مرابطة الصوفية في الثغور الثقافية د· أبوعمران الشيخ
الوعي الصوفي والتجديد الاجتماعية ذ· محمد أديوان
الزاوية القادرية البودشيشية و المولد النبوي ذ·عبد الصمد غازي
التدافع النفسي والتربية الصوفية ذ· مبارك أبومعشر
اللسان والفاعليات المعرفية من خلال التجربة الصوفية الإسلامية د·محمد الأمراني
حوارات وجدالات حول التصوف ذ· منير القادري بودشيش
ذ· منير القادري بودشيش
لقد اغتنى الفكر الإسلامي بما تزخر
به المكتبات العالمية من تراث صوفي ضخم· وبما نشأ حول هذا التراث من حوارات وجدالات
تختلف من حيث منطلقاتها المرجعية، ومن حيث مراميها وغاياتها التي تسعى لتحقيقها من
وراء تلك الحوارات والجدالات حول التصوف.كل الألوان الفكرية والمذهبية والعلمية كان
لها حضور قوي في هاته الحوارات والجدالات التي ولدها التصوف في رحاب الفكر الإسلامي
خاصة والفكر الإنساني عامة· وهكذا يظهر جليا مدى ضخامة وعمق الخدمات والاسهامات
التي أداها ولازال يؤديها التصوف على مستوى الفكر والسلوك والقيم والمشاعر
والعلاقات والمعاني والتجليات والارتقاءات الروحية والمعرفية والخلقية والإيمانية·
ولا غرو في ذلك، والتصوف -كما يعلم الجميع- هو لب الإسلام وجوهره، لأنه مقام
الإحسان، والذي به يتم تمام الدين وكمال الإيمان.وما أروعها من متعة وما أجلها من
فائدة أن نتجول بين ربوع وثنايا الفكر الإسلامي والإنساني لنتأمل تلك الحوارات
والجدالات التي ولدها التصوف، والتي تتنوع وتتباين نبضاتها فمنها ما ينبض بالاحترام
والتقدير لجلال التصوف وشموخه.ومنها ما ينبض بالحقد والكراهية، إما جهلا بسمو
مكانته وعلو مرتبته، أو حسدا لأهله وأصفيائه الذين تألقوا في سماء الحب الإلهي
الخالص وارتقوا في المعراج الروحي والخلقي والعرفاني الخالد.فلقد جادل الماديون
-الذين لا يؤمنون بالله تعالى ولا بالروح- التصوف بأنه هراء، وقالوا إنما هي حياتنا
الدنيا ولا حياة بعد الموت· وهؤلاء الماديون قد أفلست مذاهبهم في سائر أنحاء الأرض،
وقد سماهم تولستوي ''بؤساء روحانيون'' ووصفهم هكسلي ''بالمنتحرين الضالين''، وينطبق
عليهم هذا الحكم الرباني في القرآن الكريم: >وإن هم كالأنعام، بل هم أضل< صدق الله
العظيم.أما الفلاسفة العقلانيون، والمتعصبون للعقل البشري باعتباره الأداة الوحيدة
للمعرفة وإدراك الحقيقة، فقد أنكروا على رجال التصوف اتخاذهم أدوات أخرى للمعرفة
تفوق العقل البشري وتتجاوز حدوده وقدرته ومداه· وقد رفض الصوفية في حوارهم مع هؤلاء
الفلاسفة إيمانهم المطلق بعصمة العقل البشري، وبالتالي قالوا بعجزه الكبير وفشله
الذريع في مجال الإلهيات، وبرر الصوفية عجز العقل بكونه أداة للتفكير العلمي
والمنطقي والتأملي في العالم المادي، حيث يعتبر الأداة الفعالة والضرورية في معرفة
هذا العالم واكتشاف خباياه والتحكم في ظواهره وحقائقه· هاته الأداة المعرفية
الاستكشافية والتطويرية في المجال الكوني تصبح أداة فاشلة وعاجزة عندما تريد أن
تقتحم بها مجال المعرفة الإلهية التي لا يحيط بها عقل بشري مهما عظمت عبقريته، ولا
تصفها لغة بشرية مهما سمت وارتفعت وتطورت. وقد تيقن الفلاسفة الذين أسعدهم الله
تعالى وولجوا رحاب التصوف، واغترفوا من بحار معانيه وأسراره، فتيقنوا أن العقل
البشري محدود بالمكونات وعاجز تمام العجز في معرفة المكون، وأن الصوفية فائزين
ومنعمين بمعرفة الله تعالى لأنهم طهروا القلوب مما سوى الحق تعالى وهذبوا النفوس
وجادوا بالأرواح في العشق الإلهي، فجاد عليهم الكريم الرحيم بأنوار وأسرار معرفته
مصداقا لقوله تعالى في كتابه المبين: >واتقوا الله ويعلمكم الله< صدق الله
العظـيم.وقد بالغ بعض الفقهاء في التنكير على الصوفية ووصموهم بالمروق ومخالفة ظاهر
الشرع، لكن الأئمة من رجال الفقه أنصفوا رجال التصوف وأجلوهم واعترفوا لهم بالفضل
والمكانة العالية، حتى قال إمامنا مالك رحمه الله: >من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق،
ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق< وكان الإمام أحمد يسأل
دقائق المسائل إلى أبي حمزة الصوفي ويقول: علمنا يا صوفي.
اللسان والفاعليات المعرفية من خلال التجربة الصوفية الإسلامية
د·محمد الأمراني
أستاذ الفلسفة والفكر الاسلامي كلية الآداب مراكش
نقدم في هذا العدد الجزء الثاني من هذا الموضوع القيم بعد أن نشر الجزء الأول منه في العدد السابق، ونجدد اعتذارنا للاستاذ الكريم الدكتور محمد الأمراني عما وقع في العدد السابع من زيادة لبعض الفقرات بعد الاحالة (8) وهي بمكانها الطبيعي في هذا العدد
·4 -الأنموذج الرابع: وهو متكامل مع ما سبقه يقول تعالى في سورة الحديد، الآية 3 : >هو الأول والآخر والظاهر والباطن<· ما معنى ''الظاهر'' و''الباطن'' في ضوء ما سلف ذكره؟ ''الظاهر'' هو ما مثل أمام عتبات ونوافذ قدراتنا المعرفية (وسائل إدراكنا)، أو بعبارة أخرى ''الظاهر'' هو ''الدال'' أو ''الدالية'' سمعية كانت أو بصرية أو لمسية· أما ''الباطن'' فهو ''المعنى'' الذي ينتظم به ''الظاهر''، فكما يقول ابن قسي (ت 645 هـ / 1511 م): >كل باطن حقيقة لكل ظاهر< (9)، و>الباطن حياة الظاهر وقوامه ونوره ومداده، والظاهر قرار الباطن ومقامه ومآله ومعاده< (10)، فلكل >حق حقيقة ولكل عين معنى<(11)·إن ''الباطن'' هو ''المعنى'' / ''المفهوم'' / ''المدلول''، وكما لا ينفصل ''المدلول'' عن ''داليته'' و''المعنى'' عن ''المبنى'' لاينفصل ''الظاهر'' عن ''الباطن''، هذه مقررات ''لسانية'' ولكنها ''ميتافيزيقية'' كذلك·إن الخطاب الصوفي الإسلامي يعتبر ''الظاهر'' من تجليات الأسماء الباطنة، فابن قسي مثلا يعتبر ''الوجود'' هو التحقق بمظهرية الإسم ''الحي'' الباطن في كل موجود (12)·فقوله تعالى: >هو الأول والآخر والظاهر والباطن< لايعني في التجربة الصوفية الإسلامية سوى أن مجموع ظواهر الكون هي تجليات للأسماء الإلهية، ولايعني أبدا ما نجده لدى بعض الفلاسفة كافلوطين (ت 072 م) واسبينوزا (ت 7761 م) من أن مجموع ظواهر الكون هو الله·فلما كان تعالى يصف نفسه بـ''الكلام'' و''كلامه'' سبحانه كـ''علمه'' و''علمه'' كـ''قوله'' و''قوله'' هو ''كتابته'' و كتابته هي ''إبداعه'' و''وحيه'' -كما تقرر وتكرر سابقا -أضحت العلاقة بين ''الظاهر'' و''الباطن'' هي علاقة وجودية -لسانية- معرفية، لدرجة أمكن القول معها: إن التجربة الصوفية الإسلامية مستلهمة النص القرآني تعتبر الكون صيغة لسانية أي داليات (ظواهر) على مدلولات (الأسماء الإلهية كبواطن للكون)·إن الخطاب الصوفي الإسلامي إذ ينظر ''للعلاقة الوجودية'' من خلال ''علاقة لسانية'' فهو بذلك يرسي خاصيتين أساسيتين هما:1 -الوحدة بين ''المعرفة'' و''الوجود''·2 -اعتبار ''اللسان'' هو المجال المعرفي -الوجودي الذي يسمح للفكر بالتجلي، لدرجة أن معظم الصوفية قالوا باستقلالية ''اللسان'' ووجوده الفعلي السابق للذوات المتكلمة، مؤسسين بذلك ما يمكن تسميته -إن صح التعبير -بـ''اللسان الأنطولوجي / الوجودي''· ولقد بين الخطاب الصوفي الإسلامي كيفية وحدود ممارسة ''الفاعليات المعرفية'' في ''اللسان'' كمجال تتمظهر فيه وترتبط به، وذلك انطلاقا من مستويين متكاملين ''للسان'':1 -اللسان التواصلي / اللسان المجتمعي·2 -اللسان الوجودي / الأنطولوجي، أو الكتابة الوجودية·
