عدد9
نحو دينامية حضارية جديدة ذ· محمد أديوان
كـلام في التـصـوف د· أحمد التوفيق
الـزاوية الـقـادرية البـودشـيشـية مصدر إشعاع علمي وروحي د· أحمد غاني
الطريقة القادرية البودشيشية ذ· أحمد قسطاس
في رحاب الطريقة ذ· أحمد رحيحات
كيف الوصول إليك··· ؟ذ·الطاهر عطاف
ا لأبعاد الروحية والمعرفية للتجربة الصوفية بالمغرب ذ· حكيم الفضيل الإدريسي
هل نحن في حاجة للتصوف؟ذ· عبد الباقي مفتاح
حوارات وجدالات حول التصوف ذ·منير القادري بودشيش
ذ·منير القادري بودشيش
أستاذ باحث في التصوف وا لتواصل بالسربون
ما فتئ المشايخ وكبار الصوفية، غيرة على التصوف وتحصينا له من المدعين المنتسبين إليه زورا وبهتانا لتحصيل مآربهم المادية وإخفاء نواياهم الخسيسة، يعلنون ويبرزون المبادئ والأصول التي يعتمد عليها التصوف والمستمدة من كتاب الله وسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه·وإن كتب القوم لزاخرة بتلك الأوصاف والشروط والمبادئ والتي تميز بوضوح بين المنتسب الصادق والمنتسب المنتحل، والذي لا يعتد بما يبدر منه، بل يبرأ التصوف منه ولا يعترف به· فقد قال سهل التستري: >أصول طريقتنا سبعة: التمسك بالكتاب والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى وتجنب المعاصي ولزوم التوبة وأداء الحقوق<·ويشرح الإمام الغزالي شرعة رجال التصوف ومنهاجهم بقوله: >اعلم أن سالك سبيل الله تعالى قليل، والمدعي فيه كثير، ونحن نعرفك علامتين له: العلامة الأولى أن تكون جميع أفعاله الاختيارية موزونة بميزان الشرع، موقوفة على توقيفاته إيرادا وإصدارا وإقداما وإحجاما، إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها· ولا يصل فيه إلا من واظب على جملة من النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض؟!···<فالصوفية يربطون بين الشريعة والحقيقة، بين الظاهر والباطن، بين العلم والحال وبين العقل والقلب، يتواصلون دوما بأرواحهم وقلوبهم مع الخالق عز وجل، ويتواصلون بعقولهم ، وأجسامهم مع المخلوقات· وها هو إمام المتصوفة وحجة الإسلام الإمام الغزالي وهو الفقيه المتضلع والمتكلم البارع والفيلسوف الرائع· بعد انتسابه الصادق للتصوف وارتوائه من بحار أسراره ومعانيه، يعلن تفوق الصوفية وتألقهم في كل الحوارات والجدالات التي خاضها الناس معهم عبر التاريخ حيث بقي وسيبقى سلطان التصوف قويا في القلوب والمهج والأرواح لأنه روحانية الإسلام وجوهره وضمير الأمة الإسلامية ووجدانها، قال الغزالي: >إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به<·وماذا يقول القائلون في طريقة تجعل اقتفاء الأثر المحمدي أساسا لها· وأول شروطها تطهير القلب مما سوى الله تعالى، ومفتاحها استغراق القلب بالكلية في ذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله، فيتنقى الباطن بالفضائل ومكارم الأخلاق وينعكس ذلك على الظاهر سواء على مستوى السلوك أو العبادة أو المعاملات والتواصل بأصنافه المتنوعة·
ذ· عبد الباقي مفتاح
أستاذ باحث في الجزائر
اهتم الصوفية بالعلم وخدموه بالتأليف وإنشاء المعاهد· وكان الكثير من مشايخهم متبحرين في علوم الشريعة وأولي ذوق أدبي وعلمي رفيع فخلفوا ثروة علمية وأدبية زاخرة أمثال الحكيم الترمذي والحارث المحاسبي والغزالي الذين سبروا دقائق أعماق النفس البشرية محللين أخفى خفاياها، وأمثال جلال الدين الرومي وعمر بن الفارض وفريد الدين العطار وأبي مدين والششتري الذين تركوا أشعارا وترانيم ربانية منتصرين للحب والعاطفة ثائرين على جفاف القلب والروح، ومثيرين للحماس والتفاني في الأمة التي أمست في فترات من التاريخ فريسة المادية الصماء والتطرف العقلي والتعصب المذهبي والجمود العاطفي، وأمثال بن عربي الذي طاف العالم الإسلامي مؤلفا لمئات من الرسائل والكتب كان لها أبلغ الأثر في ثقافات العالم· والحقيقة أن الفضل في الحركات التعليمية في الماضي يرجع إلى تشجيع هؤلاء الصوفية والمشايخ إما مباشرة وإما بواسطة. فنحن نرى المدرسة والزاوية جنبا إلى جنب في أكثر الأدوار في كل بلدان العالم الإسلامي بلا استثناء ولا ننسى الدور الأساسي الذي قامت به الزاويا -خاصة في مهد الاستعمار- لنشر القرآن الكريم وعلوم الشريعة والثقافة العربية. وكان المخلصون من مشايخنا يرسلون خلفاءهم النجباء إلى النواحي المنعزلة النائية مثل جبال القبائل والأوراس وأعماق الصحراء فينشئون بها زوايا تجمع بين التثقيف العلمي والتربية الروحية والخلقية، فتخرج منها الآلاف من حفظة القرآن والعلماء والصلحاء. ولايزال بعضها باقيا إلى يومنا هذا.وهنا نذكر بأن للصوفية تراثا قيما جديرا بالدراسة والإحياء لايزال مجهولا ومدفونا. فلهم كتب ورسائل وأشعار في مجالات تحليلهم للنفس السالكة وفي الأدب الأخلاقي والدين وفي ميدان علم الزمن والتأويل والأدب التربوي وفي حقل الأنثروبولوجيا (الفلكلور الموسيقي -الحكاية الشعبية).ومن مآثر الزوايا أنها كانت مأوى للغرباء وأبناء السبيل والفقراء وطلاب العلم، يجدون فيها طعامهم ومرافق حياتهم. فكانت بذلك مثلا حيا للتكافل الاجتماعي ونقطة اتصال بين الأغنياء والفقراء والعلماء والعامة وملاجئ إنسانية عمل فيها الصوفية بالحديث النبوي المشهور (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم).
التصوف والجهاد:يقول الصوفي الخواص (أنت عبد لما تشتهي وعبد من تطمع فيه وعبد من تخاف. فمن ارتفع فوق الاشتهاء والخوف والطمع أصبح عبد الله) بمثل هاته المبادئ أصبح الصوفية في كل زمان القوة الثائرة على الظلم والعدوان والصوت المرتفع في وجه الطغاة مطبقين للحديث النبوي الشريف (رهبانية أمتي الجهاد) وتحت ظلال هذا الإيمان استطاع الصوفي العلامة عز الدين بن عبد السلام أن يبيع مماليك مصر بيع الرقيق يوم أن انحرفوا.وهذا ابن عربي يشتغل مستشارا للملوك في المغرب والمشرق أمثال الملك الظاهر والملك كيكاوس آمرا لهم بالمعروف وناهيا عن المنكر. وهذا أبو مدين دفين تلمسان يجاهد في الحروب الصليبية فيفقد فيها يده. وهذا الشاذلي يدفع بتلاميذه إلى ساحات الكفاح ضد الصليبيين. وهؤلاء تلاميذ مدرسة الإمام الغزالي ينشئون ملكا في المغرب. وهذا الشيخ آق شمس الدين يدحر محمد الفاتح أعظم ملوك آل عثمان، فيخضع له الفاتحون يقول: (والله ما فرحت بفتح القسطنطينية مثل فرحي بوجود هذا الشيخ في زماني).وفي زوايا الصوفية نبتت وترعرعت رسالة الفتوة التي من مبادئها الجهاد والإيثار فتكونت منهم جماعات يقومون بأعمال تثقيفية للجنود المحاربين فكانوا وعاظا ومرابطين ومجاهدين في الربط والثغور مقدمين أنفسهم شهداء خدمة ودفاعا وقربانا. فقد ذكر مثلا ابن بطوطة في رحلته للأناضول أنه قابل جماعة من أهل الفتوة كانوا يقيمون في مايشبه الزوايا وشعارهم الكرم والجذب على الغريب ونصرة الضعيف والأخذ على يد الظالم ووصف أفرادها بقوله: (ولم أر في الدنيا أجمل أفعالا منهم).وقد لعبت الفتوة دورا عظيما في الحروب الصليبية حتى يروي لنا القاضي الفاضل صفي صلاح الدين الأيوبي ومؤرخه أن صلاح الدين كان إذا مالت به موازين النصرة في ساحات القتال أمر الأبواق أن تضرب وأمر المنادين أن يصيحوا أين أهل الفتوة؟...كما أثبتت كتائب جماعات الفتوة وجودها وفعاليتها في الفتح التركي الخاطف في أوربا والبلقان، وهنا نشير إلى أن الكثير من المجاهدين الأتراك وجنود الانكشارية كانوا من أتباع الطريقة البكطاشية والنقشبندية والمولوية.ولا ننسى أن الكثير من الثورات الإسلامية ضد المستعمر قامت قديما وحديثا باسم التصوف وبقيادة رجاله. سرح طرفك في هذه القرون الأخيرة فماذا تجد؟تجد في السودان محمد أحمد السوداني شيخ المهدية وفي الصومال الملاحسين من شيوخ الناصرية وفي ليبيا شيخ السنوسية أحمد الشريف وفي الهند الإمام محمد الشهيد شيخ الطريقة المجددية، تجدهم وقد قاموا اتباعهم بالثورة على المستعمرين وسقط منهم عشرات الآلاف من الشهداء· وفي عام 1813 م لما هجم الروس على (طاغستان) لم يقم في وجههم إلا مشايخ النقشبندية حاملين راية الجهاد· وكان من أشهرهم غازي محمد ثم خليفته حمزة بك ثم الشيخ شامل الذي استمر جهاده ضد روسيا نحو 35 سنة (انظر كتاب حاضر العالم الإسلامي لشكيب أرسلان)·أما في الجزائر فالتاريخ يخبرنا كيف كانت الزوايا منطلقا لساحات الجهاد ضد الاحتلال الاسباني، وكيف ثار الدرقاويون على ظلم الولاة الأتراك، وكيف قاوم مشايخ الطريق أمثال الشيخ الحداد زعيم الرحمانيين والشيخ أبو عمامة وغيرهم كثير، كيف قاوموا بالسلاح وبالكلمة الاستعمار الفرنسي.