ثانيا: منهجية الأذكار و التزام المأثور في الطريقة.

1 ) صور من التلقين الفردي و الجماعي للأذكار في الطريقة:

2 ) فقه الأذكار و الالتزام بالمأثور في الطريقة.  

1)االفصل الثاني الخصوصيات الروحية و السلوكية لشيخ الطريقة القادرية البودشيشية.

المبحث الأول: مظاهر الولاية و الإذن في الدعوة عند الشيخ سيدي حمزة.

أولا: الولاية و القبول من لوازم الدعوة و الوصول.

1) الولاية العامة و وحدة الأمة.

2) المبشرات و الثبات في ولاية التقوى.

3) ولاية القربة و الإعلام بالخصوصية.

يثانيا: خصوصية الدعوة بالإذن و الإجازة.

1) الدعوة و التبليغ بين الإذن الخاص و العام.

2) الاذن النبوي و الاجازة بالاستحقاق و التسلسل.

المبحث الثاني: الحال و الهمة في تكوين شخصيات الأمة.

أولا: البعد التوحيدي للحال و الهمة عند الشيخ.

1) الحال بين المشروعية و الموضوعية الواقعية.

2) همة الحقيقة و صحوة الروح في الطريقة.

ثانيا: الهمة و سلوك الدعوة عند الشيخ سيدي حمزة.

1) سعة الجناح عند الشيخ بين الحياء و الحلم.

2) سجية الشيخ في كرم الدعوة.

 

الخاتمة

 

 

 

                     فهرس

مقدمة 

الطريقة في مدخل بين الجهاد و المجاهدة

الفصل الأول: التكامل في شخصية الشيخ بين العالِمية و المنهجية العلمية.

المبحث الأول: عالِمية الشيخ سيدي حمزة بين التحصيل و منهجية التوصيل.

أولا: مظاهر التحصيل العلمي عند الشيخ.

1) العالمية و تحصيل النشأة عند الشيخ.

2) صور مجملة من عالِمية الشيخ.

ثانيا: عالمية الشيخ بين مقتضى الدعوة و التجديد.

1) إيجاز الخطاب و الاستقطاب عند الشيخ.

2) مقتضى التجديد و وراثة الدعوة عند الشيخ.

3) الوعي الدعوي و مناسبة الخطاب عند الشيخ.

ثالثا: الطريقة القادرية البودشيشية: تربية و منهج و تعليم.

1) تكامل العلم و العبادة في منهج الطريقة.

2) نوعية التكوين العلمي بين مدار السنة و الفصول.

3) "الجامعة الصيفية الصوفية" و تلقين العلوم.

4) الموازنة و التداخل الايجابي بين العلم و الذكر.

5) قطبية الشيخ و مبدأ و حدة العلوم في الطريقة.

المبحث الثاني: فقه الأذكار و منهجية التلقين عند الشيخ.  

أولا: نموذجية الشيخ في تحصيل فقه الأذكار.

1) تكامل الخلوة و الجلوة في ممارسة فقه الأذكار.

2 ) معادلة الكثافة و الممارسة في تلقين الأذكار:

 

 

 

 

 

                                                                       

 

 

 

ِبــسْمِ اللهِ الرحمِن الرَّحِيمْ

 

 

 

مقدمة

حينما يشرع كاتب في سرد سيرته الذاتية كشخص منفرد بها قد يكون محل قبول و تصديق في أغلب الأحيان، نظرا لما كان قد قدمه من بطولات ومواقف أو من علوم و معارف، ربما استفاد منها الكثير من الناس على ما كانت تمتاز به من صبر و شجاعة أو جدية و رصانة، سواء كانت الإنجازات عملا أو قولا و كتابة، فيكون هذا التصديق و خاصة في مجال الكتابة أو التأليف بمثابة تراضي بين الكاتب و قراء إصداراته. إلا أن أغلب التصديق يكون من باب الميل الأدبي أكثر منه ميلا معرفيا و علميا، إذ أن السيرة الذاتية لكل شخص حينما يريد أن يعبر عنها فقد يتكلف صياغات ويستعمل أدوات خاصة تكون أقرب إلى الإشهار و الدعاية منها إلى الإقناع و الدراية، كما أن طرق الأدلة فيها ربما تكون بعيدة عن واقع السيرة الذاتية، لأنها توظف فيها أدوات و وسائل مستعارة وخارجية تكون في أغلب الأحيان متداولة على سبيل الإبتذال أو مشتركة بين أهل الفكر خاصة و عامة المثقفين . . .