أولا: اللسان التواصلي / اللسان المجتمعي:'' إن التجربة الصوفية الإسلامية لا تفصل ''اللسان'' عن فاعلية ''الخيال'' سواء لدى المتكلم أو السامع· وعند مطابقة خيال المتلقي / المخاطب لخيال المتكلم / المرسل تكون فاعلية ''الفهم''، فكل متلفظ من الناس بحديث فإنه لا يتلفظ به حتى يتخيله في نفسه ويقيمه صورة يعبر عنها لابد له من ذلك، ولما كان الخيال لايراد لنفسه وإنما يراد لبروزه إلى الوجود الحسي في عينه أي يظهر حكمه في الحس، فإن المتخيل قد يكون مرتبة وقد يكون ما يقبل الصورة الوجودية [···] وما سمي الإخبار عن الأمور عبارة ولا التعبير في الرؤيا تعبيرا إلا لكون المخبر يعبر بما يتكلم به، أي يجوز بما يتكلم به من حضرة نفسه إلى نفس السامع، فهو ينقله من خيال إلى خيال لأن السامع يتخيله على قدر فهمه، فقد يطابق الخيال الخيال: خيال السامع مع خيال المتكلم وقد لا يطابق، فإذا طابق سمي فهما عنه وإن لم يطابق فليس بفهم<(13)·لم يكن تأكيد التجربة الصوفية الإسلامية -في شخص ابن عربي (ت 836 هـ / 0421 م) -على ''فاعلية الخيال'' في كل ''قول''، إلا وعيا تاما منها بالوظيفة التواصلية ''للسان''، وقد ذكرنا سلفا كيف أن الغزالي يجعل ''القول'' منوطا بـ''الكلام التام، الظاهر، المفيد، المنقول إلى أسماع المستعمين''·فحديث المتكلم / المرسل يجمع بين معنى باطني متخيل (سماه الغزالي نطقا) وبين مبنى متلفظ به أو مكتوب لا يكون دالا إلا بالنسبة للمستمع / المتلقي الذي تتحدد لديه الدلالات بفعل المواضعة المجتمعية·وعلى هذا يمكننا أن نقرر بأن قول المتكلم / المرسل له مقصدان:1 -المتلقي· 2 -المعنى الخاص الذي يقصد المتكلم تبليغه· فإن وافق المتلقي قصدية المرسل / المتكلم كان هذا فهما كما ذكرنا سلفا، وإن لم يوافقه كان إما علما أو تأويلا· ذلك أن لسان المتكلم هو في حقيقة أمره لسان مجتمعي حددت دلالاته بفعل المواضعة المجتمعية، والمتكلم يحاول تطويع اللسان المجتمعي للتعبير عن معاناة خاصة وتبليغ دلالات معينة ومعان مخصوصة· وفي حالة الإبتعاد عن فهم قصدية ذاتية المتكلم لا يبقى أمام المتلقي سوى فاعليتي: ''العلم'' و''التأويل''·إن فاعلية ''العلم'' لا تكون مقيدة بقصدية ذاتية المتكلم (الفهم)، بقدر ما تكون مقيدة بالقصدية العامة للمواضعة المجتمعية· أي أن ''العلم'' مناطه الدلالات المعجمية والمواضعات المجتمعية· فالكلام >الذي في المادة [=في حروف مكتوبة أو ملفوظة] يتعلق به الفهم وهو تعلق خاص في العلم، فإذا علم السامع اللفظة من اللافظ بها أو يرى الكتابة فإن العلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمنها في الاصطلاح معان كثيرة خلاف مراد المتكلم بها فذلك الفهم، وإن لم يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل واحتمل عنده فيها وجوه كثيرة مما تدل عليه تلك الكلمة ولا يعلم على التعليل مراد المتكلم من تلك الوجوه، ولا هل أرادها كلها؟ أو أراد وجها واحدا أو ما كان؟ فمع هذا العلم بمدلول تلك الكلمة لا يقال فيه أنه أعطي الفهم، وإنما أعطي العلم بمدلولاتها، فإنه لا يتكلم بها إلا لمعنى تقتضيه قرينة الحال· فالذي يفهم مراده بها، فذلك الذي أوتي الفهم فيها، ومن لم يفهم ذلك فما فهم فكأن المتكلم ما أوصل إليه شيئا في كلامه ذلك''(14)·وبين فاعليتي ''الفهم'' و''العلم''، هناك فاعلية ''التأويل'' التي هي في حقيقة أمرها إرادة معرفية يبذلها المتلقي لمقاربة قصدية المتكلم· فإذا كان ''الفهم'' هو مطابقة خيال المتلقي ''لخيال'' المتكلم محققا بذلك ''المعرفة اليقينية'' فإن ''التأويل'' لا يعدو أن يكون ''معرفة ظنية ترجيحية'' تطمح لأن تكون ''فهما''، ومن هنا فإن كل كلام قابل للتأويل >فما في الكون كلام لا يتأول ولذلك قال: ولنعلمه من تاويل الأحاديث، وكل كلام فإنه حادث عند السامع فمن التأويل ما يكون إصابة لما أراده المتكلم بحديثه، ومن التأويل ما يكون خطأ عن مراد المتكلم، وإن كان التأويل إصابة في كل وجه سواء أخطأ مراد المتكلم أو أصاب· فما من أمر إلا وهو يقبل التعبير عنه ولا يلزم ذلك فهم السامع الذي لا يفهم ذلك الإصطلاح، ولا تلك العبارة [···] والتأويل عبارة عما يؤول إليه ذلك الحديث الذي حدث عنده في خياله [=خيال المخاطب / المتلقي]<(15)·لقد اهتم الخطاب الصوفي الإسلامي بفاعلية ''التأويل'' اهتماما متزايدا ومارس إزاءه نقدا حصيفا جعل منها -على يد الشيخ الأكبر- فاعلية خصبة غنية تتضافر في مجالها وتتضايف الأبعاد اللغوية والنفسانية والمجتمعية والإيديولوجية (16)·سبقت الإشارة آنفا إلى أن الخطاب الصوفي وظف الصورة اللسانية توظيفا وجوديا، لتفسير ''التجلي الإلهي'' وعلاقة الله بالكون، وهذا ما سميناه بـ''ـاللسان الوجودي / الأنطولوجي''
·2 -اللسان الوجودي /الأنطولوجي أو الكتابة الوجودية:حقق الخطاب الصوفي الإسلامي من خلال مفهوم ''الكتابة الوجودية'' نقلة ابستيمولوجية حولت مفهوم ''اللسان'' من مجال مجتمعي تواصلي إلى مجال أكثر شمولية هو المجال الوجودي· وإذا كان ''اللسان التواصلي المجتمعي'' يفرز مفهوما خاصا لفاعلية ''التأويل''، فإن ''اللسان الوجودي'' أو ''الكتابة الوجودية'' تؤسس مفهوما جديدا لفاعلية ''التأويل'' يسميه الصوفية بـ''ـالكشف'' أو ''الفتح''·إن ''الكتابة الوجودية'' ''لسان مكتوب'' أو ''قول كثيف''(17)، إنها جهاز من المعاني الماثلة أمامنا في مبان، في ظواهر تعاش وتعانى، فهي بالتالي لسان غير منطوق ولا ملفوظ، وما كان كذلك فهو يوحي ولا يقطع، ويشير ولا يحدد، وما ندركه منه أو نعرفه عنه نحن كبشر نتلفظه ونصوغه في عبارات·تنظر التجربة الصوفية الإسلامية للكون على أنه ''لوح محفوظ'' و''رق منشور''، ومعنى هذا أن ''الكتابة الإلهية'' -على حد تعبير ابن برجان (ت 735 هـ / 2411م)- ''ترجمان لسان الحق المبثوث في الأمر والخلق'' أو هي التجلي الإلهي'' كما يقول ابن قسي وابن عربي الحاتمي، أو هي ''الإبداع الإلهي'' كما يقرر الغزالي·ومفهوم ''الكتابة الوجودية'' إن نص على أن العالم >كتابة أمر الله تعالى< إلا أن هذا لا يعني أنه >حقيقة قول الله، لأن قوله إظهار كلامه، وكلامه صفة ذاته، وصفاته قديمة، وكلامه قديم، وقوله قديم· والعالم ليس بقديم وهو محدث، والكتابة أثر ظهر عن القول القديم وهي حادثة· والعالم مع أنه مكتوب بخط صنع الله عن يد قدرته حادث مبدع محدود متناه<(18)·و''الكتابة الإلهية'' لها مراتب متعددة نذكر من بينها مرتبتين رئيسيتين متكاملتين:-المرتبة الأولى: الإبداع / التجلي الإلهي·-المرتبة الثانية: الإلقاء الإلهي