ولا ننسى بأن رائد حركات الجهاد في الجزائر الأمير عبد القادر كان صوفيا ذوقا وعملا وكان والده شيخا في الطريقة القادرية ولذلك انغمست تحت زعامته طوائف الغرب الجزائري وفي ذلك يقول شكيب أرسلان في (حاضر العالم الاسلامي):(وكان المرحوم الأمير عبد القادر متضلعا من العلم والأدب، سامي الفكر، راسخ القدم في التصوف، لايكتفي به نظرا حتى يمارسه عملا، ولا يحن إليه شوقا حتى يعرفه ذوقا، وله في التصوف كتاب سماه (المواقف) فهو في هذا المشرب من الأفراد الأفذاذ، ربما لا يوجد نظيره في المتأخرين) · يحق لنا أن نتساءل ونحن في عصر الذرة وغزو الفضاء والقنابل العابرة للقارات هل نحن في حاجة إلى التصوف؟نقول أننا أردنا بهذه اللمحة التاريخية أن نفند الإدعاء الذي يزعم بأن التصوف رمز التواكل والكسل والانسحاب عن ميدان الكفاح والدعوة، أو هو خمول وشعبذة ودروشة وجهل. إن التصوف الأصيل الصادق المنسجم مع نهج النبوة هو الذي ينفخ في أبنائه روح العمل البناء، وعلو الهمة والحنين إلى الإيثار والجلادة والشهادة، فإذا وجدنا أمثلة شاذة لبعض المنتسبين لأصحاب الطريقة المتصوفة الذين آثروا العزلة، أو سخرهم الاستعمار لبعض مآربه فهناك في جانب آخر عدد أكبر بكثير من أئمة التصوف وشيوخ الطريقة وأتباعهم الذين كانوا أمثلة سامقة في الكفاح والنضال والدعوة إلى الإسلام والبقاء في معترك الحياة يشيعون الهداية والعلم.يقول أبو الحسن الندوى في كتابه (ربانية لا رهبانية) متحدثا عن الدور الذي يجب أن يلعبه التصوف في عصرنا:(انظر إلى بلاد ضعفت فيها الدعوة إلى الله والربانية وتزكية النفوس من زمان ندر فيها وجود الدعاة إلى الله وتجديد الصلة بالله وإصلاح الباطن بنفوذ الحضارة الغربية أو للقرب من مركزها أو بفعل عوامل أخرى -إنك تشعر فيها بفراغ هائل لا يملؤه التبحر في العلم ولا التعمق في التفكير ولا فضل من ذكاء ولا غنى من أدب ولا نسب قريب بلغة الكتاب والسنة ولا نعمة من استقلال، إنها أزمة روحية وخلقية لا علاج لها ومشكلة من أدق مشكلات المجتمع لا حل لها، فالدهماء والشعب فريسة المادية الرعناء، ونهامة المال العمياء والأمراض الإجتماعية والخلقية والمثقفون الثقافة الدينية أو المدنية- فريسة الحرص على الجاه والمنصب والأمراض الباطنية من حسد وشح ورياء وكبر وأنانية، وحب الظهور ونفاق ومداهنة، وخضوع للمادة والقوة، والحركات الاجتماعية والسياسية تفسدها الأغراض وعدم تربية النفوس وضعف القادة والمؤسسات يفسدها الخلاف والشقاق وقلة الشعور بالمسؤولية والتفكير الزائد في المادة وزيادة الرواتب والعلماء يضعف سلطانهم اهتمامهم الزائد بالمظاهر، وخوفهم الزائد من الفقر، وسخط الخاصة والعامة، واعتيادهم الزائد للحياة الرخية الناعمة.ولا علاج لكل ذلك إلا في (التزكية النبوية) التي نطق بها القرآن وبعث بها الرسول، وفي (الربانية) التي طولب بها العلماء (ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) إنني لا ألح على منهاج خاص من التزكية درج عليه جيل من أجيال المسلمين واشتهر في الزمان الأخير بالتصوف، ولا أبرئ طائفة ممن تزعم هذه الدعوة واضطلع بها من نقص في العلم والتفكير أو أخطأ في العمل والتطبيق ولا أعتقد عصمتها، فكل يخطئ ويصيب ولكن لابد لنا أن نملأ هذا الفراغ الواقع في حياتنا ومجتمعنا ونسد هذا المكان الذي كان يشغله الدعاة إلى الله والربانية والمشتغلون بتربية النفوس وتزكيتها وتجديد إيمانها وصلتها بالله، والدعوة إلى إصلاح الباطن
مسك ختام هذه السنة الأولى ''الإشارية'' بين يديك أيها القارئ الكريم، ولم لا تكون الكاتب نفسه بل الكُتاب، فولاك لم تكن الكتابة كتابة نافعة، إذ النفع الحق ما تعدى للغير، بل شارك فيه هذا الغير، و في الحقيقة لا غيرية هناك إلا باعتبار التنوع الإنساني والتسميات·لاشك أننا أثناء رفقتنا المتآنسة في رحلة هذه السنة المنصرمة تعاطينا علوما وآثارا وتقابسنا معارف وأفكارا، وما أمتعها رحلة كانت وأحلاها رفقة، فيها تساقينا الإبداع صرفا فتواجدنا وتآشرنا·وها نحن في آخر هذا المشوار نزاوج بين عددين، ونعقد القران بين المشير والمشار، ليخلص عش الإشارة للإشارة، ويبقى لأشجار المواد المختلفة التي بني على أغصانها العش فضل التدعيم ، وقد يبقى المكان محفوظا لما استطاع منها أن يتأنس ويتأشر بالتلقيم·أشرنا في العدد السابق إلى أننا سنقف وقفة استجماع للقوى حتى ننطلق بحول الله في سنتنا الثانية إنطلاقة جديدة، وما هذا العدد المزدوج إلا إرهاص لانطلاقة روحية وأخلاقية نرجو الله أن تكون خيرا عميما· وإن في هذا الزخم من مواضيع هذا التوجه الأصيل للإشارة لخير عبارة عما تحتضنه الجوانح من روح تخليقية، وعما يزخر به بلدنا الحبيب من خير، وكذلك ما يعد به أناس في غير هذا البلد من مشاركة وتحفيز؛ منا ومنهم أناس من بلاد شتى اجتمعوا على غير أنساب بينهم ولا تجارة يتعاطونها، يتحابون بروح من الله، فيغبطهم الأنبياء والشهداء : ''وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم'' والحمد لله رب العالمين·
الإشارة
ا لأبعاد الروحية والمعرفية للتجربة الصوفية بالمغرب
ذ· حكيم الفضيل الإدريسي
أصل هذه المقالة عرض ألقي بندوة >العالم المجاهد الشيخ ماء العينين< بمدينة تزنيت والتي نشرت >الإشارة< تغطية شاملة عنها في العدد السالف·
إن الحديث عن التجربة الصوفية بالمغرب من أهم القضايا التي يجب أن تعطى لها العناية الفائقة لأنها تصف أسمى علاقة في الوجود، علاقة العبد بربه، وأبعادها على كل مستويات الحياة·وتأتي هذه المحاولة لتسلط الضوء على تجربتين صوفيتين كبيرتين، تجربة الشيخ ماء العينين الذي عاش إلى بداية القرن الحالي، وتجربة الشيخ حمزة القادري بودشيش التي تلقي أشعتها القدسية على مغربنا الحبيب في هذا الوقت·وليس هدفي من هذا الموضوع المقارنة بينهما، ولابيان تميز الواحدة عن الأخرى، وإنما هو تنويع الرؤى حول الشيخ ماء العينين، ووقوفا بموازاة رجل التاريخ ورجل السياسة، ورجل الاجتماع، وذلك بإثبات نظرة المنتسب للصوفية إلى هذا الموضوع·وبالإضافة إلى هذا العامل الرئيسي فإن بين التجربتين أو الطريقتين عدة وشائج وعلاقات أولاها: اجتماعهما في الأصل وذلك بالانتساب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني·ثانيا: العلاقة الطيبة بين أحفاد الشيخ ماء العينين، والشيخ حمزة القادري بودشيش، وذلك بزيارتهم المتكررة لمكان إقامته بمداغ المحروسة بمدينة بركان، واستضافته بمدينة أكادير أثناء زيارته لمريديه بها·ثالثا: دأبه رضي الله عنه في الدفاع على أهل الله من الأولياء والصالحين وذلك بالدعوة إلى محبتهم، والدفاع عنهم، والدعاء لهم وذلك بإقامة الصدقات وإهداء آلاف السلك القرآنية، والصلوات المحمدية إلى أرواحهم الطيبة؛ وفي هذا الإطار فقد نشرت مجلة المريد المتخصصة في التصوف والتي يصدرها خيرة أبناء هذه الطريقة مقالة للأستاذ ماء العينين تحت عنوان ''الشيخ ماء العينين بين مطرقة الإهمال والتهميش وسندان تحريف التاريخ''(1) كما شاركت بموضوع ''الثابت والمتغير في التجربة الصوفية للشيخ ماء العينين'' في الملتقى الوطني الأول لثقافة الصحراء المغربية، الذي نظمته شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء(2)·رابعا: صفة العالمية التي يتميز بها التصوف، لذلك آخى الشيخ ماء العينين بين الطرق الصوفية في عصره، وأذن في تلقين أوراد خارج طريقته كالشاذلية، والناصرية، والتجانية، وهو في هذا له مقام النيابة عن المشايخ في وقته، وهو مقام لا يصله إلا أفراد الرجال، كما هو الشأن بالنسبة للشيخ حمزة القادري بودشيش الذي أكرمه الحق تعالى بتلقين كل الأوراد المعروفة والمنتشرة·خامسا: يتميز التصوف بقاعدة الوراثة المحمدية المنتقلة من شيخ لآخر، ومن دار إلى دار، ولقد أثبت الشيخ ماء العينين هذه الحقيقة فقال: >وكل من مات شيخه قبل كماله، ولم يستخلف ممن تخرج على يديه من يقوم مقامهُ في إقامة طريقه،وسياسة مريديه على تحقيقه، تعين عليه الانتقال إلى من يربيه، ويكمل له بقية ترقيه<(3)·سادسا: بيان وحدة المغاربة التشريعية والسلوكية والتي عبر عنها الإمام ابن عاشر بقوله في منظومته المشهورة ''المرشد المعين على الضروري من علوم الدين'' وبعـد فالعــون مـن الله المجيـد فـي نظــم أبيــات للأمي تفيــد في عقد الأشعري وفقد مالك وفـي طريقةالجنيد السالك(4)إن التصوف إطار قوي للوحدة والإلتمام·