لكن حينما يتعلق الأمر بسرد سيرة ذاتية لطريقة أو مذهب بأكمله كبنية أو منهج علمي و عملي متميز و غائي، فإن الأمر يكون على العكس من ذلك محل تردد و ترقب أو تعجب و تقطب، لأن الحديث عن طريقة ما ومن داخل حقلها يمثل خصوصية و ذاتية للكاتب عنها لا يستطيع أن يلغيها من منهجه و أسلوبه، رغم أن كلامه و تعبيره يتسم بالموضوعية والصدق في كل ما يقوله، لأنها ذاتية صادقة و علمية لا تتناقض مع الموضوعية بأي حال، ما دامت قائمة على التجربة و اعتبارات الزمان و المكان و الحال والمقال، و العقل و القلب، و العلم و العمل.

و من هنا فقد يقبل البعض بعض عناصر السرد و الرواية لهذه السيرة، وقد يرفضها آخرون إما على وجه الاستبعاد أو الانتقاد، فيقع الرافض بذلك في أحد طرفي الأمر الذميم كما وصفهما الله سبحانه و تعالى " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لما ياتهم تاويله " و " كل حزب بما لديهم فرحون " .

و من هذا التكذيب و التعصب الحزبي أو المذهبي سواء كان فرديا
أو جماعيا، يقع الرافض لدعوى الآخر بغير مبرر مقبول عقلا و شرعا في مشكلة فكرية عويصة لا يستطيع التخلص منها و هي مشكلة الكاذب، ونموذجها كأن يقول الرافض: كل أهل مدينة العرفان كاذبون! فيكون صاحب هذا الزعم بإصداره حكما كليا على غيره لا يخلو من أحد موقعين:

- إما أن يكون من أهل مدينة العرفان فيصدق عليه نفسه حكم الكاذب، ومن ثم ضرورة لا يصدق بحكمه على أهل العرفان بالكذب لأنه في أصل كلامه كاذب.

- و إما أن يكون خارج إقامة أهل مدينة العرفان و مجال تواصلهم، فيكون حكمه بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا، و بعدم الإحاطة المعرفية والاستقراء الكلي لأهل مدينة العرفان، فيرجع عليه حكمه بأنه هو الكاذب حقا، لأنه كذب بما لم يحط بعلمه .

و الطريقة القادرية البودشيشية هي مدينة أهل العرفان في هذا الزمان، و قد يصعب على الكثير ممن لم يدخلها أو ممن هو بحزبه فرح أن يسلم بهذه الدعوى التقريرية، اللهم إلا إذا كان منصفا و موضوعيا مع نفسه ينشد الحق حيث وجده، و لا يتعصب لمذهب أو حزب أو طريقة أو جماعة و جمعية ما .

و لقد كثر اللغط كما كثر الغلط حول واقع هذه الطريقة و منهجها وأسيء إلى أهلها إساءة مقصودة، لكنها مع ذلك بقيت في تزيد لأتباعها وأنشطتها، لا يضرها من خذلها، لأن لها غاية أحادية خالصة لا تحيد عنها
ألا وهي " أن إلى ربك المنتهى " .

و هذا الكتاب في عرضه لبعض الجوانب من خصوصيات الطريقة القادرية البودشيشية لا يمثل سردا أدبيا أو وصفيا محضا شاملا لكل أنشطتها ومراحلها تاريخيا و معرفيا، كما لا يتضمن التعقب المفصل للانتقادات المتنوعة لها و الرد عليها تعصبا و تحزبا، لأنها أظهر من أن يدافع عنها بهذا الوجه، وأوسع من أن يحصر الكلام عنها في مبحث أو كتاب، كما أنها أعمق جذورا من أن تقتلعها تذؤبات الرياح و إيهامات السراب، لأنها أصيلة النسب و النسبة. سليمة الوسيلة و الغاية، تتكامل فيها الشخصية و المنهج بالذوق و الوجدان و العلم والعرفان .

و من هنا فمقصودنا بيان حقيقة لا غير، بتصريح و تلميح، و تحليل
و تعليل، و مناقشة و تدليل، ليس على سبيل الدعاية و الرمي في عماية، وإنما عن فقه و علم و استبصار تتحد عنده وحدة الغاية و مسلك الهداية وهذا البيان نابع عن معايشة صادقة و مستغرقة في رحاب الطريقة و أهلها، استغراق شعور و سلوك، و فكر و ذكر، و نسب و نسبة.