·1 -المرتبة الأولى: الإبداع أو تجلي الأسماء الإلهية وخروجها عن بطونها بمقتضاه تنتقل موجودات عالم الأمر والخلق من وجود ماهوي، معنوي، ثبوتي، باطني، أزلي، في علم الله (الأعيان الثابتة) إلى وجود عياني، إذ >الحضرة الأقدسية مرآة أسرار الأكوان عن عينها تتنزل المعاني إلى الأعيان<(19)·إن الوقوف على إجرائية ''التجلي'' يبين كيف أن التجربة الصوفية الإسلامية -مستلهمة القرآن الكريم كما سبقت الإشارة- استعارت الصورة اللسانية، فأضحت علاقة الله بالكون علاقة دلالية أي قابلة لأن تفسر بتشكل المعنى عبر أشكال وجودية مادية، كما تتشكل المعاني الباطنة -الموجودة بالقوة الناطقة للمتكلم- في مواد هي -كما ذكرنا آنفا- أصوات وحروف مكتوبة أو متلفظ بها· وكما أن القول الإنساني يتم عبر النطق / المعنى النفسي / الخيال، كذلك ''القول الإلهي'' (كن) يتم بفعل ''النفَس الإلهي''، فالنفس الرحماني >ظهر عنه حروف الكائنات وكلمات العالم على مراتب مخارج الحروف من نفس المتنفس الإنساني الذي هو أكمل النشآت كلها في العالم<(20)
·2 -المرتبة الثانية: الإلقاء الإلهي أي >إلقاء لطائف الحكمة، ومعاني الكلمة، في قلوب الأنبياء بالوحي، وفي قلوب الأولياء بالإلهام، وذلك بالتفهم والتعليم، وفي قلوب المؤمنين بالنور والشرح والتوفيق والهداية والتأييد<(21)· وهذا الإلقاء هو ما يصطلح عليه في التصوف بـ''ـاللسن'' أي ما يقع به الإفصاح الإلهي لآذان العارفين<(22)·إن الإلقاء الإلهي هو وحي من الله لرسله، وإلهام لمن ارتضى من أوليائه وهداية لعباده المؤمنين· وهذا الإلقاء الإلهي لا يخضع لمقولات الزمان والمكان ولا للأطر النفسانية /المجتمعية، وبالتالي فبنيته ليست بنية اللسان التواصلي /المجتمعي لأنه يتم عبر مستويات تتجاوز حدود ''العقل المجرد'' وبذلك لا سبيل لمعرفته إلا بسلوك طريق ''الكشف'' كفاعلية تحقق التحقق بالشمولية المعرفية، وهذا لا يتم إلا بنقد إبستيمولوجية للفاعليات المعرفية المألوفة والمعتادة، نقدا يحتم على ممارسه تقويما أخلاقيا مفاده التخلي عن الرذائل والتحلي ظاهرا وباطنا بفضائل الأخلاق المحمدية، يجد عندها السالك نفسه يقطع مقامات وأحوالا، ويسلك مدارج ويرقى معارج ليستقر على فاعلية ''الكشف'' و''المشاهدة''
·الهوامش :(9)- خلع النعلين،
ص: 41 تحقيق ودراسة د· محمد الأمراني، الطبعة الأولى، مطبعة آسفي، المغرب 7991
·(01)- ن·م،ص: 33 ·(11)- ن·م،ص: 31 ·(12)- ن·م،ص: 13 - 16 - 66 - 76 - 08 - 151،
(13)- ابن عربي الحاتمي: الفتوحات المكية، مج 3 / 354 ، 454 ، ط ، دار الفكر،
د·ت·(14)- ن·م، مج 4 / 52 ·(15)- ن·م، مج 3 / 354 ، 454 ·(16)- انظر في ذلك على
سبيل المثال: نصر حامد أبو زيد: فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محيي
الدين بن عربي· طط 1 ، 3891 ، دار التنوير، بيروت؛ منصف عبد الحق: الكتابة والتجربة
الصوفية (نموذج محيي الدين بن عربي· ط 1 ، 8891 ، مطبعة عكاظ، الرباط)·(17)- انظر
الغزالي: المعارف العقلية، ص: 57 ·(18)- ن·م،ص: 08 · (19)- ابن قسي: خلع النعلين، ص
361 ·(20)- ابن عربي: الفتوحات المكية· مج 2 / 493 ، وقارن نفس المعطيات في ن·ن، مج
2 / 693 ، 004 ؛ مج 4 / 56 ·(21)- الغزالي: المعارف العقلية، ص: 18 ·(22)- ابن
عربي: الفتوحات المكية، مج 2 / 921·
التدافع النفسي والتربية الصوفية
ذ· مبارك أبومعشر
يقتضي التدافع بكل معانيه أسلوبا معينا من الحوار الباطني أساسه إقناع النفس بإعوجاج ذلك السلوك أمام الشرع وأنه مناف للحياء من الخالق، فإن لم تستجب النفس خطى التدافع خطوة نحو التأديب استعانة بالدعاء من أجل التوفيق وهي عودة أساسية لمفهوم الوجهة، أو المرجعية ثم بعد ذلك يكون التدرج في ''الفطام'' عن بعض أنماط السلوك، وتمثل أنماط أخرى معينة كالصيام، والقيام، والتفكر، والبكاء··· إلى غير ذلك من أنواع السلوك الذي يغلب على النظام التربوي الصوفي· وبهذا المعنى يكون التدافع قد حقق للنفس حماية دفاعية للحفاظ على توازن النفس بعيدا عن كل المعاني الملازمة لمفهوم الصراع·وسمة ''الدفاع'' لصيقة بالإنسان إلى غاية عالمه الأخروي يقول جل وعلا: >يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها<(12)، وتجادل عن نفسها تدافع وتسعى في خلاصها(13)، وإذا كانت هذه العملية ثابتة بين نفسي الإنسان في مثل هذا المشهد العظيم الذي ترتبك فيه الكائنات فبالأحرى أن نقول إن التدافع سمة فطرية هي أساس النشاط النفسي·والأصل في ''التدافع'' فاعلية الحركة بين ثنائية التكوين الآدمي وما يترتب على ذلك من ثنائيات معرفية، وعملية كالخير والشر، والخوف والرجاء، والعمل والتوكل، ··· إلى غير ذلك من الثنائيات التي يترتب عنها إما النظر وإمعان الالتماس للوجود المادي الصرف، أو طلب العاقبة، ومن شأن هذا الأمر أن يفضي بالإنسان إما إلى أن يطلق العنان لنفسه، وإما أن يذهب إلى عدم تزكيتها حينما يقارنها بالبنيات الإنسانية الأخرى لقوله عز وجل: >كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم<(14)·وعلامة صحة هذا ''التدافع'' أن يكون نشاطه مرتكزا على ''الوسطية'' كحد للاعتدال الفاصل بين ثنائية الإفراط والتفريط، من أجل الحصول على ''صفة'' الاستقرار والاطمئنان النفسيين؛ حيث تسود علامات النفس المطمئنة على شكل رقابة ذاتية باطنية (الإحسان)، وخارجية (السلطة الزمنية)·ورغم أن نشاط ''التدافع'' يمكن ملاحظته من خلال العديد من هذه الثنائيات، إلا أن حركيته النفسية لدى الصوفية لا تأخذ طابعا هندسيا معلوما، لأن الأنظمة النفسية متعددة، والظروف الاجتماعية متنوعة، والشروط الوراثية هي الأخرى مختلفة، لذلك نجد الإمام الغزالي (ت 505 هـ)، يكثر من التدقيق في بعض الأمور التي قد تبدو ثانوية في اعتقاد البعض، كتأكيده على دور التغدية، ومساهمتها في صناعة السلوك؛ إلى درجة الانتباه إلى لبن المرضعة التي تأكل الحرام لسرعة انتقال ذلك إلى الرضيع· وهذا يعني أن أكل الحلال له نصيبه في توجيه حركية التدافع·ومجموع هذه المعطيات تتركز في الجهاز النفسي للإنسان كي تتحول فيما بعد إلى طاقات سلوكية معينة، لها دور كبير في توجيه نشاط ''التدافع'' لكن ليس على شكل واحد، أو وثيرة واحدة منتظمة، لذلك تجد الصوفي دائم التخوف من طبيعة الجهاز النفسي الذي يتميز بسرعة التقلب، والتغير، والانتقال من: >حزب إلى حزب<(15)· وهذه الطبيعة واردة في قوله صلى الله عليه وسلم: >إنما سمي القلب من تقلبه· إنما مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرا لبطن<(16)·إذن الصعوبة في إرساء هذه التقلبات تدفع الصوفي إلى الحذر الشديد من النشاط النفسي، مما يجعل منه سيد المبادرة في توجيه حركية التدافع بأن لا يجعلها تسير وفق الشروط الاجتماعية· فالصوفي ليس ابن وقته وبيئته، بل هو ابن إرادته ومهما غفل عن توجيه التدافع سقطت عنه تلك الإرادة، والذي يجعل الصوفية في ديمومة مراقبة السلوك هو فهمهم العميق لتقلب أحوال القلب·فلو علمت المساحة التي يتقلب، أو الكيفيات، والأحوال لاستطاع الإنسان أن يتحكم في جهازه النفسي بدون متاعب لكن النفس ليس لها مقدار ومساحة، ولاتدرك حسا، ولايدركها جسم وإن أدركها لا يكون بآلات جثمانية في حال(17)، لأنها من الأسرار الربانية التي لا تدركها العقول البشرية بسهولة·وأما عن وجهتي الحركة التدافعية فالصوفية يعتقدون أن نفس الإنسان ما لم تكن مقترنة بماديته لم تحصل