإسلامي الذي سبق له وأن تعود على مثل هذه الثقافة عبر التراث الروحي الصوفي؟!
ذلك باختزال التأويل الذي فرضته المصالح السياسية والاقتصادية على ''المعرفة'' الاستشراقية لظاهرة التصوف بالمشرق، أما في المغرب الإسلامي فقد تفتقت تلك المعرفة الاستشراقية على تأويل مشابه مع إضفاء بعد سياسي طاغ عليه، مراعاة واستغلالا من طرف المستشرق لخصوصية التركيبة الاجتماعية بالمغرب. فحيث واجهت المعرفة الاستشراقية كثرة الطرق الصوفية بالمغرب وازدياد تعلق العوام بالأضرحة والزوايا وانتشار ذلك في ربوع بوادي المغرب، فقد أصبحت عناصر التأويل الاستشراقي لظاهرة الطرق الصوفية بالمغرب «جاهزة» حيث أصبحت هذه الطرق هي الأخرى تمثل «ثورة» مزدوجة، ولكن هذه المرة هي ليست ثورة روحية ضد الإسلام لصالح المسيحية، بل إنها ثورة تمثل حنينا إلى بلاد البربر، لقد تأثر المستشرق بنقد الوهابية والسلفية للطرق الصوفية واتهامها لها بالوثنية والشرك فعز عليه أن ينسبها وهي متهمة بكل ذلك إلى المسيحية، كما نسب التراث الصوفي المكتوب إليها، فاعتبر التمسك بالأضرحة والأولياء حنينا إلى الماضي الذي ألغاه مجيء الإسلام ودخول العرب إلي بلاد البربر، وهذه هي الصورة الثانية من تلك الثورة: فالطرق الصوفية بالمغرب بقدر ما هي تمثل ثورة ضد التوحيد الإسلامي فهي ثورة «بربرية» ضد الجنس العربي، وضد دولة «المخزن» وما على الدولة الأوربية إلا أن تعيد عملية الفصل القديمة وتصدر «الظهير البربري» كبيان وترجمة لتلك «المعرفة» الاستشراقية ولتأويلها الإيديولوجي المكشوف.··
هكذا ندرك لماذا تصبح المعرفة الاستشراقية حول التجربة الصوفية في الإسلام عائقا يحول دون التعرف على طبيعة تلك التجربة نظرا لاختلاط المعطيات العلمية في تلك المعرفة بالتأويلات الاديولوجية، بل حتى حينما بدأ أقطاب الاستشراق يتخلون عن الزعم بغربة التجربة الصوفية في الثقافة الإسلامية واعتقدوا خلافا لذلك بأصالة هذه التجربة داخل الخطاب الإسلامي، فإن بعضهم ظل مع ذلك يتصورهم باستمداد التصوف الإسلامي أصوله خارج الثقافة الإسلامية مثلما توهم أتباع «ماسينيون» أن المسيح نفسه قد تجلى من جديد لدى المسلمين من خلال حياة الحسين بن منصور الحلاج!
وبذلك يتبين أن التعامل الاستشراقي القديم مع التجربة الصوفية الإسلامية كان في الأغلب تعاملا نسبيا محكوما بأهدافه الإديولوجية التي فرضتها عليه المركزية الأوربية ووعي أوربا بنفسها كنقيض للآخر، يبغي الهيمنة والاستحواذ ولايهتم بالحقيقة وبالموضوعية. وإذا ما ظهرت هذه الحقيقة مناقضة للتأويلات التي درج عليها الخطاب الاستشراقي فإن هذا الأخير لا يتأخر في الاستنجاد بقاموس من القدح والطعن لإخفاء تلك الحقيقة وتشويه صورتها، كما هو الشأن مثلا في التفسيرات الاسطغرافية لانتفاضات الحركات الدرقاوية المتواصلة ضد التواجد العثماني والفرنسي في الجزائر ومقاومتهم للاجتياح الفرنسي في منطقة توات جنوب صحراء المغرب، تماما مثل التفسيرات المغرضة للمواقف النضالية لابن عبد الكبير الكتاني قبيل عقد الحماية أو انتفاضة الدرقاويين مع جمهور الشعب في أحداث 1953.··
وحيث إن كل المواقف تلقي بعرض الحائط وتنسف التأويل الاستشراقي للطرق الصوفية بالمغرب على أنها ثورة ضد المخزن، فقد بات على المنظر الاستعماري أن يلجأ هذه المرة إلى أسلوب القدح والاتهام بالشوفينية والتعصب لتلك الحركات الوطنية التي شاركت فيها طرق صوفية بفعالية منذ القرن التاسع عشر بكافة منطقة المغرب العربي.