 

 

و قد عنونت هذا الكتاب ب:

" الطريقة القادرية البودشيشية " (شيخ و منهج تربية )

قسمته إلى مقدمة و مدخل و فصلين، تحت كل منهما مبحثان .

الفصل الأول: التكامل في شخصية الشيخ بين العالِمية و المنهجية العملية .

الفصل الثاني: الخصوصيات الروحية و السلوكية لشيخ الطريقة القادرية البودشيشية .

الخاتمة:

" . . . حتى إذا بلغ أشده و بلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن أعمل صالحا ترضاه و أصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك و إني من المسلمين " w

و هو الهادي إلى الصراط المستقيم .

تطوان في ليلة القدر المباركة من يوم الاثنين 27 رمضان 1418 هـ
الموافق ل 26 ينايـر 1998 م.

 

 

 

 

 

 

 

 

الطريقة في مدخل بين الجهاد و المجاهدة.

 

1 ) لكل حركة سكون، و لكل زمان مكان كما لكل طريق مدخل و بداية.

هذا هو حال الوجود الممكن بعناصره المرئية و غير المرئية، الثابتة
و المتغيرة. يظهر ثم يختفي، يعلو ثم يدنو ويرنو، يشذو ثم يحذو، يتحرك ثم يسكن . . أعراض متكررة و متنوعة، و سبب عند سبب، و يسير الكل في ركب الوجود، خضوعا لسنة الله في خلقه و مسبب الأسباب " فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا"

لكن مما ينبغي أن يلاحظ على هذا الوجود هو أنه بثوابته و متغيراته يخضع لقانون الحق، و يستسلم لنظامه و مقتضياته "ربنا ما خلقت هذا باطلا " فالثابت حق و المتغير حق، و قد يصبح الثابت متغيرا و المتغير ثابتا، كما يصبح السالب موجبا و الموجب سالبا، بحسب مقتضى الحق و لازمه، كما يقول الله تعالى "إنا كل شيء خلقناه بقدر" و " يزيد في الخلق ما يشاء" و " نحن خلقناهم
و شددنا أسرهم و إذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا" "و " يخلق ما لا تعلمون" . .

و الطريقة القادرية البودشيشية من ثوابت الحق مضمونا و غاية، و من متغيراته أشخاصا و أنماطا، لكنها تبقى بهذا الوجه امتدادا للأصل الثابت جوهرا ومظهرا، و متصلة بحبله اتصالا موثوقا و مرموقا، لأنها طريقة صوفية سنية إسلامية، جمعت الثوابت الحسنى للحق في وصف واحد، كما أنها تسمو الى تحقيق الغاية القصوى من تكوين الشخصية الإسلامية السوية، جمعا بين ثلاثة عناصر ثابتة أيضا و هي: الفقه و العقيدة و السلوك، سنية في سنية، على وجه التكامل والتعاضد و التصاعد، كما يقول ابن عاشر عن المذهبية الإسلامية للشخصية المغربية في التاريخ:

 

في عقد الأشعري و فقه مالك و في طريقة الجنيد السالك

 

فالطريقة متكاملة السند في شرف النسب و النسبة، إذ من جهة النسب فإن شيخ الطريقة الحالي هو: سيدي أبو جمال حمزة بن الحاج العباس بن المختار القادري البودشيشي.

و لد سنة 1344 هـ / 1922 م بقرية مداغ من إقليم بركان بشرق المغرب،
و ينتهي نسبه الى الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني، نسبة الى الحسن بن علي و فاطمة الزهراء بنت رسول الله [ص] ، و هو نسب موثق و ذو سند متصل اتصال استفاضة و اشتهار و تدوين.

و أما من جهة النسبة فإن الطريقة تلتقي روحيا عند الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني بسنده الى مولانا رسول الله [ص]  ، و سلسلة هذه الطريقة نسبا ونسبة شجرتها موجودة عند الشيخ سيدي حمزة، و هي مسرودة ومدونة في الجزء الخامس من معلمة المغرب لمن أراد الإطلاع عليها، و من هنا فالطريقة قادرية نسبا ونسبة، و أما لقب بودشيش فليس سوى نسبة لأحد الأجدادا القادريين لقب به عرضا، و ألصق بالخلق غرضا، لحسابات وخلفيات ذاتية من بعض الجهات كما فهمته من كلام شيخي، و إلا فالأصل الأعلى الذي تنتهي إليه الطريقة كنية ولقبا، و نسبة و نسبا: هو القادري الحسني (العلوي، الفاطمي) المحمدي.