الأبعاد الروحية:إذا كان هدف الصوفية تصفية الروح وإعادتها إلى أصلها، لأن أصلها واحد، وعن الحق صادرة، لقوله تعالى > يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة<(5)، ولقوله تعالى >فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين<(6)·ولتحقيق هذا البعد فقد حدد الصوفية طريقاً معلوما تجسد في التحقق بالخلق الحميد الذي وصف به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إذ قال >وإنك لعلى خلق عظيم<(7)·ولقد ركز الشيخ ماء العينين على ترسيخ هذه الأخلاق عبر مرحلتين: الأولى تتمثل في الآداب مع الشيخ (8)، وذلك وصولا به إلى معرفة الآداب التي تليق بالحق تعالى، فالشيخ ليس إلا وسيلة للإرشاد والتعليم، وغايته أن يجلسك مع الحق تعالى على بساط الأدب، فقد أجمع الصوفية على أنه من حُرمَ الأدب، حُرمَ الوصول، قال أبو علي الدقاق >ترك الأدب موجب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب، رُدَّ إلى سياسة الدواب<(9)· أما المرحلة الثانية فتتمثل في الأدب مع المريدين(10)، وذلك بتعظيمهم، وخدمتهم، وخفض الجناح لهم، وستر عوراتهم، وأداء الحقوق لهم، وعدم مطالبتهم بحقوقك عليهم، وصولا إلى التأدب مع المسلمين كافة، ثم مع خلق الله جميعا·فالشيخ المربي العارف بحظوظ النفس، الخبير بتلوناتها، وشهواتها يتدرج مع المريد إلى أن يوصله إلى مقام القدوة، فيقتدي الناس به في التسامح، والخلق الجميل· وهذا ما يخضع له مريدو الشيخ حمزة القادري بودشيش، ويسمعونه من توجيهاته، وإرشاداته ووصاياه·ويقول مشيرا إلى البعد التوحيدي للحياة الروحية >الأسماء أحمد، ومحمد··· متفرقة بالشريعة، أما الحقيقة فتعجنهم عجينة واحدة، والروح ترجع روحا واحدة، وهذا هو التوحيد<(11) ثم قال >الروح خلقت حرة<(12)·وفي هذا يشير إلى قوله تعالى >وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى<(13) ويقول رضي الله عنه مشيرا إلى المؤاخاة التي يجب أن تجمع بين الناس، بأسلوب العبد المتواضع بجلال ربه >أنا لا أدعي المشيخة، ولا أدعي السر، وإنما هي رحمة الله، فمن أراد المؤاخاة في الله، والاجتماع على ربي، فليزين نيته، ثم لنسأل الله تعالى أنه من كان منا مرحوما نرحم معه، وأنا معكم<(14)ويتوج الشيخ حمزة هذا البعد الروحي بقوله >الطريق للجميع، الطريق لا تتبع زيدا ولاعمرا، وإنما نذكر الله تبارك وتعالى، ونطلب الصلاح للجميع وهذا هو هدفنا الوحيد<(15)، ويكثر رضي الله عنه من قوله >اللهم ربح من رآنا، ومن سمع بنا(16) وقد نشرت إحدى الجرائد صورته بدون إذن، وفي مقال مغرض فاسترشد في ذلك فقال >جزاهم الله خيرا، فعسى أن يرانا من كان يسمع بنا فقط ولم يرنا<(17)·ويقول كثيرا ''كل منكر مذكر''(18)، ويوصي بألا يرد علماء الطريقة على الذين يريدون أن يستدرجوا الطريقة إلى معترك الصراعات التي لا تخدم قضية المغاربة، وقضية الأمة، إن الروح إذا سمت، عانقت كل جميل، وأعرضت عن كل قبيح ذلك هدف أهل الله من شيوخ التربية·
الأبعاد المعرفية:إن معرفة الله عند الصوفية أجل غاية، وأسمى قصد يمكن أن يصل إليه العبد، ولكن الذي يميز المعرفة عند الصوفية أنها تقوم على الذوق الباطني، والشهود القلبي، إنها تحقيق مقام الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك<(19)· ولا تتم هذه المعرفة إلا بتطهير النفس من الشوائب، وتصفية القلب من الحجب، وذلك بسلوك طريق المجاهدة، ومخالفة العوائد، وصحبة العارفين بهذا الشأن >الرحمن فاسأل به خبيرا<(20) قال تعالى >والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين<(21) وقال أيضا >واتقوا الله ويعلمكم الله<(22) وقال أيضا يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا<(23)·بهذا تميزت المعرفة الصوفية، إذ أنها اختارت طريق التصفية، والطهارة القلبية إذ أن القلب هو أقوى جهاز لإدراك الحقائق العلوية، فقد وضعه الله تعالى بصفات غطت كل الخصائص البشرية: فقد أعطاه الله تعالى صفة الفقه، والتعقل، والتدبر، والتذكر، والإبصار، قال تعالى: >ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها<(24) وقال تعالى >أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها<(25) وقال تعالى >أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها<(26)، وقال تعالى >إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب<(27) وقال تعالى >فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور<(28)إن القلب المخاطب في هذه الآيات، هو القلب الصافي، الطاهر الذي تجوهر، فأصبح مرآة ناصعة تظهر عليها لوائح الحقائق العلوية، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم >ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله،ألا وهي القلب<(29)ولقد أكد الشيخ ماء العينين هذه الحقيقة فقال >إن جميع علوم الباطن إنما تحصل بالذوق، والوجدان، والشهود، والعيان، لا بالدليل بالبرهان، وهي ذوقيات لا نظريات، فإنها ليست بطريق التأمل السابق، ولا سبيل التعجل اللاحق بترتيب المبادئ والمقدمات، وعلى اعتبار حصولها بطريق الانتقال بالواسطة، لا بطريق الذوق بغير الواسطة<(30)·إن البعد المعرفي الذي يريد الشيخ ماء العينين أن يؤكده هو تشغيل حاسة الذوق الباطني، وذلك بالمجاهدة والصحبة أو ماسماها بالواسطة -أي واسطة الإرشاد والتوجيه فقط- لأن انتقال هذه المعارف وراثة محمدية من قلب إلى قلب، يقول الشيخ ماء العينين >فمتى دخل المريد الصادق تحت حكم شيخ، وتأدب بآدابه وصار على يقين بما خصه الله به سرى من باطن الشيخ حال إلى باطن المريد كما يقتبس السراج من السراج، إذ كلام الشيخ يلقح باطن المريد، إن نفائس الأحوال مستودعة في باطن الشيخ فينتقل الحال منه إلى المريد بواسطة الصحبة والمقال، وهذا في مريد حضر بنفسه مع الشيخ، وانسلخ من إرادة نفسه، وبقي مع الشيخ بترك اختياراته، فيصير بين الشيخ والمريد امتزاج، وتأليف حتى يرتقي بترك الاختيار معه إلى ترك الاختيار مع الله، ويفهم من الله كما يفهم من الشيخ<(31)·ويؤكد الشيخ حمزة القادري هذا الحكم فيقول ''الحكمة في الصحبة'' ''الحكمة في الذي يكوي القلوب''(32) ''الإنسان حين يصحب الأخيار ينسلخ من شهوات النفس''(33)·وإذا كان تحريك الباطن من أسمى أبعاد التجربة الصوفية، فلاعتقادهم الجازم بأن معرفة الله اليقينية لا تكون إلا بهذه الطريقة·ويأتي بعد هذا البعد، بعد آخر تابع للبعد الأول، وذلك أنه إذا تمت معرفة الله تلاشت جميع الحظوظ، وأصبح العبد لا يرى لنفسه فعلا إلا من الله وبالله، وهذه هي درجة الفناء التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الولي فقال مخبرا عن رب العزة >من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وماتقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ومايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته<(34) ومن أصبح على هذه الدرجة من الإيمان، لم يعد له قصد إلا وجه الله تعالى، ولم يعد له شيء يصده عن حبيبه ومهجته·قال الشيخ حمزة >جنة المعارف أفضل من جنة الزخارف، وهي التي يعيشها العارفون، إنها جنة المعاني والتنزل والتجلي الإلهي، والتجلي المحمدي، فيعرفون أسرار الذات، وصفات الجلال، وذلك لأن الله تبارك وتعالى يكشف لهم الحجاب عن هذه الأسرار<(35)ثم أضاف قائلا >والعارفون يكونون عبيدا لله، ولا يريدون عوضا عنه< ثم أضاف متمثلا بالبيت الشعري الذي يؤصل لهذا الشعور·أنا ليس لي في الجنان والنار رأي أنا لا أبتغي بحبي بديلا ثم أضاف قائلا ''هذا هو هدف الأولياء''(36)إن هذا السلوك يجسد أسمى غايات الإخلاص لله في الأعمال، فيشهدها بارزة من الله إليه، لا منه إلى الله إنه أدب رفيع مع الحق تعالى·يقول الشيخ حمزة >العمل في الحقيقة ليس لك، بل هو لمولاك، وأنت ليس لك شيء<؛ أنت لمولاك، وعملك لمولاك، قال تعالى >والله خلقكم وما تعملون<(37)(38)إنها العبودية لله تعالى في أسمى صفاتها، وأبهى تجلياتها مصداقا لقوله تعالى >ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض<(39)·إن هذه الأبعاد وأبعاد أخرى تدل على أن شيوخ التربية في بلادنا المغرب، بلد الأولياء على درجة كبيرة من النضج المعرفي، والقوة الروحية، ويملكون كيمياء السعادة التي بحث عنها أفراد الرجال كالغزالي، وأبي الحسن الشاذلي، والتي تربط العبد بمولاه، وتجعله صالحا للبلاد والعباد؛ إنها سلسلة متصلة من سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم إلى صحابته المأذونين في هذا الشأن، إلى التابعين إلى تابيعهم إلى الشيخ ماء العينين، إلى الشيخ حمزة القادري البودشيشي إلى آخر طرف تقوم عليه الساعة·