التصوف والمجتمع
لا يبقى إذن، للتحرر من تلك البقايا الإيديولوجية، إلا العودة بالخطاب الصوفي جملة إلى بيئته الفعلية، وبربط تاريخ التصوف بتاريخ المجتمع الذي انبثق منه، أقول تاريخ «المجتمع» وليس تاريخ الدول والمماليك، إذ يمكنني أن ألاحظ أن تاريخ مجتمعاتنا الإسلامية والعربية لازال يشكو من نقص نتيجة اقتصاره على التاريخ السياسي لتعاقب الدول و على تهميش يكاد يكون مطلقا للتاريخ الحركي والفعلي للمجتمع، الأمر الذي صارت معه الكتابة التاريخية تعكس في الغالب تاريخ «النخبة» وتاريخ المراكز الحضرية والمدن، العواصم، ولا تعكس بالضرورة تاريخ الحركات الاجتماعية الشاملة، وهل نستطيع أن ننكر تمثلنا لتاريخنا الحديث والمعاصر بالمغرب ولازالت تهيمن عليه تلك الرؤى المركزية التي صيغت إما في فاس أو الرباط أو مراكش أو غيرها من «الحواضر» التي تهدف تمركزا «لنخبة» لعلها همشت دور باقي «الأطراف» البعيدة في صناعة «الحدث الاجتماعي» الذي هو أساس الحدث التاريخي. ··
الأدوار الطلائعية للتصوف
ولاشك أننا حينما نختار «توسيع» رؤيتنا التاريخية وتنويع زواياها ونولي وجهتنا نحو بؤرة المجتمع وتفاعلاته اليومية نلتقي بالفعل بالدور الكبير الذي لعبته التنظيمات الصوفية كوثبة من «الوثبات الحيوية» التي تعبر عن حركات المجتمع وتطوره «الذاتي» وفي تاريخ المغرب خاصة من الشواهد ما ينهض دليلا على تلك الوثبات الحيوية وعلى تلك التنظيمات الذاتية التي عبر عنها المجتمع المغربي من خلال تنظيماته الصوفية، خاصة إبان انحلال الدول وتراجع السلط، وبالأخص في ظل اللامركزية التي عرفتها الدولة في تاريخ الإسلام عامة وتاريخ المغرب خاصة. لأجل هذا يكون من المتعذر التعرف على أسباب وعوامل انتشار الدعوة الإسلامية إذا ما تم الاقتصار على رصد حركات الدول و«فتوحاتها العسكرية»، فانتشار الإسلام بواسطة هذه الدول ظل دائما دون انتشاره بواسطة «القدوة الحسنة» التي كان لرجل التصوف، بجانب الفقيه والعالم والتاجر، الحظ الأوفر في تشخيصها وفي تخزينها على أرض الواقع والممارسة ولعلي لا أجد ما أقرب به إلى الأذهان نتائج تلك «القدوة الحسنة» والنموذج الأخلاقي لرجال التصوف أفضل من المقارنة بين ذلك الفشل الذريع الذي منيت به حركات «التبشير» في العالم الإسلامي رغم استناده إلى قوة المال والسلاح وإغراء الحضارة منذ القرن التاسع عشر، وما حققه الإسلام المعزول من تلك الأسلحة من انتشار عن طريق «الدعوة» والقدوة الحسنة التي كان لرجال التصوف الفضل الأكبر في حمل لوائها. وإذا وجب علينا هنا ألا ننسى الدور البارز الذي لعبه التراث الصوفي الإسلامي في تطعيم الثقافة الأوربية وخاصة في تلطيف خشونة وسذاجة عقائد بعض كبار المبشرين أنفسهم كما هو الحال بالنسبة لرامون لول المنظر الأول للحركات التبشيرية، إلا أن تنسك وتصوف هذا الأخير كما هو تنسك أمثاله من المبشرين ما كان بقصد المواجهة ولا بقصد الدعوة وإنما كان بقصد الاستعباد والغزو، لا بقصد المحبة والتخلق. ولهذا لا نظن أن إقدام الكنيسة في العقود الأخيرة على مجرد طلب وجوه مبشريها وتحويل بشرة أساقفتها من البياض إلى السمرة، لا نظن ذلك عملا مفيدا يمحو ذلك الارتباط الجوهري بين تاريخ الاستعمار وتاريخ الكنيسة والمتجذر في ذاكرة الإنسان الإفريقي والأسيوي، الذي مهما كان ضعف درجة وعيه فهو بفطرته الإنسانية يميز بين الدعاة أو التعامل بمنطق المقايضة وبين القدوة الحسنة التي مثلها صوفية الإسلام الذين جعلوا من إخلاص العبودية لله هدفا وحيدا لدعوتهم وكمالا إنسانيا من حق الجميع مشاركتهم فيه.