و فيما يخص التاريخ المختصر و القريب لسلالة الشجرة القادرية البودشيشية في مجال الجهاد و المجاهدة المؤدية إلى الولاية و الصلاح، فإن الشيخ سيدي المختار بن محيي الدين بن المختار لا تخفى أخباره وأحواله على أهل شرق المغرب و خاصة في منطقة بني يزناسن، بركان ووجدة و أنجاد . . .كما أنه لا تزال صورة اعتقاله من طرف المستعمر الفرنسي ماثلة في بيوت أحفاده و مسجلة في مدونات المؤرخين للمنطقة باللغتين العربية و الفرنسية، وتمثل شهادة حية و ناطقة عن بطولات هذا الرجل و مواقفه الوطنية عمليا و ليس مجرد شعارات و ادعاءات.

و لقد قرأت في بعض المطبوعات باللغة الفرنسية الخاصة بالتأريخ للمنطقة و بصورة عابرة أن اعتقال السيد المختار المتوفى سنة 1914 م لم يتم إلا بعد أن عمد المستعمر إلى حرق ممتلكاته و إتلاف أمتعته و إهلاك ماشيته. ويظهر الشيخ سيدي المختار في الصورة و هو جالسا القرفصاء وبجانبه فرسه و على مقربة منه أحد الجنود الفرنسيين و إلى الجانب الآخر من واد قد يسمى "عين مرجية" بجبل أغبال أحد جبال بني يزناسن، تبدو ملامح طابور من الجنود الفرنسيين يراقبون اعتقاله، و ذلك في انتظار قدوم الجينرال اليوطي، على مقربة من خوانق أغبال.

و لقد كان من بين أسباب أسره تخلي بعض أهالي المنطقة عن مساندته، و ربما خذلوه بأسلوب أو بآخر، مما كان أسره عاملا حاسما في القضاء على مقاومة التدخل الفرنسي في هذه الجهات، و إلا فكما يحكي عنه ثبوتا، أنه لم يوقف جهاده و توظيف ماله من عتاد، رغم أن هدنة كانت قد تمت بين السلطان عبد العزيز و القائد الاستعماري من جهة الشرق آنذاك إلا بعد أن توصل بالأمر السلطاني مباشرة و بخط مكتوب، لأنه كان لا يهادن المستعمر الغازي، و لا يعترف مواطنة سوى بالسلطة الشرعية و الممثلة حينئذ من طرف السلطان عبد العزيز.

و عند هذه الصور الدقيقة التاريخية تنبغي الإشارة كرد على بعض المموهين حينما ينعتون الطرق الصوفية جملة بالموالاة للاستعمار إلى أنهم يعمدون الى أسلوب ذاتي وهمي مبتذل من نمط: النقطة السوداء في اللبن الأبيض، بحيث أن تلك النقطة حينما تسقط في اللبن الأبيض تصرف بعض المرضى نفسيا و فكريا عن تناوله فيفوتون بذلك على 

همنفسهم منافعه رغم أن

م محتاجون إليه غذاء و دواء، و ذلك لأنهم يعانون من انعكاسات شرطية و همية لا غير.

فالطريقة القادرية البودشيشية لم توقف مقاومتها للمستعمر سواء قبل الحماية أو عندها، و قد تنوعت بتنوع الظروف و مقتضى الجهاد و حال البلاد، كما أنه ينبغي التمييز جيدا لغة و مضمونا بين مفهوم الموالاة والمداراة، و كذا بين العمالة و المعاملة. إذ الموالاة و العمالة تعني التواطؤ مع المستعمر ضدا على المصلحة الوطنية و هذا منفي قطعا عن الزاوية القادرية البودشيشية، طريقة وأفرادا، أما المداراة و المعاملة فهو جهاد الحكماء و المخلصين من الوطنيين في درء شر المستعمر و تفادي بطشه وإقباره لأية نواة جهادية تتخذ لها مركزا وزاوية مستقرة تلجأ إليها و خاصة في الحالة التي يحكم فيها العدو قبضته على البلاد، و يصبح مراقبا مباشرة للمؤسسات الدينية و الوطنية. و من هنا فتكون مقاومة غلبته المرحلية حينئذ بالحيلة و التضليل عند مطاردته للمجاهدين، و تحين الفرص للانقضاض عليه في حالة ضعفه أو غفلته، و هكذا كان حال الزاوية كمؤسسة بارزة مقرا و بناية، جهاد في السر و مراوغة في العلن، و دون الإخلال أو المس بالأصول و المبادئ الإسلامية و الوطنية، أما كأفراد فكان الجهاد المؤكد حركة بالسلاح و الانخراط في صف المقاومة الوطنية العامة.