الهوامش:(1) انظر مجلة المريد ع 6-7 السنة 1994 ·(2)- نظم هذا الملتقى أيام 12-13-14 أبريل 2000 بتعاون مع عمالة مولاي رشيد سيدي عثمان·(3)- نعت البدايات وتوصيف النهايات، ص 10-11 دار الفكر·(4) متن ابن عاشر المسمى بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين، ص 3 صححه وراجعه الأستاذ:محمد جميل، دار الرشاد الحديثة، البيضاء·(5)- النساء الآية 1 ·(6)- ص 72 ·(7)- القلم الآية 4(8)- انظر نعت البدايات ص 8-9 ·(9)- الرسالة القشرية للإمام القشيري ص 285 تحقيق: معروف زريق وعلي عبد الحميد بلطجي، دار الجيل بيروت، ط 2 ·1990 ·(10)- نعت البدايات ص 10 ·(11)- انظر الدرر الغوالي من كلام الشيخ حمزة البوتشيشي· أشرطة مسجلة من كلامه وكلام مكتوب بإذنه رضي الله عنه·(12)- المرجع نفسه·(13)- الـأعراف الآية 172 ·(14)- الدرر الغوالي من كلام الشيخ حمزة رضي الله عنه·(15)- المرجع نفسه·(16)- المرجع نفسه·(17)- المرجع نفسه·(18)- المرجع نفسه·(19)- من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح البخاري، كتاب الإيمان· باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة·(20)- الفرقان الآية 59 ·(21)- العنكبوت الآية 69 ·(22)- البقرة الآية 282 ·(23)- الأنفال الآية 29 ·(24)- الأعراف الآية 179 ·(25)- الحج الآية 46 ·(26)- محمد الآية 24 ·(27)- ق الآية 37 ·(28)- الحج الآية 46 ·(29)- صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه·(30)- السيف والموسى على قضية الخضر وموسى ص 24 طبعة فاس الحجرية .1309 نقلا عن الدكتور محمد الظريف·(31)- نعت البدايات ص 7 ·(32)- الدرر الغوالي من كلام الشيخ حمزة البوتشيشي·(33)- المرجع نفسه·(34)- صحيح البخاري، كتاب الرقاق· باب التواضع·(35)- الدرر الغوالي·(36)- المرجع نفسه·(37)- الصافات 96 ·(38)- يونس الآية 96 ·(39)- الدرر الغوالي·(ü)كلية الآدب بنمسيك الدار البيضاء
ذ·الطاهر عطاف
المحامي بهيئة الرباط
لقد تعددت الدراسات عن التصوف واختلفت منهجية البحث النظري بشأنها من قائل بالابتداع إلى مقدم له بأمانة علمية وعملية استنادا إلى الكتاب والسنة الذي هو شعار الصوفية الحقيقيين ذوي الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرارالتوحيدية باعتبار أن العبادة لا يستحقها إلا الله وحده وتكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، وهذا مما اختاره الصوفية منهجا وسلوكا وتحقيقا، يقول عز وجل:''وممن هدينا واجتبينا اذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجداً وبكياً'' صدق الله العظيم·إن التعلق بشيء يسلب الانسان ويجعله سجين ما تعلق به، وتجرد القلب الذي هو مناط الحب الإلهي لا يتم إلا بالتخلص من هذه الأشياء ومن جميع القيم المادية إلى التعلق بما هو أسمى؛ ولن يتأتى ذلك إلا بالتسليم والخضوع لعظمته تعالى والتعلق به وحده دون سواه ظاهرا وباطنا وتحرير هذا القلب مما سوى الله تعالى ليتحقق المعنى الحقيقي للعبودية وهو الفناء في الله الذي يتطلب التخلي عن المذموم في النفس · فقد قال أبو يزيد البسطامي فيما اعتمده الإمام الشاطبي:رأيت ربي في المنام فقلت كيف الوصول إليك، فقال:''أترك نفسك وتعال''· فتدرج النفس من أمارة بالسوء إلى لوامة إلى مطمئنة وراضية ومرضية وكاملة تقتضي ما يقتضيه من سلوك تربوي لا مناص منه على يد من وهبه الله من عنده وأفاض عليه من فيضه الخاص ، فكان في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحقق بهذا المعنى من صحابته رضوان الله عليهم وفي ذلك مثال حديث حنظلة وأبي بكر رضي الله عنهما ''نافق حنظلة''· إن هذا النموذج الكوني الذي سار عليه الصحابة الكرام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم ممن نور الله قلوبهم وأضاء بصائرهم بنوره وكانوا قدوة بالمدد المحمدي الذي لن ينقطع إلى أن تقوم الساعة، هو اختيار الصوفية ومنهجهم ومبدؤهم وهذا سر الأسرار الإلهية كما جاء في الحديث القدسي:الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي·يقول أحمد زروق في باب هذه الحقائق والأسرار ما يقع من نكت الإلهام بالأمور العرفانية بالقلب ويتمكن منها، ولها صورة في النفس وعبارة في الخارج إذا تم نورها ظهر في الباطن والظاهر والعبارة ما يشهد لصاحبها بالتحقق، ثم إذا أذن له بالتعبير عنه برزت بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار، وإلا ظهرت بنعوت الظلمة كأنها شمس اعتراها كسوف لا تكاد تقبل لثقلها ولا تظهر لبعدها ولا تسمع لامتجاجها (1·)إن هذا المقام يتنور فيه القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، فمن عبد الله عز وجل على استحضار قربه منه وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه، أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم والإخلاص لله، إنه مقام الإحسان الذي هو تحسين الظاهر بالعبادة والباطن بالإخلاص كما جاء في حديث جبريل عليه السلام عن الإحسان''أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك'' وهو ما عبر عنه أهل المعنى بالتوحيد الخاص الذي للروح فيه مدارج الترقي يمكن أن تنال منها درجات حسب سعيها ومجاهداتها وتعلقها بالخالق عز وجل والتحقق بمعرفته معرفة يقينية معرفة تسمو بالإنسان إلى منزلة الكمال إذ لعلم التوحيد منزلة خاصة كمنزلة الرأس بالنسبة للجسد، وهو أفضل العلوم وأشرفها لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ولأن التوحيد هو الفقه الأكبر، فكانت بذلك حاجة الإنسان إلى التوحيد أشد من حاجته إلى غيث السماء ونور الشمس كما قال بعضهم·وإذا كانت اللغة في التجربة الصوفية قد غازلت عوالم الطبيعة والخمورة والمرأة فاقتبست منها وارتشفت من حقولها، فإن هذا الإقتباس وذلك الإرتشاف هو الذي جعل الكتابة الصوفية قبلة للأصوات ومحجا للنصوص والأبيات التي كانت من جملة الوسائل التصويرية التي لجأ إليها الصوفية لإضاءة الرموز ووشم الفتوحات فرغم ذلك تبقى اللغة الصوفية لغة إشارية إذ لا مناص من تجربة حية تترجم حقيقة ما في السطور إلى الصدور تحقيقا لحقيقة واحدة وهي الحقيقة الإلهية·
الهوامش: (1) أحمد زروق، حكم ابن عطاء الله ، تحقيق عبد الحليم محمود و محمود بن الشريف· مكتبة النجاح· ص·(300)
ذ· أحمد رحيحات
قلت: على ذكر الوارث المحمدي، نحن لا نعلم الوراثة إلا في علم الفرائض ولم يذكر القرآن ولا السنة أي نوع آخر من الوراثة التي تتحدثين عنها؟قالت: الوراثة وراثتان: وراثة لتركة هالك حسية فصلها الكتاب والسنة، ووراثة لسر الصلاح والتقى والفناء والبقاء تحدث عنها الكتاب واشارت إليها السنة·قلت: وما هي هذه النصوص التي تدل على هذه الوراثة؟قالت: لن أكثر عليك من النصوص، وإنما أرشدك إلى قوله تعالى >وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين< وكما تعلم فإن مفهوم الوراثة المادي لا يجوز في حق الأنبياء لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري >نحن معشر الأنبياء نورث ما تركناه صدقة< فما تركه داوود لسليمان هو وراثة لسر غيبي سر النبوة والصلاح تعلم به سليمان منطق الطير واوتي من كل شيء·وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية أصحاب السنة واضح في دلالة الوراثة المعنوية هاته: >العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورِّثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر<فأي علم كان للأنبياء وورثه العلماء والحديث ربط بين تركة الأنبياء وهي وحي الإلهام وبين العلماء المقصودين في هذا النص ولم يذكر الرسل لأن لهم إضافة وحي الأحكام، وما الوارث المحمدي إلا عالم بالالهامات والتنزلات المحمدية لأن كل عالم ورث نبيا وأعلاهم من ورث من الإلهامات المحمدية، التي يصل بها المريد إلى عالم الأسرار·قلت: وهل هذه الوراثة أيضا عائلية؟قالت: اختار الله تعالى الأنبياء من ذريات محددة فقال: >إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض< وقال على لسان زكرياء عليه السلام: >فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب< فقد توارثت هذه الذرية أسرار النبوة بعضها من بعض بفضل الله تعالى ويكفينا الكريم بن الكريم بن الكريم: يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم!!