لها دينامية التدافع، فاقترانها بتلك المادة الترابية خلق وجهتين حركيتين؛ فإما أن تدافع النفس عن طبيعة روحية خالصة بأن تلتحق بالسلوك الملائكي، أو أن يدافع الشطر المادي من أجل الالتحاق بالشهوات المادية: فالنفس تكتسب في بدنها الكمال لكي تلحق بالملائكة أو بالشياطين، إما بالأعلى أو بالأخس(17)، فهذا هو المقصود بوجهتي الحركة التدافعية فهو إما جذب ودفع نحو الحاجات الروحية، أو جذب ودفع نحو الانقياد لسيطرة الهوى· فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى(18)· ورغم تعدد أنماط السلوك الإنساني إلا أنه لا يستطيع أن يخرج عن الوجهتين من الناحية التدافعية، وكل تأويل غير هذا طلب للمحال لأنه مخالف لطبيعة التكوين الآدمي إذ هو كالمركب من شعب ملكية وبهيمية··· البهيمية لم يسلط عليها إلا دواعي الشهوة، والملائكة لم يسلط عليهم بل جردوا للشوق إلى مطالعة حضرة الربوبية··· فليس فيهم داعية الشهوة··بل الإنسان سلط عليه جندان يتطاردان أحدهما من حزب الله وملائكته، والثاني من جنود الشيطان وهي الشهوات ودواعيها(19)، ولابد لهذا التدافع من بواعث تساند الطبيعة التكوينية للوجهتين، فالدفع نحو الأعلى يسانده ''باعث الدين'' بينما الدفع نحو الأخس يسانده ''باعث الهوى''(20)·وبعد ذلك يكون نجاح حركية التدافع تبعا لقوة وضعف الباعثين فتغلب النفس مرة على القلب، ويغلب القلب مرة على النفس، والمراد بالنفس عند القشيري (ت 564 هـ) في هذا النص مستودع الشهوات، كما أن المراد بالقلب مستودع التقوى والإيمان، وهو بذلك يحدد التدافع في المقامات النفسية وليس في دوافعها وبواعثها؛ أي بين حالات النفوس وليس بين حاجاتها الشهوية أو الإيمانية·فلابد للتدافع من أن ينتهي بضمان وجهة معينة، فإذا استوت مثلا الوجهة الإيمانية واستقرت على أصولها فلابد للإيمان أن يكبح جماح الشهوة ويفطمها، لأن الإيمان هو حياة القلب، والقلب لا يحيا إلا بعد ذبح النفس(21)، والذبح لا يخالف معاني التدافع إذ ليس المراد به الموت فالنفوس لا تموت ولكنها تغيب(22)· لذلك يقتضي التدافع عند الصوفية مراقبات دقيقة لحالات النفس السرية التي تتشكل وفقها أثناء تأرجحها بين وجهتي التدافع، وكل ضعف في المراقبة ينتج عنه خلل في السلوك لأن القلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة· وهذا موضع المحنة والابتلاء(23) لاسيما وأن القلب من سماته التقلب والحركة· إذن فالشخصية لها سمات معينة في الفكر الصوفي، تتحد بشكل عام من خلال النظر في حالات النفوس الثلاثة، أو بمعنى أدق بمراقبة حركية التدافع بين حالتي النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة؛ أما المطمئنة فهي مجال استقرار واطمئنان بدون منازعة أو مغالبة·وليس الأمر كما يعتقد البعض من أن النفوس الثلاثة في تدافع أو صراع فيما بينها جميعا، فهذا مخالف لدلالة الاطمئنان من الناحية اللغوية، كما هو مخالف لها من وجهة الخطاب القرآني· إذ كيف ينادي الحق سبحانه وتعالى النفس المطمئنة بنداء الرضى وهي مشغولة عنه بصراع معين·فبمقتضى هذا الخطاب تكون النفس مشغولة بربها عن كل شيء بل عن فعل الصراع ذاته حيث لا يعقل أن يستقر في النفس نداء المغالبة والتدافع، ونداء الرضي والاطمئنان والمحل واحد
·الهوامش:(12)- سورة النحل، آية 111 .(13)- روح المعاني: الألوسي، ج41 ،
ص043 ، دار الفكر للطباعة والنشر (د.ت).(14)- سورة النساء، آية 39 .(15)- الإحياء:
الغزالي، ج3 ، ص84 .(16)- المسند: الإمام أحمد بن حنبل (ت 142 هـ)، مسند الكوفيين،
رقم الحديث 95872 . وجاء بلفظ: (مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح بفلاة)، في
السنن: ابن ماجة (ت 372 هـ)، عن أبي موسى الأشعري (ت 05 هـ)، المقدمة، باب في
القدر، رقم الحديث 58 ، الحديث مرفوع متصل.(17)- معارج القدس في مدارج معرفة النفس:
الغزالي، ص 84 .(18)- معراج السالكين: ضمن فرائد اللآلئ، الغزالي، ص33 .(19)- سورة
النازعات، آية 73 ، 14 .(20)- كتاب الأربعين، الغزالي، ص161 .(21)- الإحياء:
الغزالي، ج4 ، ص36 .(22)- لطائف الإشارات: القشيري (ت564 هـ)، ج5 ،ص891 .(23)-
لطائف الإشارات: القشيري، ج6 ، ص21 .(24)- لطائف الإشارات: القشيري، ج6 ، ص21
.(25)- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: ابن قيم الجوزية (ت157 هـ)، تحقيق حامد
الفقي، ج1 ، ص57 ، دار الفكر (د·ت).
الإشارة معيار الإنسانية في الإنسان والعبارة مقيدة بالزمان
المتتابع والمكان، والإشارة''علم من الكتاب '' يطوي الأزمان في لحظة بارقة· وزمان
إشارتنا تكثيف لمادة تسع الكون ولايسعها أين ،هذا الزمان الذي نراه ولا نراه ،أحداث
متعاقبة تحدث فينا ما تحدث ونظن أننا ثابتون ،لكننا حينما نتحدث إلى أنفسنا أو إلى
غيرنا نتحدث باستمرار(=نتجدد) إذ كل حديث تجديد في الزمان ،والزمان واحد ثابت مطلق
· لقد حاولنا أن نتحدث بإشارتنا وفي إشارتنا عن زمننا ،فهل تحدثنا فعلا ؟ هل تجددنا
ضمن الوحدة الثابتة المطلقة ؟توشك سنة الإشارة أن تبلغ نهايتها ،ونوشك أن نتوقف
قليلا لننظر إلى بدايتنا وإلى ما انتهينا إليه ،فنقيس ما حققته الإشارة في هذه
السنة·والإشارةعندنا قيمة للزمن، إذ الفعل هو مايمكن أن يعتد به في حياة الإنسان
إذا ما أراد أن يتميز عن زمان الأرض في دورتها و دورانها، علما بأن الأرض لا تبقى
نفس الأرض في كل دورة وفي كل دوران·وقد يلاحظ كل متتبع لشؤون الفكروالتاريخ في
بلدنا اهتماما متزايدا بالشأن الصوفي،والمثير أن هذا الاهتمام يأتي من مصادر مختلفة
وربما متضادة في منطلقاتها وتوجهاتها ·و''الإشارة '' بما هي منبر للتصوف فريد
ومتميز في بلدنا اليوم ،إن لم نقل في البلاد العربية استطاعت أن تثير الاهتمام
والانتباه بما عرفت به من جدية وتنوع وانفتاح·وجديربنا أن نرصد كل موقف يعنينا من
قريب أو من بعيد ،لأن التصوف له شأن وأي شأن في مكونات شخصيتنا وهويتنا الثقافية
والتاريخية ،بحيث لا يستطيع أحد أن يفصله عنا أو يفصلنا عنه·فإذا كان بعض الأفراد
أو الجهات مهتمين بالشأن الثقافي العام ،فإن هذا الاهتمام لا يعطي أكله المفيدإلا
إذا اختص كل قطاع بانماءجانب من الجوانب الثقافية التي نبغ فيها المغاربة وغيرهم
وكونت منهم ما هم عليه،حتى نمارس التعدشد والإختلاف المستمدين من صميم الحقائق
البشرية والمباشدئ الإنسانية التي تساعد على تحقيق التمدن الحضاري·وقد أخدنا مؤخرا
نتنسم عمقها المبشر ببناء زمن الإنساني الذي تتكامل فيه قيمة الإشارة·وإذا ما كانت
الإشارة قد اهتمت في مراحلها الأولى بقطاعات مختلفة لأسباب مختلفة فقد آن أوانها أن
تتمحض لميدانها الأصيل في الإشارة·
الزاوية القادرية البودشيشية تقيم احتفالا
كبيرا بمولد
الرسول صلى الله عليه وسلم
ذ·عبد الصمد غازي
لم يكن من المصادفة أو الابتداع الشرعي أن يحتفل المسلمون بذكرى مولد خير الأنام
وسيد ولد آدم أجمعين سيدنا محمد عليه أزكى الصلاة والسلام· فقد كان أسلافنا على وعي
كبير بمتغيرات الدنيا وثوابت الدين ومقاصده، يوجههم منطق الاجتهاد الذي يحفظ للمؤمن
عقيدته وفي الوقت نفسه مسايرته للزمن·
وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا المنطق الاجتهادي الذي ارتكسنا عنه في زمننا، واتخذت
فيه علاقتنا بالزمان والمكان بعدا آخر يتسم ''بالطي'' وأصبحت فيه عقيدتنا مهددة
بآلة المادة التي أتت على كل شيء·
الاحتفال بالمولد النبوي حتمية تاريخية وضرورة شرعية، إذ هو مستنبط من فلسفة
أخلاقية وضع مبادئها وأصولها الوحي الإلهي قرآنا وسنة وتحققت قولا وعملا وحالا زمن
النبوة المحمدية وأرسى دعائمها الصحابة الكرام ورسخها ووطدها في العقول والألباب
وحافظ عليها من سار على دربهم من أهل الولاية والإرشاد والدلالة على الله·
إنها فلسفة أخلاقية متكاملة تؤمن بمنطق ''السنة الحسنة''، وبذلك تكون فاعلة في
الشأن الخاص والذاتي (الفرد المؤمن) والشأن العام والموضوعي (الواقع التاريخي)، إذ
تاريخنا اليوم يعج بخطاب العولمة والتعولم والناس بشأنها مختلفون اختلافا كبيرا، ما
بين أهل التبشير بها كمنقذ للعالم من ضلال الأمية والفقر والتخلف، وأهل التنفير
منها كشبح مرعب يجهز على مخالفه والمتميز عنه، يصطنع النسخ تلو النسخ المطابقة
لأصله، يبتلع كل ما هو أصلي وروحي يمس عمق أعماق الإنسان المعاصر، مما يجعلنا نطرح
استفهامات تسائل الذات وتستشرف المستقبل بكل أمل وترغيب ودون يأس وترهيب! ألسنا نحن
أهل رسالة للشعوب كافة؟ ألم يعش أسلافنا -أهل الاجتهاد حقيقة- عولمة روحية مازالت
معالمها قائمة إلى اليوم؟
لا يتسع المقام للإجابة عن هذه التساؤلات المطروحة بكل عفوية وتلقائية وإذا شئت،
بفطرة إيمانية مشبعة بالغيرة على مقومات هويتنا ورصيدنا الحضاري الذي إذا أحسنا
استثماره طَوَى لنا ربنا جل وعلا الأزمان و''الأمكان''·
لقد كان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في الزاوية البودشيشية بمداغ ملتقى دوليا
وعالميا للأرواح قبل الأشباح، أرواح تعارفت وائتلفت لتشكل صورة للعولمة الربانية /
الروحية في بساطتها وتلقائيتها وفطرتها التي فُطِر الناس عليها، ودلت عليها الآية
الكريمة: >يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا،
إن أكرمكم عند الله أتقاكم<·
إن معيار التصنيف الإنساني والترتيبي في سلم الحضارة ينطلق من ''التقوى'' التي كانت
المقصد الأول من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في الماضي وفي الحاضر، الاحتفال
بالزاوية البودشيشية مناسبة لضخ دم التقوى في عروق المنتسبين لها على اختلاف
ألوانهم وأجناسهم وصفاتهم الاجتماعية، حجوا كلهم إلى الزاوية في تلك الليلة
المباركة ليشهدوا منافع التقوى والتقرب إلى الله تعالى، في أنفسهم وآفاقهم·
إن حقيقة الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم نابعة من محبته وتعظيم
قدره، ومناسبة لترسيخ تلك المحبة في القلوب وإبراز مجالي عظمة النبي المحبوب فيما
خصه الله تعالى به مما لم يحظ به نبي قبله ولا ملك، وهو صلى الله عليه وسلم من
يستحق من المسلم كل محبة وتعظيم لأنه ليس له نظير في الرحمة والرأفة بخلق الله
فاستحق صلى الله عليه وسلم أن يصفه رب العالمين الرؤوف الرحيم وذا الخلق العظيم·
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتفل بمناسبات معينة مثل يوم عاشوراء
لأن الله تعالى نجى فيه موسى عليه السلام فكيف لا نحتفل نحن بمولد من نجى به الله
تعالى العالمين من الشرك والجهل· وقد كان احتفاؤه بمولده صلى الله عليه وسلم يوم
الإثنين من كل أسبوع، فكيف لا يحتفل به المسلمون مرة في السنة على الأقل·
أما عدم قيامه صلى الله عليه وسلم بالاحتفال السنوي بمولده فليس حجة، لأن الترك لا
يدل على تحريم أو كراهة إذ الأصل الإباحة فيما لم يرد فيه نهي يفيد تحريمه أو
كراهته، وأما الأنواع التي تركها النبي صلى الله عليه وسلم فمنصوص عليها في كتب
أئمة العلم·
وإذا كان أسلافنا الكرام من علماء الأمة الإسلامية العظام رأوا في الاحتفال بالمولد
الشريف منذ القرن الرابع الهجري بدعة مستحسنة لما فيها من مناهضة للبدع المستكرهة،
ومن تذكير بنعمة الإسلام التي تجسدت في نبيه عليه السلام، فنحن في هذا العصر الذي
قوي فيه سلطان المادة واشتد الانحراف الخلقي أكثر من ذي قبل أصبح مثل هذا الاحتفاء
تنبيها وتذكيرا للمسلمين بحقيقة الرحمة المهداة من آكد الأعمال· وقد بدأ الاحتفال
بالمولد النبوي في مغرب الموحدين عندما حث القاضي العزفي الناس على ذلك الاحتفال
وقد لاحظ تسرب عادة الاحتفال بميلاد المسيح عليه السلام وما يصاحب ذلك من بدع
مستنكرة·
أما الصوفية عموما فقد عرفوا بتعلقهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنافس في
محبته وترسم أحواله فضلا عن العمل بأقواله وأفعاله، كما أنهم كانوا المكثرين من
الصلاة عليه بأبلغ الصلوات والدعوات امتثالا لما حض الله عليه المؤمنين، وأنشئوا في
شمائله وسجاياه ومكارمه وكرامته أعذب القصائد والمولديات وأرقها، وأقاموا
الاحتفالات لإحياء ذكراه فضلا عن مجالس الذكر التي لا تخلو من مدائحه والتغني
بفضائله·
وقد دأبت الطريقة القادرية البودشيشية مثل سائر الطرق الصوفية والأمة المغربية
قاطبة على الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وإبداء الفرح والسرور اللائقين
بمكانته في قلوب شيوخها وأبنائها الذين لا يفترون عن الصلاة عليه في أورادهم
واجتماعاتهم في كل أنحاء البلاد·
والملاحظ أن المتوجهين إلى مقر الزاوية الأم للطريقة بمداغ (ناحية بركان) يوم
المولد من كل سنة يتزايدون باطراد مستعملين كل وسائل التنقل من طائرات وقطارات
وحافلات وسيارات، ومما يميز احتفال هذه الطريقة بالمولد النبوي أن شيخها ومريديه
يحيون احتفالين الأول في ليلة المولد مع أمير المؤمنين وسائر المسلمين بالمغرب،
والثاني في الليلة الموالية بعد تمكن المريدين من الوصول إلى مقر الزاوية؛ وفي هذه
الليلة المباركة تناول الكلام السادة الأساتذة:
د·أحمد لسان الحق: كلمة الافتتاح: أهل التصوف ومسلكهم
د·عبد الرحمن بلعقيد: كلمة بالمناسبة
د·أحمد التوفيق: خصوصية المغاربة في الاحتفاء بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم
والاحتفال بمولده
د·عبد السلام الغرميني: جوانب من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال القرآن
ذ·حكيم الفضيل الإدريسي: تأسي الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم
د· العربي رحيم: في السلوك الأخلاقي والمعرفي للمريد (بالفرنسية)
ذ·أحمد رحيحات: الطريقة والمناسبة
ذ·منير القادري بودشيش: المحبة النبوية ومكارم الأخلاق (الذي ترجمه إلى الفرنسية)
ثم ترجمه د· رضوان (من الجامعة الأمريكية بباريس) إلى الإنجليزية حتى يستفيد
المريدون الوافدون من البلاد الغربية·
وقد تخللت الكلمات حصص من السماع والأمداح النبوية التي شدا بها شبان الطريقة· وذلك
بعد تلاوة الراتب من القرآن الكريم وأذكار الوظيفة وختم السلك القرءانية وسلك
الحديث النبوي من خلال صحيح البخاري، وسلك السيرة العطرة من خلال كتاب الشفا من
التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض رحمه الله·
مرابطة الصوفية في الثغور الثقافية