و من هنا فالطريقة القادرية البودشيشية تبقى هي اللبن الأبيض الذي لم تنزل عليه نقطة سوداء سواء في الماضي أو الحاضر مهما حاول الإساءة إليها بعض المشبوهين من الغوغاء أو ذوي الخلفيات السوداء، لأنها كانت و ما زالت معبرة عن مقاومتها و وطنيتها بالصورة و الحركة وبالعمل و البركة، كما يحكى عن الشيخ سيدي المختار في جهاده و سلوكه كرامات تدخل في حكم الولاية والجهاد الأكبر و هو الذي أكسبه توقيرا و احتراما كبيرا لدى أهل منطقة بركان وضواحيها، و هي كرامات كانت ناتجة عن خصال الكرم و السخاء الكبير، الذي تميز به الشيخ المختار، و الذي كان فيه صلاح كثير من الناس على يديه.

 

2 ) إن هذه الروح الجهادية و الكرم بشقيه المادي و المعنوي سوف لن يقتصر على السيد المختار بن محيي الدين، بل إنها قد سبقت في أجداده وامتدت الى أحفاده و ما زالت . .

فسيكون شيخنا سيدي حمزة بن العباس بن المختار من أبرز الممثلين للجهاد كمقاومة مسلحة و للمجاهدة كمداومة مصححة، حتى إنه قد انخرط عمليا في جيش التحرير كما صرح به نفسه. و قد تقلد لفترة وجيزة منصبا إداريا لم يكن يعترف عند مزاولة مهامه فيه سوى بالسلطة الشرعية المغربية المتمثلة في الأمر السلطاني، و كان يرفض التواطؤ أو الولاء للمستعمر بأي وجه أو مبرر. كما كان يحمي المقاومين و يتستر عليهم، بعد ذلك كان متفرغا لأعماله التعبدية و العادية بجانب والده سيدي الحاج العباس بن المختار الذي كان بدوره مجاهدا بأسلوب متميز و متناسب مع وضع البلاد و مقتضى حال الدعوة و رعاية لمصلحة الزاوية في فتوتها، بإيعاز من شيخه سيدي أبي مدين بن المنور القادري البودشيشي المتوفى سنة 1375ه - 1955 م، و هو ابن عم سيدي المختار جد شيخنا و الذي كان ورعا جدا لم يستطع ملازمة خدمته بصبر و ثبات حتى نال منه ما كان يكتنزه من معرفة و تحقيق سوى شيخنا و ابيه اللذين انتقلت إليهما الوراثة التربوية والروحية على استحقاق و جدارة، و تكامل بين التربية بالحال
و المقال. فتقدم الأب لسبقه الزمني، و تبعه الإبن بتصديقين معا: تصديق لشيخه وتصديق لأبيه.فكانت وراثته قوية جدا، لأنه نال الإشارة بمراقي السلوك من شيخين في رحلة واحدة، فظهر فضل الوراثة عنده بظاهرتين متكاملتين هما، ظاهرة الجلال و الجمال، و هو ما تحتويه في معانيها الصلاة الجمالية و هي الصلاة على النبي
[صلى الله عليه و سلم] مختارة كشعار للطريقة، لأنها مسلك الكمل من الرجال وملجأ الآتين من صلحاء الأجيال "و ورث سليمان داوود".

و لسنا الآن بصدد سرد تاريخ مفصل عن الواقع الجهادي و مظاهر الولاية و الصلاح الموروثة في العائلة القادرية البودشيشية و إنما هي مجرد لمحة و مدخل عام يريد أن يزيل نسبيا بعض الأغشية عن العيون الرمدة التي لم ترد أن تسلم بصفاء السماء التي تفرعت إليها شجرتها روحيا و سلوكيا و علميا، رغم أن الشواهد ثابتة و الدار قائمة و عامرة، و السائل عنها لا ينهر!