لكن كل ذلك من فضل الله فنوح لم يرثه ابنه بل هلك، وسيدنا ابراهيم طلبها لذريته جميعها فأجابه الله تعالى: >قال ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين<·فوراثة الابن لأبيه ليست قاعدة ولا أصلا، وإنما إذا وجد ابن صدق في خصوصية أبيه ولم يحجب بالبنوة عن سر الولاية، واختارته حضرة الله تعالى للدلالة والسلوك، فهذه زيادة في الخير·ومعرفة أثر الولاية في محل التجربة وهو القلب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول للصحابي: >استفت قلبك وان افتاك الناس وافتوك< إذا القلب محل تنزلات الأنوار·قلت: حتى البوذيون وبعض أصحاب الرياضات الروحية مثل الزن وأنواع من اليوغا يصلون هم أيضا إلى درجات الفناء والاتصال بالأنوار·قالت: أصل الكون كله وسائر المخلوقات التي فيه نور إلهي، وأصل الإنسان على الخصوص أنوار آتية من النفحة الإلهية بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لونه· وسبب الحجاب الأنوار عن الإنسان سواء الموجودة في الكون أو في نفسه هو الكثافة الجسمية، وكلما حاولنا التخلص منها عبر رياضيات معينة مع شيوخ معينين نصل إلى إدراك هذه الأنوار المبعثرة داخلها أو المنتشرة في الوجود، بل قد نستعملها كقوة في مجالات شتى· لكن هذه الأنوار هي من تجليات الأكوان، وأما أنوار المكون سبحانه، أي أنوار الذات والتجليات فلا يدركها أحد إلا بالدخول على الله، ولا دخول على الله إلا بمحمد رسول الله، فرحلتي إذن عبر علم التصوف هي رحلة إلى المكون وليست رحلة في الأكوان ولا في كثائف الأبدان، وسبب الخلط الحاصل هنا مثل من أخلط بين الزنبور والنحل، فحتى الزنبور له شهد ولكن لا يعطي عسلا، وبعسلي المحمدي تشفى الأنفاس لتسلو بليلى التي هي أغلى من الماس·قلت في الأخير: ولكنك تهمتمين بقضايا لا تسمن ولا تغني من جوع في زمن العم سام والعمة العولمة، ونحن اليوم مع المرأة والتنميةو··و··و··و··؟قالت: العم يحجبه الأب في الميراث، والعمة لا ترث أصلا، وأما المرأة فقد أهدى إليها رجالي أحسن هدية حينما اعتبروها في اسم ليلى رمزا للوصول إلى العشق المطلق· ولم يسموا هذه الحالة لا زيدا ولا عمرا، وإنما اختاروا هذا الاسم لمكانة المرأة في التصوف ولعل قول الحراق يوضح هذا:أتطلب ليلى وهي فيك تجلت وتحسبها غيرا وغيرك ليست فبغض النظر عن رقائق العشق في هذا البيت فهو يخاطبك أيها الذكر بأنك أنت وليلى سواء وما الفرق إلا في الحروف (واو الجماعة) و(نون النسوة) والحروف حجاب ولو ازيل الحجاب لما بقي لك اسم مذكر أو مؤنث· ثم حتى من الناحية الاجتماعية فإن تغني الصوفي بليلى يجعله يحن لنصفه الثاني إن لم أقل لكله بتعبير سيدي الحراق فيتقي الله في عشرتها؟قلت مقاطعا: ولكن ليلى لم تذكر في القرآن ولا في السنة؟قالت: قل لي من هي سعاد كعب أقول لك من هي ليلى قلت: تلك بنية القصيدة العربية في الجاهلية؟قالت: أو يسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكر قلت: لا قالت: إذن سكوته تقرير، وتقريره سنة قلت: ولكن امرأة اليوم تعاني من التحرش الجنسي، ومن العنف ومن الأمية؟قالت: التنمية عندي أخلاق وأذواق وأشواق كما عرف شيخي سيدي حمزة علمي: فالجانب التنموي المجتمعي هو في الأخلاق، إذ ما سبب التحرش الجنسي هو تدني الأخلاق الربانية وانعدام الأنوار الإلهية في القلب والتي تقضي على جرثومة الشهوة الحرام، وكيفية العلاج هو الذكر حيث ينور الفكر والفِكَر فيتعلم المريد العفة وغض البصر·وما سبب العنف ضد النساء أو الرجال؟ تدني الأخلاق وغلبة الأنانية الذكورية أو السلطوية أو المادية وكيفية العلاج هو بالحلم وهو أخلاق، ومن زاد عليك في الأخلاق زاد عليك في التصوف·وما سبب الأمية، انعدام الضمير، وعدم التفكير في المصير، واعتبار الأنثى أدنى من الذكر العشير، والحمد لله أني كنت السباقة إلى تعليم العلم للذكر وللأنثى وفتحت زواياي أبوابها منذ قرون لحفظ القرآن ولتعليم العلم الشرعي وباقي العلوم ولا زلت إلى اليوم أفتح أبوابي في فرعي البودشيشي عبر ربوع الوطن الحبيب للتعلم والعلم دون إغفال لجنس على آخر، لأن مريدي ومريدتي لا يمكن أن تقرأ القرآن كورد يومي ولا دلائل الخيرات وهي أمية لا تعرف القراءة والكتابة كما يرجع لي الفضل -والفضل لله تعالى- أن علمت كثيرا ممن ولجوا طريقتي وهم مفرنسون اللغة العربية فغدوا فصحاء بلغاء·والجانب الحضاري الابداعي هو الأذواق، ثم الجانب الروحي الغرامي هو الأشواق·قلت: ومن تتذكرين في هذا العيد؟قالت: وتذكــــرت رحمــة اللـه فالبشــ ر لوجهي أني انتحـى تلقاء صاح لا تيأس إن ضعفت عن الطا عة واستأثرت بها الأقويـاء إن للـــــه رحمــــة وأحـــــــــــــق الناس منه بالرحمة الضعفا
الطريقة القادرية البودشيشية ذ· أحمد قسطاس
خريج دار الحديث الحسنية
إن ما يميز الطريقة الصوفية، ويزرع فيها قوة الحياة، ودفء الحيوية، هو وجود الشيخ العارف بالله الواصل الموصل المأذون في تربية الخلائق، وتوجيه قلوبهم إلى الله عز وجل، شرط أن يكون قد أخذ عن شيخ واصل موصل، انتظم في سلك الخدمة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين وبلغ فيها الشأو الأبعد، بسند متصل بصحبة من صاحب من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سلسلة ذهبية من العدل الأمين إلى العدل الأمين إلى أمين أهل الأرض والسماء، سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.وقد جمعت الطريقة القادرية البودشيشية المباركة بين النسب الشريف، والنسبة المتصلة، فجاءت في أحسن حلة وأبهى طراز
·1ـ نسبها الشريف:يرتفع نسب الطريقة القادرية البودشيشية من شيخنا العارف بالله الأستاذ المربي الواصل القدوة، الموصل الأسوة، المستجاب الدعوة، أبي جمال حمزة بن العارف بالله، الولي الصالح، الأسوة الناصح، لسان الحقيقة الصادح، إلى سيدي العباس قدس الله سره، ابن ولي الله تعالى، الواثق نصره، المجاهد المغوار، المشرق الأنوار، سيدي المختار، الذي جاهد على تخوم المغرب الشرقية جيوش الاستعمار، وأجمعت على تقديمه قبائل بني يزناسن سنة 1906 وهو ابن قاضي الجماعة بجبال بني يزناسن، سراج الواصلين، وفخر العارفين، سيدي محيي الدين قدس الله سره، بن سيدي المختار الشهير، المعروف بالكبير، الشهم القدوة، المقدام العزوة، الكريم المائدة، العظيم الفائدة، وقف في صف الأمير عبد القادر، في جهاده ضد مغتصب الجزائر, ولم يأل جهدا ولا ادخر وسعا في معركة إسلي إلى جانب الجيوش السلطانية الباسلة، قدس الله سره,ابن سيدي المختار، قدس الله سره، ابن الشيخ الأغر الأنجد، سيدي امحمد بن سيدي علي، صاحب الكرامات الباهرة،و الأسرار الظاهرة، المعروف بأبي دشيش. وعرف بهذه الكنية لقصة وقعت له مع شيخه، حين وفد عليه في وفد، فلم يجد الشيخ غير الدشيش طعاما يقدمه لهم· فأبى الوفد أن يتناول الدشيش استحقارا، ما عدا سيدي علي الذي جلس إلى القصعة، فلم يقم حتى أتى على ما فيها· فقال الشيخ: لقد ذهب بودشيش بكل شيء، ولم يترك لأحد شيئا، فكانت تلك إشارة إلى استحقاق سيدي علي سر الشيخ وبركته لا ينازعه في ذلك أحد, قدس الله سره، ابن سيدي محمد، قدس الله سره، ابن سيدي محمد، قدس الله سره، ابن أبي دخيل، قدس الله سره، ابن سيدي الحسن، قدس الله سره، ابن سيدي شعيب، قدس الله سره، ابن سيدي علي، قدس الله سره، ابن سيدي عبد القادر،قدس الله سره، ابن سيدي محمد،قدس الله سره، ابن سيدي أحمد،قدس الله سره، ابن سيدي محمد، قدس الله سره، ابن سيدي لقمان،قدس الله سره، ابن سيدي اسماعيل،قدس الله سره، ابن سيدي عبد الرزاق ،قدس الله سره ،ابن سيدي اسماعيل ،قدس الله سره ،ابن سيدي عبد الرزاق الذي ينتهي إليه نسب هذه الشعبة باتفاق ،ابن الشيخ الأكبر، الكبريت الأحمر، والبرهان الأبهر، الفرد المحمدي، والغوث الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني نفعنا الله ببركاته وعلومه وأنواره آمين