د· أبوعمران الشيخ
لعبت الزوايا دورا كبيرا في مقاومة الاستعمار الفرنسي· فكانت تشجع الثورات عليه وتساعدها بجميع الوسائل ومن المشهور أن الزعماء الذين قادوا هذه الثورات كانوا ينتمون إلى الزوايا منهم الأمير عبد القادر وأولاد سيدي الشيخ والشيخ الحداد وسيدي بوعمامة وغيرهم· وظهرت الكثير من الدراسات في هذا المجال الثقافي وهو لا يقل أهمية عن مساهمتها في المقاومة المسلحة· ولذلك اخترنا التعريف بكتاب تناول هذا الجانب بالتفصيل·موضوع هذا الكتاب هو المجابهات الثقافية في الجزائر المستعمرة و خاصة في المدارس والطب والدين·(1) ويشمل فترة خمسين سنة من 1830 إلى .1880 ألفته الأستاذة ''ايفون تورين'' التي كانت تدرس التاريخ في جامعة الجزائر وكانت تدرس سابقا في جامعة الرباط وجامعة باريس وقد اهتمت كثيرا بالمغرب العربي في عهد الاحتلال ولها مؤلفات كثيرة· ويمتاز البحث الذي تقدمه باعتماده على وثائق هامة كانت سرية قبل اليوم وأصبحت الآن في متناول الدارسين· يوجد قسم منها بباريس وقسم آخر بمدينة ايكس· غير أن الوثائق كلها من مصادر فرنسية وينبغي أن تقارن بمصادر جزائرية وأجنبية لنختبرها اختبارا علميا موضوعيا· ومهما كان من الأمر فإن هذا الكتاب أتى بمعلومات مفيدة جمعتها الأستاذة ورتبتها بعد جهد كبير وصبر طويل وألقى بحثها أضواء جديدة على وقائع كنا نعرفها وعلى أحداث لا علم لنا بها إلا من جوانب هامشية· وحاولت أن تشرح مواقف كل من المستعمرين والوطنيين ووضعت صراعهم المرير في ظروفهم التاريخية· نعرض هنا باختصار وضعية التعليم والثقافة والطب في بداية الاحتلال وأخيرا المجابهات التي وقعت في هذا المجال·وضعية التعليم والثقافة في بداية الاحتلال:بين الكتاب أن المدارس والمؤسسات الثقافية كانت منتشرة في كافة أنحاء الوطن وأن مستوى التعليم العام في بلادنا لم يختلف عما كان عليه في المدارس الفرنسية· وذلك باعتراف ''دوماس'' (ص·127)· وردت في البحث أرقام وإشارات مبعثرة هنا وهناك نرتبها حسب المدن والمناطق فيما يلي:*عنابة: المدارس:,39 المساجد:37 الزوايا: - زاوية سيدي بن عبد الرحمن وزاوية سيدي عبد القادر· بعد الاحتلال لم يبق إلا 3 مدارس و15 مسجدا (ص·134)·*قسطنطينة: المدارس:,90 المعاهد: ,7 المساجد:.35 في المنطقة 300 مدرسة وزاوية شطابة· بعد الاحتلال بقيت 30 مدرسة فقط (ص·135)·*تيزي وزو:عدد غير محدد من المدارس والزوايا يتردد عليها تلاميذ وطلبة كثيرون (ص·131)·*العاصمة: المدارس: ,24 في المنطقة: 299 مدرسة و5583 تلميذا (ص·130)·*مليانة: معاهد عليا أغلقت بعد مصادرة الأوقاف (ص·243)·*مازنة: معهد للدراسات الفقهية مشهور يأتيه الطلبة من عدة جهات (ص·248)·*وهران: مدرسة الشريعة (ص·220)·*تلمسان: المدارس:,50 المعاهد ,3 الزوايا: ,30 في المدينة 2000 تلميذ و600 طالب ونظام داخلي في المعاهد·يحتوي التدريس في المرحلة الأولى على الكتابة والقراءة والنحو والحساب والقرآن· وفي المعاهد والمساجد يدرس الأدب والتاريخ والشريعة والتوحيد·والجدير بالذكر أن الدولة قبل 1830 لم تنفق على المؤسسات الثقافية ولم تخصص لها ميزانية وإنما كانت الأوقاف تتولى ذلك، وكان رجال التعليم والثقافة يتمتعون بمكانة ممتازة في المجتمع (ص·83) وتذكر المصادر أن العلاقات بينهم وبين البلاد العربية كانت متواصلة، وكان طلبة الزوايا يذهبون عادة إلى تونس والمغرب الأقصى وإلى المشرق ليستكملوا تعليمهم هناك (ص·129/122) وبعد التحصيل في المدارس والمعاهد العلمية والعودة إلى الوطن كانوا يشتغلون في الوظائف المختلفة، الأمر الذي لم يتحقق في عهد الاحتلال كما سنبين ذلك·سياسة الاستعمار الثقافية ومحاربة الزوايا:تتلخص أهداف هذه السياسة في القضاء على الثقافة الوطنية ونشر التعليم الفرنسي مكانها، وكان الغرض من هذا التعليم أن يتحول المجتمع الجزائري تحويلا كليا يجعله يخدم مصالح المستعمر (ص·73)، ولهذا انتهجت السلطة الفرنسية سياسة ''الاندماج'' وارتأت أن التعليم هو أحسن وسيلة لتحقيق تلك السياسة، وأرادت أن تزيل ''الأفكار المتخلفة'' عند الأهالي ومعنى هذا القضاء على ثقافتهم ولغتهم وشخصيتهم الدينية والوطنية، ،هكذا تتمكن الدولة الاستعمارية من السيطرة على الوضع ويتركز نفوذها في البلاد، وفي النهاية يتقبل السكان النظام الجديد، ويرضون به ولاسيما المدن(ص·164)· وجاء في تقرير أحد المسؤولين أن '' بناء مدرسة أفضل من فيلقين لإقرار الأمن'' (ص·165)·وتخيل المستعمرون أن التعليم يستطيع مزج العناصر البشرية المختلفة بفضل اختلاط الأطفال في المدارس! وبهذه الصورة تتكون وحدة شاملة من شعبين متضادين!(ص·213) وبدأ العمل على تطبيق هذه السياسة في مراحل تضمن لها النجاح وتجعل الأهالي لا يتفطنون إلى أبعادها وتنحصر المرحلة الأولى في مراقبة التعليم الأصلي ومؤسساته ورجاله مع محاولة ''توجيهه'' نحو أغراض المستعمر، وتم ذلك بالتدريج حتى لإيثار ''التعصب'' والمفهوم من هذه الكلمة أن السلطة الأجنبية كانت تخشى معارضة الشعب لخطتها(ص·72)· وبعد ما تبين لها أنه لا يمكن إقناع الكبار بنزاهتها صرفت جهودها نحو الأطفال الصغار ليتقبلوا التعليم الفرنسي ويتقربوا من الذين حملوا إليهم ''الحضارة'' (ص·71)· وهكذا شرعت المدارس الفرنسية في بث الدعاية الاستعمارية، وعلى سبيل المثال ننقل هنا ''حكمة'' وردت في كتاب مدرسي للأخلاقـ: ''إن الرجل الحر من بين كافة الناس هو الذي يستطيع أن يبقى حرا حتى في الرق''! (ص·64)· وهكذا أصبح التعليم يحاول -عبثا- تبرير الاحتلال والاستبداد·أما المرحلة الثانية فترمي إلى الإستيلاء على التعليم الوطني كله وإنشاء تعليم رسمي ليقوم مكانه ويتحقق للمستعمر تنفيذ سياسته مباشرة، وبرزت هذه السياسة في مصادرة ''الأوقاف'' التي كانت تمول المدارس والمساجد والزوايا وتنفق على المعلمين والطلبة· قد وقع ذلك سنة 1843 وكانت النتيجة الحتمية إغلاق الكثير من المدارس والمعاهد وتفقير رجال التربية والثقافة وتشريدهم وإهمال التعليم العربي (ص·223)، ولم تكتف السلطة الاستعمارية بذلك بل ضايقت المعلمين واضطهدتهم لأنهم كانوا يحرضون على محاربتها· فقررت وزارة الحرب الفرنسية مراجعة المؤهلات العلمية ونظمت ''اختبارات'' جديدة فرضتها على رجال التعليم الوطنيين لتمنع الكثير منهم من التدريس بدعوى أنهم ''مشبوهون''!