و إذا كان موضوع الجهاد و الكرم و المجاهدة في العائلة القادرية البودشيشية و ترسخه في وجدان و مواقف سلفها و خلفها لا يمكن أن يجحده إلا جاهل بالتاريخ المغربي الحديث أو متجاهل له، و أخص منه جاهل بتاريخ شرق المغرب و دور رجاله في مقاومة المستعمر الفرنسي الغاشم و كل عدو للوطن وللمقومات الإسلامية للبلاد و الشعب المغربي بصفة عامة، فإن موضوع العلم هو بدوره يعتبر جهادا من نوع آخر ضد الجهل و التخلف و الغفلة و التعنف، نعرض لبعض جوانبه كفضيلة مميزة لشيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش و ذلك من خلال المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الكتاب.

       

 

الـــفـصـــل الأول:

 

التكامل في شخصية الشيخ

بـــيـــن

العالِمية و المنهجية العملية .

 

 

و يتضمن مبحثين هما:

   

المبحث الأول: عالِمية الشيخ سيدي حمزة بين التحصيل و منهجية

التوصيل.

المبحث الثاني: فقه الأذكار و منهجية التلقين عند الشيخ.

 

المبحث الأول: عالِمية الشيخ سيدي حمزة بين التحصيل و منهجية التوصيل.

    

أولا: مظاهر التحصيل العلمي عند الشيخ .

 

كبيان للحضور العلمي عند الشيخ سيدي حمزة يمكن تصنيفه مبدئيا إلى نوعين حسب إطلاعنا المتواضع على ظواهره و هما: علم الشريعة والاصطلاح القائم على الحفظ و التفقه و التفكر و الاستظهار، و علم الحقيقة و السلوك المرتكز على الحال و الوجد و الانتقال الروحي من مقام إلى آخر ارتقاء و صفاء.

                                                                          

1 ) العالِمية و تحصيل النشأة عند الشيخ.

 

و نبتدئ بالعلم الأول المشترك بين غالبية علماء الأمة الإسلامية للتأكيد على عالِمية الشيخ اصطلاحا و تحصيلا، فنقول بحسب علمنا عنه وبه: أنه قد حفظ القرآن الكريم و تلقى علوم الشريعة الإسلامية بزاوية أسرته العريقة أولا، و التي كان من برز فيها على مستوى التحصيل و التفقه عمه سيدي المكي بن المختار، إذ كانت له مواقف علمية و مناظرات سمعنا بعضا منها عن شيخنا سيدي حمزة نفسه، كما خلف بعده مكتبة علمية اطلعت على بعض كتبها في منزل ابنه سيدي عبد الحفيظ، منها المخطوطات والمطبوعات في الفقه و النحو و التصوف و ما إلى ذلك، كما أن شيخنا كان قد أخذ علوم الفقه و اللغة و النحو عن الفقهاء أمثال: أبي الشتاء الجامعي، ومحمد بن عبد الصمد التجكاني و علي العروسي اليزناسني و حميد الدرعي، ثم تابع التحصيل و التكوين بمدينة وجدة في المعهد الإسلامي التابع لنظام جامعة القرويين يومئذ، و أخذ فيه عن علماء منهم: أبو بكر بنزكري ناظر الأحباس و عبد السلام المكناسي و محمد بن إبراهيم اليزناسني، ومحمد الفيلالي و الحبيب سيناصر و منذ سنة 1940 م سيطلع شيخنا في زاوية أسلافه تحت إشراف العلامة سيدي محمد الكبداني بمهمة التدريس والتذكير في مختلف الفنون خاصة: علوم النحو و الفقه و السيرة النبوية.

و عند هذه النبذة الموجزة و التاريخية من جانب شخصية شيخنا العلمية نعطف على سرد بعض أوجه الممارسة التلقينية في المجال العلمي على مستوى الواقع و المعاصرة، و باعتباره مجددا في مجال أحوال القلوب و تصحيح السلوك بحسب مقتضى حال الدعوة في زماننا.

و هذه الممارسة دقيقة و مسددة بصورة بليغة، لا يفهم معناها مباشرة إلا من توافق تصديقه مع صدق الشيخ، و كان من أهل الطريقة مناسبة، لأن الطريقة في نظر شيخها هي التي تختار أتباعها لا أن أتباعها يختارونها ابتداء و إن كانت إر