·2ـ نسبتها السنية:تنتهي نسبة الطريقة أصلا إلى الفرع القادري المغربي باعتبار نسب شيخها سيدي حمزة وشيخه سيدي العباس وشيخهما المسك الأذفر، والسر الأظهر، سيدي أبي مدين بن سيدي المنور بن سيدي المختار السالف الذكر، وكان سيدي أبو مدين ورعا عابدا ناسكا زاهدا، ناصحا للخليقة، مجليا للحقيقة، مجددا لطريقة، لا يخاف في الله لومة لائم· انتفع به خلق كثير، وإن كان لا يميل في طبعه إلى تكثير السواد، وجمع الناس عليه من غير طائل، وكان رحمه الله تعالى يقول:''كمشة (قبضة) نحل خير من شواري (حمل) ذباب'' ويحمل الناس على الجادة فمن أبى طرده· ويقول أيضا:''هذا السر عزيز تعبت عليه حتى نلته، ولن أعطيه إلا لمن يستحقه''· أخذ الطريقة القادرية عن سيدي المختار الصغير· لما كان يجاهد في صفه ضد الغزو الفرنسي للمغرب في أحفير وأنكاد وجبال بني يزناسن مسقط رأسه·وأخذ الشاذلية عن العارف بالله سيدي امحمد لحلو بمدينة فاس حرسها الله، عن سيدي امحمد بن علي المراكشي الدرقاوي.وهناك نسبة ثالثة، إلا أنها غير ممحصة ولا منقحة، رغم ثبوتها وتحققها ·فقد أخذ الشيخ أبو مدين في بداية سيره عن العارف بالله سيدي المهدي بن العريان، وعلى يديه وقع له الفناء وكان سيدي المهدي يعيش في جبال بني يزناسن قرب مدينة أحفير، تيجاني الطريقة، خلوتي المشرب، وعنه انتقل إلى سيدي امحمد لحلو بفاس حرسها الله، بعدما جاب البلاد طولا وعرضا، وما سمع بأحد من أهل الفضل إلا قصده وتتلمذ له·ولما بلغ مبالغ الكمل أعطى الطريق ولقن الأوراد على القادرية، طريقة أسلافه· وعلى هذا السنن سار الشيخ العباس وارث سره بعده، واقتفى آثارهما شيخ الطريقة حاليا، الداعية إلى الله المتواضع لعظمته وجلاله، حمزة بن العباس جازاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا·وبهذا تكون الطريقة قادرية أصلا، شاذلية نسبة، تيجانية مشربا، مما جعلها جامعة شاملة لكل المحاسن والمزايا، تحيي القلوب بنور المعرفة، وتعيد التائهين والحيارى والغافلين إلى طريق الهداية والرضوان
·3-مقاصدها ومراميها لا يمكن حصر المقاصد الظاهرة والباطنة للطريقة، ولا تقصي المرامي البعيدة والقريبة للتصوف الاسلامي بصفة عامة· ذلك أن مدارج السلوك متعددة لا تحصى، ومعارج الطريق إلى الله متشعبة لا تحد، و أكناف الطريق واسعة، وأقطارها شاسعة، لايمكن تأطيرها في إطار، أو تركيزها في مبادئ قارة، وقوالب ثابتة كما تصاغ المبادئ العقلانية، والتيارات الفكرية·وإنما نقتصر على ما يمكن أن يقرب صورة الطريقة أكثر للأفهام، ويدني ما غار من أسرارها المكنونة للأذهان، وإلا فلن يسبر دفينها، ويبرز خفيها، إلا عمق التجربة وطول المراس· ومن أهم المرامي، والله أعلم:1- ا لتمسك بالشريعة الإسلامية السمحاء2- تعلم العلم وتعليمه3- الاجتهاد في العبادات وتزكية النفس بألوان الطاعات4- التخلق بكل خلق سني وخلع كل خلق دني5-التزاور والتراحم والتعاون في أمور الدنيا والدين 6- البذل والسخاء والجود والعطاء لوجه الله تعالى7-الدعوة إلى الله بالحال والعمل والقول وسنفرد كلا من هذه المقاصد والمرامي بالحديث، حسب ما رأيناه بأعيننا ولمسناه بقلوبنا، وسمعناه من الشيخ رضي الله عنه ومن أتباعه ومريديه، بلا زيادة ولا نقصان، بغية إظهار الحق، وإبراز مكامن الفضل حتى يعم خيره، وينتفع به الناس
الـزاوية الـقـادرية البـودشـيشـية مصدر إشعاع علمي وروحي
د· أحمد غاني
خريج دار الحديث الحسنية مختص في الأصول
لعل أهم البدايات هي أن نؤكد أن الطريقة القادرية البودشيشية كدعوة صوفية معاصرة تتأسس على الشريعة الإسلامية وتقوم بدور علمي مهم في عصرنا هذا، وذلك ناتج عن التكوين العلمي لشيخها، فقد نشأ شيخها وترعرع وسط جو يسوده الطهر والعفاف والتقوى، وتتعطر أجواؤه بالذكر وتلاوة القرآن، ويحف به عبير الولاية ونسيم القرب من الله، ففتح عينيه على شيوخ ركع ورجال خشع، ''لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار''، لم يقف الطموح العلمي لشيخ الطريقة عند حدود حفظ القرآن وتلقي أسس العلوم الشرعية عن مشاهير علماء المنطقة الذين كانت تزخر بهم الزاوية القادرية، بل سعى إلى التعمق في العلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه ونحو وغيرهما، ليصبح من العلماء الذين تقصد حلقهم بمدرسة الزاوية القادرية البودشيشية، فقد اضطلع بتدريس العلوم الشرعية بها منذ سنة 1940 م، ثم بعد ذلك سمت همته إلى المعرفة الإلهية، وتخليص باطنه من العلل التي لا ينفع في علاجها الثقافة العقلية ولا التصنع الظاهري، ولقد جعل هذا التكوين الشرعي والصفاء الباطني الطريقة القادرية البودشيشية تعرف تجديدا علميا وتربويا متميزا، وتلك من خصائص الطرق التي يشرف عليها شيخ حي صادق، صاحب تربية روحية، إذ أنه يتوسل بالأساليب التربوية المناسبة لعصره ومريديه، ملتزما في ذلك روح الشريعة ومقاصدها، دون الجمود على بعض المظاهر التربوية التي تجاوزها الزمن·إن أول مظاهر هذا الدور العلمي إعادة ربط قلوب المريدين بكتاب الله عز وجل، فالقرآن الكريم من الورد اليومي للمريد، وهكذا بهذا الالتزام من طرف المريدين تقرأ آلاف الأحزاب في اليوم من كتاب الله، وتتنزل معها رحمة الله على الأمة، كما تنظم مجالس قرآنية بين الفينة والأخرى وخصوصا في المناسبات الدينية المتميزة، مثل أيام رمضان المعظم ومناسبات الأعياد، وفي نهاية كل شهر هجري، وتخصص هذه الجلسات لختم سلك القرآن الكريم، والتي قد تبلغ الآلاف في المناسبة الواحدة، فالطريقة تسعى جاهدة لربط المؤمن بكتاب الله حفظا وعلما وعملا، كل حسب طاقته وحسب ترقيه الروحي.أما المظهر الثاني من مظاهر الدور العلمي للطريقة فهو الاجتهاد في ربط مريدي الطريقة بالسنة المحمدية، ويتجلى ذلك في عدة مستويات، فلما كانت الطريقة تربية بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اشتملت أورادها على مختلف الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم المأثورة منها وتلك التي فاضت بها بواطن العارفين وجوانح الولهين بالجناب المحمدي، ويعتبر دلائل الخيرات من ورد الطريقة، كما أن الهدي المحمدي والمواقف النبوية يطلع عليها المنتسب إلى الطريقة من خلال الأحاديث الصحاح الواردة في كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري وكتاب الشفا للقاضي عياض، واللذين يعتبران من الكتب التي تقرأ قراءة الأوراد في الطريقة، وهو شيء يساعد المنتسب إلى الطريقة على تحصيل نصيب مهم من السنة النبوية· وتأتي الدروس العلمية في السيرة النبوية والتي تنظم في مختلف الزوايا الفرعية لتعميق وتوسيع المعلومات عن حياته صلى الله عليه وسلم وعن خلقه العظيم، فينشأ المريد متشبعا بمحبته صلى الله عليه وسلم، متشوقا إلى الاقتداء به في كريم أخلاقه·حرص الشيخ سيدي حمزة القادري البودشيشي، وهو العالم المتضلع في العلوم الشرعية والذي درسها وهو لايزال شابا يافعا، على أن يتزود المريد بثقافة فقهية، كل على حسب استطاعته، ولكن الكل مطالب بمعرفة الضروري من علوم الدين، إذ لا يعبد الله بجهل، ولهذا اجتهد المريدون بمختلف أعمارهم من طفلهم إلى كهلهم، ومن أميهم إلى مثقفهم في تحصيل ثقافة فقهية ينبني عليها العمل.لقد اجتمع لمريد الطريقة القادرية البودشيشية في المجلس الواحد روض الجنة وروض العلم، فهو يرتع في رياض الجنة مع إخوانه الذاكرين لاهجا بأسماء الله تعالى وبصفاته التامات العليا، كما أنه يقطف ألوان المعرفة من رياض العلم رفقة علماء متخصصين، فقد نظمت في مختلف الزوايا الفرعية التابعة للطريقة دروس يلقيها علماء متخصصون وأساتذة جامعيون وذلك في العلوم التالية:-علوم التفسير والقراءات·-علوم الحديث·-علم الفقه وأصوله·-علم السيرة النبوية·-علوم اللغة والنحو·-علم التصوف·ومن الأشياء الملحوظة في الطريقة البودشيشية أنها تفتح ذراعيها لكل عالم يقصد بعلمه وجه الله تعالى ويسعى إلى بث العلم الشرعي في الأمة، بل إن من أهم خصال الشيخ سيدي حمزة تقدير العلماء وإحلالهم المكانة اللائقة بهم وإكرامهم، وهو يقول عن ذلك بأن في إكرامهم إكراما للعلم الشريف الذي يحملونه، ويحث المريدين على التخلق بهذه الأخلاق مع العلماء·كما أن للمثقف في الطريقة دورا متميزا، فهو يسعى إلى طهارة قلبه والتقرب من الله تعالى، وهذه التجربة الروحية تجعله يجمع بين مستوى تعقل الأشياء في أوصافها الظاهرة ومستوى تعقل أفعالها الخارجية ومستوى تعقل ذواتها وهويتها، فمن عاش التجربة الروحية في عمقها أدرك أنه لا مكان لاعتراض لا عقلانية الصوفي الذي يلوح به من لا يعرف حقيقة هذه التجربة، أجل إن مستويات تعقل الأشياء هذه التي يحصلها المثقف المتقرب إلى الله تعالى تنعكس على سلوكه، فلا مظهر الأشياء يغره ولا أوصافها تضله ولا ذواتها تتيهه عن أن يقصد الحقيقة في أفعال تعقله، بالإضافة إلى هذا فالمثقف يعتبر عنصرا فعالا في نشر هذه التوعية بين المريدين وتحريك هممهم نحو ما هو أسمى، فيغدو المثقف من خلال هذه التجربة فرحا بسلامة قلبه من الآفات مؤيدا في أفعال تعقله منصورا في دعوته للغير إلى مشاركته في هذا الخير العميم·وتتميز الزواية البودشيشية الأم بمداغ بأنشطة علمية متميزة، وسيفاجأ من يقصد الزواية الأم خلال شهور الصيف بأن يجد نفسه في جامعة صيفية، فالزاوية في هذه الفترة تكون محجا للأساتذة والطلبة الجامعيين من كل بقاع الأرض، يجمعهم هم واحد، التزود بالعلم والعمل، وهكذا يجد المتعطش إلى المعرفة بمختلف فروعها ضالته في هذا الجو الروحي المتميز، فتنعم الروح بغذائها، ويتزود الفكر بزاده.