(ص·208)· وطردت ''الأجانب'' منهم وخاصة المغاربة و التونسيين ص·(192)· وأدى الاضطهاد بالكثير من أهل العلم و الثقافة إلى مغادرة الوطن فتفرقوا على البلاد العربية (ص·129)· أغلقت جل المدارس والمساجد والزوايا أوحولت إلى أغراض أخرى وقد اعترف ''الدوك دو مال'' الوالي العام بذلك في تقرير له قائلا:''قد تركزنا في الجزائر واستولينا على المعاهد وحولناها إلى دكاكين أو ثكنات أو مرابط للخيل، واستحوذنا عى أوقاف المساجد والمعاهد'' (ص·119)·وعندما اتضح أن استخدام التعليم الوطني لصالح المستعمر أصبح غير ممكن عولت السلطة على إحداث مدارس خاصة بها وشرعت في بناء ''المدارس العربية-الفرنسية'' (ص·213) هادفة إلى تنفيذ سياستها الاستبدادية مستعملة المدرسة والدين وسيلة لذلك وقد وردت هذه الفكرة في تقرير رسمي: ''إن المدارس والدين ستنمو تحت حمايتنا في صالح حكمنا'' (ص·218)· وكان المنتظر من بناء المدارس ''تدعيم السلم'' بفضل التعليم باللغتين العربية والفرنسية (ص·218) غير أن الأولوية كانت للغة الفرنسية كما يظهر ذلك من خلال البرامج (ص·76) التي قررت نشر الفرنسية على نطاق واسع وذلك على حساب العربية التي رأت السلطة أنها ليست صالحة لكسب العيش ونيل الوظائف، الأمر الذي قلل من شأنها في نظر الناس· ووضعت السلطة كتبا مدرسية بالعربية حتى ''توجه'' التعليم العربي توجيها يناسب أغراض المستعمرين وقام بتأليف هذه الكتب عدد من المستشرقين (ص·102) الذين نقلوا أيضا بعض الآثار العربية إلى الفرنسية قصد ''التفاهم والحوار بين الثقافتين'' نذكر منهم ''سولفي'' (Solvet) و ''بروسلار''(Brosslard) و''شربونو'' (Cherbonneau) و''بوسيه'' (Beaussier( >بريسنيه< (Bresenier( واهتمت السلطة بـأبناء ''الأعيان'' من الأهالي ففتحت لهم معهدا خاصا بمدينة باريس ليقوم بتعليمهم وإعدادهم لمهام سياسية، ولكن المقصود من ذلك كان الضغط على ''الأعيان'' لم يثقوا في نية المستعمر، ففشل المشروع وأغلق معهد باريس (ص·69)·ومن ناحية أخرى حصرت السلطة تعليم الأهالي من نطاق محدود لأنها كانت تخشى انتشار الثقافة وتعميم التعليم الديني وما قد ينجم عن ذلك من نتائج سياسية، فمنعت الجزائريين من الالتحاق بالمعاهد الجامعية وتذكرت أن يوغرطة نشأ في المعاهد الرومانية· فلم ترض السلطة المحتلة أن يتخرج ثوار مثل يوغرطة من معاهدها (ص·75)· واكتفت بـإحداث ثلاث ''مدارس رسمية'' في قسطنطينة والجزائر وتلمسان يتعلم فيها عدد قليل من الطلبة الجزائريين اللغتين العربية والفرنسية ويعدون لبعض الوظائف الأهلية التي يحتاج إليها الإدارة الاستعمارية· ولهذه المدارس الثلاث غرض آخر وهو منافسة الزوايا التي كانت تقاوم السياسة الأجنبية (ص·185)· أما المدارس الابتدائية الفرنسية فكانت تعمل على نشر آراء لا تتفق طبعا مع التقاليد الدينية الوطنية، مثلا في تعليم الأخلاق اعتمد الكتاب المدرسي على الإنجيل!(ص·260)· ومع ذلك كله حاول رجال التعليم في ''المدارس العربية-الفرنسية'' أن يقربوا بين الأطفال! ثم أغلقت بعد فشلها حوالي 1880 وخلفها نظام جديد مبني على التمييز العنصري وفصل تعليم الأهالي عن التعليم الأوربي· الطب ''وسيلة سياسية'' :ومن ناحية أخرى حاول المستعمر أن يستعمل الطب كوسيلة سياسية، إذ تفهم أن ليس له تفوق أخلاقي على الأهالي الذين كانت لهم حضارتهم فأراد أن يثبت تفوقه في المجال العلمي(ص·58)، فركز جهوده على نشر الطب مستهدفا كسب الرأي العام والتقرب من السكان (ص· 307)· وكانت الظروف مناسبة لأن الشعب كان لا يعرف الطب الأجنبي الذي كان يرمي إلى أغراض سياسية واضحة· إلا أنها لم تنجح في ذلك·فلجأت السلطة إلى العنف وفرضت العلاج بالقوة، الأمر الذي جعل صاحبة الكتاب تتساءل في نجاعة تلك الطريقة· أما السكان فحاربوا الطب الاستعماري كما حاربوا التعليم الأجنبي، فوقع صراع بين الأطباء والحكماء الفرنسيين من ناحية وبين الأهالي وقادة المقاومة الوطنية من ناحية أخرى· واتخذ هذا الصراع شكل ''الحرب النفسية'' التي اشتهرت في عصرنا وخاصة أثناء حرب التحرير ((ص·351)·المجابهات والمقاومة الوطنية:قد ادعى المستعمر بأنه جاء ''ليمدن'' البلاد وزعم أنه صاحب ''رسالة حضارية''!· ولكن الأهالي لم يغتروا بهذا الستار المزيف وأدركوا أغراض المحتل الذي كان يريد السلطة من أجل استغلال ثروات الوطن وتسخير السكان إلى تحقيق مصالحه· فكانت المجابهات والمقاومة حتمية وطبيعية لأن في رأي الاستعمار ليس الشعب الجزائري إلا شعبا ''همجيا'' لا يستحق السيادة والاحترام ويجب أن ''يحضر''!(ص·83)، وبطبيعة الحال لم يرض شعبنا بفلسفة الاستبداد ورفضها رفضا باتا وقاومها بكل ما لديه من قوة، وقد اكتست المقاومة الوطنية أشكالا متنوعة لم يذكر الكتاب منها سوى ''المجابهات الثقافية'' وأشار فقط إلى الثورات المسلحة وخاصة إلى ثورة 1864 وثورة .1871 ولم يدرس كافة أسباب الفشل الاستعماري وإنما لاحظ عابرا التناقض القائم بين سياسة ''التقرب'' من المواطنين والاستيلاء على أراضيهم!(ص·200)·بدأت المقاومة بمحاربة المدارس الرسمية وخطة الاستعمارالثقافية· لعب رجال التعليم والعلم والثقافة دورا كبيرا في ذلك وقد اعترف العدو بنفوذهم· فحرضوا الشعب على رفض سياسة ''الاندماج'' وبينوا للمواطنين أهدافها وخطورتها· وجعلوا من كل مدرسة جزائرية ومن كل مسجد مركزا محصنا لمحاربة العدو؛ وعملوا على توحيد الصفوف ونسقوا الجهود والآراء حتى أصبح المستعمر يتساءل في سر هذه الوحدة الشعبية القوية بدون أن يطلع على الأسباب الحقيقية· وذكر الكتاب تقارير ومراسلات وملفات كثيرة تدل على قوة الروح الوطنية· فاعترف الضابط ''دي نوفو'' في كتابه ''الإخوان'' بفعالية الحركة القومية· فقال: ''وبسبب سذاجة المواطنين قد أثر فيهم رجال جاؤوهم باسم دينهم وباسم الله وباسم محمد يحرضونهم على الثورة والتخلي عن المحراث، في حين أننا أصبحنا مضطرين إلى استعمال القوة لحمل الأهالي على الامتثال لآرائنا لإقناعهم بأننا نريد مصلحتهم''·(ص·115) ونشبت ''حرب المدارس'' بين العدو والسكان وتنافست الثقافتان· فأضحى الحوار مستحيلا بينهما· وهنا نختلف مع المؤلفة التي تقول بأن السلطة احترمت ثقافة الشعب المحتل وتقاليده؛ فإن من طبيعة الاستعمار أن يحتقر الأمة المغلوبة وأن يتنكر لحضارتها وشخصيتها، ولا يعتمد إلا على قوة السلاح؛ أما الشعب المسيطر عليه فإنه لايقبل الدعاية الأجنبية ولا يرضى باحتلال وطنه واستغلال خيراته· وانتهى البحث باعتراف فشل السياسة الاستعمارية التي لم تنجح في اكتشاف طريقة للشروع في الحوار''(ص·414)؛ وقد ذكر الوالي العام ''ماك ماهون'' بأن البلاد قد تم احتلالها ولكنها غير ''خاضعة'' ويلاحظ كذلك أن الكتاب لم يتعرض للمجابهات الثقافية الأخرى؛ منها حركة الكنيسةالتبشيرية التي ساندت الاحتلال، ومنها حركة الكتاب والمؤرخين الاستعماريين الذين كان لهم شأن في دعم الاستعمار، مثل''لويس فويو'' (Louis Veuillot) وغيره كثير· ونعتقد أن هذين الموضوعين يستحقان البحث ونأمل أن يقوم به الدارسون؛ ورغم ما لاحظنا على هذا الكتاب فإننا نعتبره من أهم الدراسات التي صدرت لأنه بين الصراع الثقافي والإيديلوجي المرير الذي لم ينته إلا باستقلال الوطن، بعد ثورات عديدة متواصلة الحلقات· ولذا عرفنا القراء به ليستفيدوا منه ويتأملوه نظرا لأهميته التاريخية· ويستحسن أن ينقل إلى اللغة العربية في أقرب وقت ممكن·.1791 ,oiraF ,orépsaM .tidE ,0881-0381 : snoigiler ,senicedém ,selocE سelainoloc eiréglAصl snad slerutluc stnemetnorffAز ,niruT enovY-1يييي
الوعي الصوفي والتجديد الاجتماعي
(نحو دينامية حضارية جديدة)
ذ· محمد أديوان
من الأولويات في هذا العصر الذي نعيش فيه تطورا حضاريا باهرا الاستجابة لنوازع التجديد الاجتماعي التي عرفتها الأمم اليوم بسائر مكونات حضارتها الجديدة إيجابية كانت أم سلبية·