ولا يجب أن ننسى بهذا الصدد أن التصوف لم يعمل فحسب على توسيع الرقعة الجغرافية للإسلام، بل إنه خاصة في مراحل التراجع الحضاري وارتفاع سدود العزلة، قد عمل على إبقاء جملة من الروابط الروحية والفكرية التي لم تكن تخلو أحيانا كثيرة من بعض المظاهر الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية.····
التصوف ليس رهبنة
غير أننا نود بعد تلك الملاحظات التي تبرزها بوضوح دروس تاريخ انتشار الإسلام في العالم القديم، نود في الأخير أن نشير إلى أن الصوفي المسلم ما كان بإمكانه أن ينجح في دعوته وأن يصير «قدوة» لغيره لولا أنه لم يسلك مسلك الإسلام نفسه في الابتعاد عن تلك «الرهبنة» المقيتة، ويبادر إلى مشاركة الناس حياتهم الخاصة والعامة، ويضرب لهم المثل في التخلق بمقام «الجمع» الذي يقضي بتنزيل القيم والنماذج على مستوى ما يستطيعه الناس ويحيونه ويعيشونه. فكان الصوفي فردا من مجتمع الناس، يأكل ويتاجر ويتزوج كما يفعل الناس، لكنه في نفس الآن كان يمثل قدوة لهم ونموذجا يتطلعون إليه ويعلمون بمتابعة مسيرته بينهم غير أن كلامي هذا لن يكون له معنى في وقتنا الحاضر دون التأكيد على ضرورة عودة الصوفي المسلم إلى الانتباه مجددا لما يجري في محيطه من تغيرات تخص حاضر العالم الإسلامي وتمس بالضرورة مستقبل الإسلام. ولا يجدر بالمتصوف الذي عرف في الماضي بحذره الشديد وبطموحه الإنساني الكبير وبتخطيه للحدود الجغرافية والعوائق المكانية وقدرته على الحوار والتكيف. لا يجدر أن يظل اليوم حبيس المشاكل الوهمية أو القضايا الجزئية، وليدرك أنه قد آن الأوان لتضافر الجهود قصد إعادة قطار الدعوة على الطريق السليم وذلك لن يكون دون وعي هذا الصوفي بما يجري حولنا ورصده لما يدبر من خطط لإعادة غزونا في عقر دارنا، وإذا كانت ''المرأة'' أو ''الأسرة'' و''الأمية ''و''الفقر'' هو الثالوث الذي تستغله إلى اليوم، بقصد ومع سبق إصرار، دوائر التبشير المعاصرة بوسائلها المتطورة الحديثة للعودة من جديد لنشاطها القديم، فإن الملفت للانتباه أن تلك الدوائر تؤكد علاوة على ذلك وتعترف أنه لا نجاح لها في غزوها التبشيري هذا إلا بين الذين يبتعدون عن أصول الإسلام وعن التوحيد الإسلامي الخالص ويميلون إلى الشعوذة ويؤمنون بالأرواح وبما تسميه تلك الدوائر بالإسلام الشعبي!
وأعتقد أن هذا النوع من الصيد في الماء العكر يملك له المتصوف المسلم من رصيده الفكري والخلقي ما يجعله قادرا على مواجهته ودفع خططه، وذلك بما يتحلى به من قدرة على الحوار و «الدعوة» الخالصة إلى الله والأمل في المستقبل، وتلك مسؤولية لابد من الإعداد لها وتحمل أعبائها «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون» صدق الله العظيم.
هوامش:
*ألقي هذا العرض في ندوة "التصوف وازدهار الإسلام" التي نظمتها مجلة المريد بالدار البيضاء سنة 1997
1-حول هذه الأحداث، انظر كتابنا "إصلاح الفكر الصوفي" الدار البيضاء. دار الأفاق الجديدة، ط،2،1994 ص.289-294 وكذا الهوامش المذكورة هناك.
د. عبد المجيد الصغير
أستاذ الفلسفة والتصوف بكلية الآداب بالرباط