الدور التربوي:أما بالنسبة للدور التربوي للطريقة فهو ينبني أساسا على المنهج القرآني والنبوي في التربية، والذي ينبني أساسا على الذكر المأذون النوراني; فحلق الذكر المصاحبة لهذه الحلق العلمية زاد روحي قوي للمسلم في هذا العصر الذي تحيط فيه الغفلة بنا من كل جانب، فهي تضم بالإضافة إلى الذكر المرتب والأذكار الجماعية، حصصا من السماع والمدائح النبوية·لم يكن التصوف الحقيقي في يوم من الأيام انعزالا ولا انكماشا، بل هو دخول في معترك الحياة، ولكن بأسلوب نبوي حكيم، يفضل الرفق على العنف، والتسامح على الانتقام، واللين على الشدة، ولا تتبين هذه الحقيقة في هذا العصر إلا لمن عاشها في رحاب الطريقة القادرية البودشيشية وتربى في أحضانها·إن الطريقة تمتح من معين الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، ومن شمولية الدعوة الإسلامية، لهذا فهي تفتح أبوابها لكل تائب آيب إلى الله تعالى، لا تعادي أحدا، وإنما تعادي الأفعال التي قبحها الشرع وتدعو إلى كل ما حببه الشرع، تدعو للمغاربة بمختلف اتجاهاتهم رئيسهم ومرؤوسهم بالتوفيق والسداد إلى ما فيه خير العباد والبلاد، لا تبتغي بذلك إلا رضا الله تعالى، فالخلق عيال الله، وأحب الناس إلى الله أنفعهم لعياله، ولا نفع للخلق مع فتنة تأكل الأخضر واليابس وتلتزم الطريقة مبدأ التبين والتثبت ولا تنعق وراء كل ناعق، فإذا تحققت من فساد الفاسد سعت إلى صلاحه وإذا تحققت من صلاح الصالح آزرته وأيدته فهي تسعى إلى أن تحارب في الفرد آفتي تعظيم الذات وتحقير الآخر، فللخلق رب يقلب القلوب بين أصبعيه، هذه هي الأبعاد التربوية التي تسعى الطريقة إلى ترسيخها في المنتمين إليها، لا تبتغي من وراء ذلك إلا وجه الله تعالى، وهي أبعاد تربوية لا يمكن التزامها إلا إذا تشبعنا بقوله تعالى: >واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا<لقد انطلقنا من المبادئ لنصل إلى البدايات، ووراء البدايات خير عميم وفضل كبير، لمن ألقى السمع وهو شهيد، وماذا عسى المنصف أن يقول في طريقة هذا ديدنها، ومن الكتاب والسنة منهجها، فلندع قول الزور والعمل به، ولا نكتم الشهادة إذا كنا ممن عاين هذا الأمر وعلم حقيقته، ولندع معاداة أهل الله جانبا، فقد أنذرنا الله تعالى في الحديث القدسي بقوله: >من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب<، ولنعلم أن الوعد الإلهي لا يخلف فقد قال تعالى: >ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون<، ولنكن في زمرتهم، فالمرء مع من أحب، ولنكن دعاة الخير والسلام والمحبة.
د· أحمد التوفيق
عندما نستعمل كلمة ثقافة فإننا نحيل على كلمة''Culture''الأجنبية، وعندما نستعمل كلمة مثقف نحيل على كلمة ''Intellectuel''،ومحمولهما التاريخي له مرجعية في تاريخ الغرب أساسا، وهو تاريخ ربط هذين المفهومين، بمحمول تربوي من جهة وبمحمول فلسفي من جهة أخرى، ربط محمولهما بالفكر الحر وبالحرية الفردية والجماعية وذلك بالتخلص من عدد من أنواع القهر، ومنها القهر الدوغماتي باسم الأنظمة والمعتقدات ،ومنها المعتقد الديني في التاريخ المشار إليه؛ فالمتعلم المنافح بالقول والقلم عن الحرية هو المثقف· وأضيفَ إلى ذلك مشاركة بالمواقف في السياسة المطلبية الساعية إلى نفس الغاية· ولذلك كان مثقفون يناهضون الحرب أو الاستعباد أو الاستعمار أو السلاح النووي أوالتفرقة العنصرية إلى غير ذلك من الجوانب اللاإنسانية لا بالقلم وحده بل بالتعبير المخاطر وبالخروج في المظاهرة أو الإضراب عن الطعام· فالتاريخ الغربي ادعى أنه أعاد اكتشاف الإنسان من منطلق طبيعي وتاريخي معا، وأنه ابتعد عن الأفكار الجاهزة الموروثة عن كثير من المعتقدات وجمَّع من ثقافته الكلاسيكية والحديثة كل ما تقدم به الفلاسفة في شأن هذا الإنسان في علاقته مع مصيره التاريخي المتأرجح بين الخضوع للقهر وإرادة الانعتاق· ولا ينفي الناظر من وجهة هذا التاريخ أن الشرق صنع حكمة وتلقى الوحي عدة مرات، وأن ذلك كله يشكل تعابير سامية عن نفس غايات الثقافة المتحررة، ولكن أي نسق شرقي لم يؤد إلى نهضة تحررية جماعية على أسس موضوعية، لأن أنساق الإنتاج لم تتح فرصة وقوع تلك النهضة، فالإسلام ،مثلا، دعا إلى تحريرالعبيد وحرض عليه، ولكن تاريخ الإسلام تحايل على الخطاب الإسلامي للإبقاء على الاسترقاق مدة طويلة وعلى نطاق غير ضيق لأن الحاجة ظلت تستدعي الرقيق قبل الثورة الصناعية التي استتبعت الثورة العمالية الليبرالية·لا شيء يفترض أن هذا المثقف المنافح بشقشقته أو بمواقفه عن حقوق الجماعة في الحرية والإنصاف، يتوجب أن يكون هو نفسه حرا في نفسه من عادات رذيلة أو سلوكات موبقة، بل ربما كانت ثورته على قيود الخارج مقترنة بثورته على قيود الداخل، وربما كان هذا التمرد الذي دمر كثيرا من المثقفين داخلا في الحرية الفردية كما عاشوها· فالثقافة بهذا المعنى التاريخي لا تهتم بمشكل السلوك الفردي الذي هو مشكل الدين ومشكل التصوف، وكأن شعارها هو:افعل ما شئت بنفسك ولا تضر الآخرين بل اجتهد في نفعهم وجلب المصالح لهم·لاتسعف الكلمة العربية ''مثقف'' في حمل معنى ''Intellectuel'' من جهة هذا التركيز على الفكر وحده، لأن معنى ''تثقف'' هو اشتد عوده من حيث السلوك والنضج الشخصي، وكأن هذه الكلمة توحي بأن الفكر العالي بالنظر في الكون والإنسان هو أساسا فكر يعود بنوع من الالتزام السلوكي على صاحبه إزاء نفسه، وكأنها توحي بأن من لا ينفع نفسه لا يمكن أن ينفع الناس· وتبقى مرجعية هذا النفع متجذرة في الأخلاق، بينما تظل مشكلة الحرية الجماعية متجذرة في التاريخ، علما بأن الدين كمصدر لأخلاقِ مسؤولية أمام الله أسهم بقوة في صنع التاريخ·فالتصوف اشتغال على الصراع الداخلي الفردي (وقد يتقوى بالجماعة) من أجل التخلص من عبودية النفس، وهذا الاجتهاد في الحقيقة نوع من التثقف أي التمرن على الصرامة والتحمل والترقي على مستوى كل ما سماه الشرع بالشهوات، ولا سيما من محركاتها الأنانية·والثقافة بالمعنى النضالي اشتغال على الصراع الخارجي لترقية أحوال الإنسان من حيث حاجاته الجسدية المادية ومن حيث علاقته بغيره من الناس·والاشتغالان معا جزء من الشرع في الإسلام، والخطر الذي يهدد التصوف هو إنكار الاشتغال الثاني أو اعتباره فضولا حتى إن أهله استشهدوا هنا بالأثر->عليك بخويصة نفسك<! والخطر أيضا في ترك هذا الاشتغال للمقطوعين، أي للمتبنين لقضايا الإنسان (الحرية والحاجات) الذين يعالجونها انطلاقا من ثقافة لاتجمع بين الالتزام الفردي والالتزام مع الجماعة·هذا الانفصام هو معضلة التصوف مع الثقافة ومع السياسة معا، ونقصد بالسياسة الاجتهادات لنفع الجماعة وحمايتها، وهي معضلة قائمة في الإدراك الموروث من تاريخ كان فيه كل أعداء التصوف من الظالمين والشهوانيين والظلمانيين والحروفيين والمحترفين للدعوة يضيقون على أهله لإلجائهم إلى زوايا الخوف ومواقف الانسحاب، فتولد لدى الكثيرين منهم خوف من التاريخ·غير أن المجددين المتحققين جمعوا بهمم كاسحة للمخاوف، الجماهيرَ الواسعة ليعيدوا لديها مشاعر الوسع الراقية التي تعيد الربط بين الاجتهاد على النفس والاجتهاد من أجل النفع في إنكار تام للذات·فالثقافة لها مضمون ومعنى، يلتقي مضمونها مع التصوف في النظر إلى العالم والإنسان في أبعاده التاريخية والجغرافية والأنطروبولوجية، ومنه يتولد تبصر وتبين؛ وهذا شق في عمق عُدة المتصوف لأنه متدبر بطبيعته، وهو مدعو إلى تدبر في فضاءات حافلة ليس في خلوات ومساحات خالية، وقد قال قائلهم:''الجسد في الحانوت والقلب في الملكوت''· ولم لا يكون الجسد والقلب معا في الحانوت وفي الملكوت ؟السلوك الصادر عن الثقافة سلوك متجه إلى الخارج، دستوره في الطبيعة والتاريخ كما تلخص في كلمة ''إنسانية''، والسلوك الصادر عن التصوف له نفس الهدف الإنساني لكنه يعبر عنه ب''الربانية'' اعتبارا للمرجع في كل شيء·السلوك الفكري الصوفي موحد يرد إلى مركز واحد ، والسلوك الفكري الثقافي لا علاقة له بيقين، بل هو سلوك متشكك بطبيعته·لا يعترف النظر الصوفي بوجود إطار نهائي لما يسمى بالعقل الذي يدخل منه العلم والإحساس، فالعقل من وجهته عقول بحسب مراتب تجربة صوفية، تجربة ترتقي في اتجاه ما سموه بالوسع، ونهايتها حركة دائبة لاسكون معها، وجاذبيتها معبر عنها بالمحبة، لذلك قالوا: زدني بفرط الحب فيك تحيرا فمقاربة الثقافة للإنسان مقاربة فكرية متوترة لا تخلو من وجدانية تتجلى في بعض حماسة النضال ولها بعض التجليات الطوباوية، لكنها متمردة تمردا أصله من تمرد شيطان متحَدًّ·والمقاربة الصوفية تقر بأصل التكريم الذي تفضل به الخالق على المخلوق وتطمح إلى معرفة بهذا الإنسان هي أقصى العلم وهي أعز ما يطلب، و في ذلك قالوا: >من عرف نفسه عرف ربه<· والمقاربة الثقافية تتوجه للجماهير ومبادؤها تضبط موضوعات المجتمع المدني الحديث، ولكنها ترزح تحت هياكل المادة وما تفتأ تفاجأ بأبشع المتناقضات وأنواع الإفساد، وهي تتطلب تنظيمات لحماية المبادئ وقوانين لحماية الحقوق، ولكنها عاجزة عن الاعتراف بالحصيلة العامة في عمق الأمور·والمقاربة الصوفية موجودة عند الجماهير كمراجع للأخلاق دون أن تكون مقترنة بكل جهازها العرفاني، بل هي في متناول الفطريين أكثر مما هي في متناول نخبة المثقفين؛ يبقى أن يطرح السؤال: أين هذه المقاربة الصوفية على أرض الواقع؟ ذلك حديث المستقبل المتفاءل له !