فقد تحولت موازين القوى واختلفت وثائر السير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في كثير من البلدان وآن للعالم الإسلامي أن يتخطى عتبة القرن الجديد بوعي جديد يمكنه من فهم المعضلات الفكرية المعاصرة ويتيح له الانخراط في سياق التحول الذي مافتئ العالم يعيش إيقاعه المرعب منذ عشر سنوات خلت قبيل نهاية القرن العشرين·
ومن دواعي التجديد الحضاري ما تكتسبه الإنسانية في مراحل حياتها من تجارب تزيد من تضخيم رصيدها وتفتح أمامها آفاقا للسعي والكدح في ميادين الفعالية البشرية في شتى مناحي الحياة العملية والفكرية·
وليس بدعا في شيء أن تدعى الأمم في التاريخ القديم والحديث إلى النظر في مكتسباتها وتحديد ما لها وما عليها في محاسبة نفسية ذاتية أحيانا أو محاسبة من الآخر الذي تشاطره الوجود وتتفاعل معه في الحياة أيا كان هذا الآخر· فهذه سنة الذين خلوا من قبلنا ولا ضير في أن نسير على سننهم وشريعتهم في طلب التغيير والسعي وراء التجديد مادام الله تعالى قد وضع هذا القانون الأزلي حتى لاتبلى الحياة وَيَخْلَق ثوب الوجود·
فما هو المقصود بالتجديد الاجتماعي إذن؟
لقد درج علماء الاجتماع والثقافة والسياسة على توظيف هذا المصطلح في أنظارهم الفلسفية، على غرار ما يفعله المؤرخون الذين يهمهم أمر الدورة التاريخية، التي تفسر مضمون التجديد في تاريخ الأمم بمنطق الصيرورة والتحول الذي يؤثر في مسار الدول والأمم والشعوب فلا تكاد تبلغ الشأن المطلوب والغاية المرجوة من التطور والغلبة حتى تدعوها سنن التجديد والتبدل إلى التحول والتقهقر فالفناء ليخرج من صلبها نواة جديدة تتخلق في رحمها وتقتات من أوصالها، فتظهر للوجود بعد أن تفنى بعض ملامح الوضع القديم الذي لم يعد صالحا للبقاء حسب الحتمية الإلهية التي تقضي بقانون التحول و''الدُّولة'' مصداقا لقوله تعالى :>تلك الأيام نداولها بين الناس< فهذا المنطق هو المتحكم في الحتمية التاريخية المتلفعة بدثار السببية الوجودية التي تعوزها قوة الإقناع التاريخي أحيانا كثيرة لإغفالها للحتمية الإلهية التي هي جزء لا يتجزأ من مفهوم القدر والقضاء في التصور الإسلامي الصحيح·
إن فهمنا للتجديد الاجتماعي في هذا السياق يمزج بين الفهم التاريخي للتجديد والفهم الإسلامي له، وإن كان الفهم الأخير أدق من الأول في تعميق معنى التجديد ضمن منظومة القدر والقضاء المؤطرة للفكر التاريخي الإسلامي·
ولكن عملا بما يقتضيه المقام من إدراج لمفهوم التجديد التاريخي، فإننا نقتصر من ذلك على ملمح واحد من ملامحه وهو طلب التغيير والثورة على القديم من الأوضاع نظرا لما فيها من اختلال الموازين وفساد الطباع ولما شاب الوضْعَ المطلوب تغييره من عوامل الضعف أو الفتنة أو التناقض بين المبادئ والغايات· وهذه عوامل من شأنها أن تعجل من سيرورة القضاء على هذا الوضع وتؤلِّبَ عليه طاقات التغيير وإرادات المغَيِّرين، بحيث يحسمون في الأمر بالإصلاح أو الترميم أو القضاء المبرم، وفقا لما يفرضه زمنهم من الاختيارات البديلة أو الاحتمالات الممكنة للخروج من نفق الأزمة وسياقاتها المختلفة·
إن التاريخ العام للبشرية معرض كثيرا لشتى أنواع التجديد الحضاري التي أنجزها الإنسان منذ العهود الأولى من تاريخه، وليس من شأننا هنا تتبع مسيرات التغيير أو تعقب أنماطه، ولارصد ألوان التجديد الحضاري التي عرفتها البشرية؛ فهذا خارج عن رسمنا وبعيد عن قصدنا في هذا الموضع، لأن كتاب التاريخ البشري حافل بالدلائل والنظائر والاشباه لأوضاع التغيير والتجديد، وبما لا يدع ريبة ولاشكا في أن قانون التجديد والتغيير هو القانون الأول للحياة والفكر قبل أن يكون أحد قوانين التاريخ·
إن التجديد الذي نود أن نشير إليه هنا هو التجديد الاجتماعي الذي بموجبه تتحول مصائر المجتمعات وتتلون وجوه حضارتها وألبسة فكرها وأقنعة ثقافتها بحيث تخرج من دوائر التخلف إلى فضاءات التقدم والتطور والنمو ويشمل التجديد سائر فعاليات الحضارة من علوم وصناعة وفكر·
إن المجتمعات العربية الإسلامية في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى وعي حضاري تجديدي· ومهما كان الوعي العلمي أو الصناعي أو الفكري وعيا ضروريا، فأنه ليس كافيا لإخراج العالم اليوم من أزمات الحضارة ومأزقها الوجودي، إذ لابد لتحصيل ''السعادة'' في الحضارة الراهنة من وعي صوفي يرد للروح حياتها، وللحياة توازنها وللإنسان كرامته التي أهدرت باسم أقانيم متنوعة ومعبودات متغيرة أولها المال وآخرها الهوس التكنولوجي الذي استلب العقول وفتن الألباب·
إذن ماهو الوعي الصوفي الضروري لتجاوز الأزمة الراهنة من جهة ولتحقيق التجديد الاجتماعي المأمول من جهة أخرى؟
ما أبسط أن يتحدث المرء عن الوعي الصوفي! فالصياغة اللغوية واضحة تربط الوعي بالتصوف في نسبة نعتية وصفية، تدل على ارتباط الوعي المطلوب بالتصور الصوفي للكون والإنسان· ولكن ما أعقد المدلول والمقاصد العميقة لهذه الصياغة التي تخفي من المشكلات ما يضيق المقام عن تفصيل القول فيه!
بيد أننا سوف نكتفي بإثارة نقطتين مهمتين في هذا الموضوع وهما:
أ- الوعي الصوفي وعلاماته·
ب- الوعي الصوفي وفعاليته الحاسمة في التجديد الاجتماعي المنشود·
أما بخصوص النقطة الأولى فإن الوعي الصوفي هو استشعار للإنسان قوة إلحاح طلب الحقيقة عليه، بحيث ينخرط في بحث دائم عن الحقيقة في نفسه، وفي العوالم· ولايرشده في هذه السبيل غير ما تكون لديه من قوة الشوق إلى معرفة الله سبحانه وتعالى في كل حركة وكل سكون·
إن بلوغ المرء إلى هذه الدرجة من التعلق بالذات العلية لا يتحقق إلا بمبدأين هما:
- المحاسبة·
- المراقبة·
أما المحاسبة هي أن يحاسب الإنسان نفسه على كل كبيرة أو صغيرة يأتيها من الأفعال الكسبية التي يختارها في سيرورة الحياة، وتشتد المحاسبة للنفس بازدياد درجة تعلق الإنسان بالله، بحيث يبحث الإنسان عن وسائل إرضاء الله تعالى في كل حركاته وسكناته، بل وخطراته التي ترد على قلبه، ويسعى المرء في هذه السبيل إلى الخروج من منطق الاعتباط في الحياة إلى منطق التحكم في السلوكات وتوجيه الأفعال وجهة الخير·
أما المراقبة فهي رديفة المحاسبة، ولاتتأتى المراقبة إلا لمن بالغ في محاسبة نفسه ووصل في ذلك إلى تربيتها ومجاهدتها وترويضها حتى لا تشمس أو تحرن ومتى ألقت النفس القياد لصاحبها كان أهلا لحلول منزلة المراقبة· وهي تقوم على مبدأ استحضار الحضرة الإلهية في قلب المريد الصادق فلا يتأتى عملا ولا حركة ولا يخطر عليه خاطر، إلا وهو مستعظم للحضرة الإلهية شاعر شعورا باطنيا بما تفرضه عليه تلقائيا من الورع والتحري والخوف والرجاء· ومايزال المريد على حاله تلك حتى يكون حال المراقبة ملازما له، فيقهر النفس قهرا حتى تذوب وتنتعش الروح والقلب، فينظر المريد بعين البصيرة بعد أن كان ناظرا بالبصر والعقل فقط·
إن الحالتين السابقتين هما أهم علامتين للوعي الصوفي فمن تحلى بهما استحق أن يوسم بهذا النوع من الوعي، وهو من أنواع الوعي بمثابة الكبريت الأحمر الذي لا يحصل عليه إلا من أفنى الذات والنفس وأحيا الروح والقلب