نحو دينامية حضارية جديدة ذ· محمد أديوان
الفعالية الصوفية والمجتمع الجديد
إن فعالية الوعي الصوفي في التجديد الاجتماعي، تظهر أن الاستدلال على حقيقة التجديد الاجتماعي أمر مرهون بتحقق ماسميناه الوعي الصوفي (أنظر العدد السابق)·إن فعالية الوعي الصوفي في التجديد الاجتماعي المنشود تتلخص في الملاحظات الآتية:1- تحقيق التربية الروحية الواقية2- تصحيح التربية الاجتماعية والسياسية3- تأسيس الدينامية الحضارية المتوازنة وفيما يأتي كلمة مقتضبة عن كل بند من بنود تجديد الوعي الاجتماعي الراهن من منطلق صوفي عرفاني:1- أما بخصوص تحقيق التربية الروحية الواقية، فالأمر يحتاج إلى دراسة مقومات الشخصية الإنسانية في أبعادها الخفية والعميقة من أجل إماطة اللثام عن الجوانب الروحية التي ظلت مهملة في السياقات التربوية المعاصرة التي كان همها تطوير القدرات الإدراكية والمهارات العقلية والخبرات الحسية لدى الإنسان، بينما ظل الجانب الروحي يشكو من ندرة الاهتمام بمكوناته وطاقاته· فتحول الإنسان المعاصر تحت وطأة النظريات التربوية العقلانية والحسية إلى حيوان معرفي يبحث عن المعرفة ليسكت نهما فكريا وينقع غلة ذهنية لما تنقع على الرغم من مضاعفة جهود التحصيل والتلقين بأساليبه العقلية والتجريبية المغرقة في التشعب والتعقيد·إن أزمة العلم المعاصر التي قادت العقل إلى ''تدمير'' ذاته عبر اختراعات وأفكار وفلسفات غير ذات أساس روحي يراعي كرامة الإنسان وإنسانيته -هي أزمة لن تجد لها حلا إلا في رأب الصدع بإحداث ثورة تربوية جديدة تبني أنساقها على عطاء الروح والطاقات الإنسانية ''الكريمة'' و''النبيلة'' في الإنسان· وهي الطاقات الراقدة في عمق ''الطيبين'' الذين وصفهم القرآن الكريم وجعل بعضهم لبعض في مقابل الخبيثين الذين جعل بعضهم لبعض أيضا مع جملة من الفوارق بين النوعين من البشر في التراتبية الأخلاقية الإلهية المنزهة عن الاعتباط·إن تربية روحية تنبني على أسس التصور الصوفي للإنسان والكون، هي التربية الوحيدة التي يمكن استعمالها درعا واقيا تجاه نزعات التدهور والانحطاط الأخلاقي والروحي والاجتماعي التي تغذيها نعرات الحضارة المعاصرة وقوافل سيرها المتسارعة نحو إجهاض مخططاتها بدون وعي وهي تحسب أنها تحسن صنعا واضعة ثقتها المطلقة في معبوداتها من المال والجاه والعقل·إن تربية روحية صوفية هي الخليقة بتحقيق الوقاية اللازمة للإنسان المعاصر إزاء مظاهر النزيف الحضاري القوي الذي أودى بكثير من مظاهر هذه الحضارة وقضى على كثير من معالم نضارتها! ولا تتحقق التربية الروحية الصوفية المأمولة للخلاص والخروج من الأزمة الراهنة، إلا بالتحلي بحالي المحاسبة والمراقبة كما بيناه سابقا، وذلك عند كل فرد من أفراد المجتمع· وإذا جازلنا أن نرتب هتين الصفتين فقهيا لاعتبرناهما فرض عين لا فرض كفاية في المجتمع الذي ينشد الخلاص الحقيقي·2- أما بخصوص تصحيح التربية الاجتماعية والسياسية، فالأمر يتعلق بإعادة النظر في الأساليب التي تفهم بها العلاقات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع المعاصر، أي مجتمع الأزمة· فالمجتمع الصوفي يؤسس علاقاته على أساس المحبة والتكامل العاطفي الذي يقوم على مبدأ التساند والتواد الروحي· وإذا كان الإسلام يبحث على أن يكون البناء الاجتماعي مرصوصا تتضافر فيه قوى الأفراد وخبراتهم لخلق السعادة العامة للمجموع، فإن الإطار التربوي الروحي للبناء الاجتماعي ييسر العلاقات ويزيد الأواصر متانة، حتى يتحول المجتمع من جماعة المصلحة إلى جماعة المحبة، وإذا كان المعيار في الجماعة الأولى هو مدى الربح والخسارة وغيرها من الحسابات المادية، فإن المعيار في الجماعة الثانية هو مدى تحقق الطمأنينة القلبية لدى الفرد مما يشيع الطمأنينة الروحية لدى الجماعة· وهو ما نسميه الاستقرار الروحي، وهو لا يتم إلا خارج الحسابات المادية الضيقة·مما سبق يتضح جليا أن تصحيح التربية الاجتماعية والسياسية مطلب ضروري لتحقيق وعي اجتماعي جديد في المنظور الصوفي لمفاهيم التدبير الاجتماعي والسياسي·ليست السياسة في المجتمع الصوفي مجرد علاقات مصلحية تتوزع بموجبها مهام تسيير دفة السياسة وإنما هي نوع من التجريد للسياسة من خاصية المصلحية الضيقة إلى خاصية المصلحة العامة، أو ما يسمى بالصالح العام· لأن السياسة الصوفية هي تدبير قلبي ينبعث من الاهتمام بتقويم الفرد في سلوكه الباطن ليتصفى من كدر الدنيا وشوائب المصالح، ليكون قابلا للأخذ والاستمداد النوراني بعد مدة من الاستغراق في عملية التطهير وإزاحة قشور الذات وحجبها الجسمانية لتتجلى له اللطائف الروحانية التي هي أصل كل تربية أو مجاهدة روحية صادقة·3- أما بخصوص خلق دينامية حضارية متوازنة، فإن الأمر يتعلق بجعل ميزان القوى الحضاري يسترد توازنه القديم المنخرم، فيخرج من دائرة أحادية النظرة إلى وظائف الإنسان إلى تعددية أساليب النظر إلى الفعالية البشرية ووظائف الإنسان· ذلك أن المجتمع المعاصر كما كان ربيب له بالأمس مجتمع يؤمن بأن الإنسان خلق لينتج ويستهلك، ولقد تضخمت شرائح الاستهلاك ونظمت لها الطرق والأساليب وتحول الإنسان إلى ''حيوان مستهلك''، لايكاد يشبع، وتكون لديه نهم مركب صار عقدة ومرضا مزمنا لا يشفى منه· وزاد أمر الاستهلاك استفحالا في المجتمع المعاصر إلى حد أن سائر قوانين اقتصاد السوق اليوم صارت تبني قواعدها الأساس على مبدإ الاستهلاك· وبدونه لا يبقى لاقتصاديات السوق مجال للعمل· فتفرعت شعب الدراسة والاهتمام بهذا المجال بشكل مرعب، غدت معه سائر تصرفات البشر قابلة للتأويل على أساس مبدأ الاستهلاك اللعين· وإذا كنا في الماضي نعيش في المجتمع المعاصر على إيقاع نظريات الغبن الفرويدي المختزلة للفعالية البشرية في نزوة البهائم، فإن حاضر المجتمع المعاصر يعيش على إيقاع نظريات الرعب الاستهلاكي بمختلف اتجاهاتها ونحلِها ومللها·وللخروج من عبث المنطق الفرويدي ومبالغة الإرهاب الاستهلاكي، لابد من خلق دينامية حضارية متوازنة تفتح للروح مجالا لتخفف من وطأة الجسد بنزواته واستهلاكه المروع!·إن الدينامية الحضارية المأمولة والمنشودة لا مناص لها من تفعيل طاقات الروح وتنشيطها ضمن مخطط عام يرمي إلى تغيير وظائف البشرية وتحويلهامن منطق فرويد ومنطق الاستهلاك إلى منطق رباني إنساني يعيد للإنسانية قوتها الفطرية ومددها الأصلي في ظل دينامية حضارية جديدة ومتوازنة لا يخيفها أي ''بعبع'' اقتصادي أو اجتماعي مادامت لها الحصانة التربوية الكافية في زمن التردي الحضاري والأزمة المدنية التي يعيشها الفكر المعاصر المنظر لمجتمع اليوم·تلك إذن هي البنود الثلاثة الضرورية لتحقيق وعي اجتماعي جديد في إطار وعي صوفي يكتنف الفعالية الاجتماعية لمجتمع الاستقرار والطمأنينة القلبية والروحية·
كلية الآداب - الرباط