almorid
اشترك في: 18 ديسمبر 2006
مشاركات: 57

|
تفسير الأحلام .. والمعرفة عند الصوفية
تفسير الأحلام .. والمعرفة عند الصوفية
لقد أسهبنا قليلاً في التعرض لمعنى المعرفة عند الصوفية لأننا وجدنا أن هذه المعرفة هي المفتاح لفهم علم الأحلام وتفسيرها عند الشيخ محمد الكسنـزان قدس الله سره .
كيف .. ؟!!
في هذا العصر صنف العلماء ، علم الأحلام ضمن قائمة ( علم النفس ) ، وأخذوا يدرسون هذا العلم ، ويجرون التجارب والاختبارات لمعرفة حقائقه وكل ما يتعلق به ، عسى ان يصلوا إلى فك ألغازه ، وحل طلاسمه ، فإلى ماذا وصلوا .. ؟
مدارس متعددة ، ونظريات متضاربة ، وآراء متعارضة ، ووقف العلم والعقل والتجربة عاجزاً أمام هذه الحالة الإنسانية التي لا تفرق بين جاهل وعالم ، أو صالح
و طالح ، أو كبير و صغير ... الخ .
الواقع ان التجارب والاختبارات في هذا المجال ، تجعل نظريات العلم أقرب إلى النظريات الفلسفية منها إلى النظريات العلمية ، لأن النتائج المستقاة من هذه التجارب تبنى بشكل أساسي على التصور والظن وليس على أمور حسية ملموسة .
ومن جهة ثانية ليس في التشريع الإسلامي ما ينص على ان الرمز الفلاني في الرؤيا يدل على كذا ، فلو رجعنا إلى أكثر من اشتهر بهذا العلم وهو ابن سيرين مثلاً لوجدنا ان ما من ضابط أو قاعدة محددة يتقيد بها المفسر في تعبير الرؤيا ، ومن ذلك ما يحكى أن رجلاً جاء إلى ابن سيرين يخبره عن حلم رآه حيث كان فيه يؤذن ، فقال ابن سيرين له : ( تقطع يدك ) ، وجاء إليه آخر يخبره عن حلم يماثل حلم الأول تماماً فقال له ابن سيرين : ( تحج ) .
وقد دهش الحاضرون لهذا التناقض بين التفسيرين مع ان الحلم واحد ، وسألوا ابن سيرين عنه ، فأجابهم بما معناه : إن الأول رجل تبدو عليه سيماء الشر ، والأذان الذي قام به في النوم يدل على انه سارق ، وسوف تقطع يده وذلك بدليل قوله تعالى : أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [7] . أما الرجل الثاني فتبدو عليه سيماء الخير ، وآذانه يدل على انه سوف يحج بيت الله الحرام بدليل قوله تعالى: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَج [8] .
فكان الأمر كما عبر عنه ابن سيرين في الحالين [9] .
ولو تأملنا هذه الحكاية لوجدنا أنها تدل على أمرين :
1. لا يوجد نص حتمي قاطع في تفسير الرؤيا عن رجال الدين ، كما هو الشأن في الحلال والحرام .
2. لا يوجد قاعدة محددة أو ضابط في التفسير فالأمر متروك لفراسة المفسر ومدى ربطه بين ما يرى ويسمع من الرائي وبين النص الديني أو العرف الاجتماعي.
بمعنى ان تفسير الأحلام ليس من العلوم الشرعية المقيدة بموازين أهل العلم الشرعي كموازين علم الفقه أو علم الحديث أو غيرها من العلوم الإسلامية .
لقد اعتمد ابن سيرين على نوع من المعرفة بنفسي الرجلين وعلى أساسهما فسر. وبناءاً على هذه المعرفة (الفراسة) وظف النصوص الدينية في خدمة المعرفة ، وليس العكس ، وهذا مهم جداً في ان تفسير الأحلام لا يعتمد على النص بقدر ما يعتمد النص على المفسر والتفسير .
الأمر هنا يشبه ما يقوم به العلماء المهتمين بالإعجاز العلمي للقرآن ، فهم لا يستنبطون الظاهرة الكونية من القرآن الكريم قبل حصولها ، بل ينتظرون العلماء حتى يكتشفوا شيئاً، ويأخذون ذلك الاكتشاف وينظرون في القرآن فيجدون ما يدل عليه أو يشير اليه فيقولون قد ذكر هذا في كتابنا قبل قرون .
إنهم يطوعون النص لصالح الاكتشاف العلمي الذي قد يدحض بعد حين ، ووقتها يجدون في القرآن ما يؤيد هذا الدحض ويدعم الاكتشاف الجديد .
مفسري الأحلام التقليديين ، يسيرون على هذا المنوال ، فهم لا يقرؤون في القرآن ويعرفون التفسير ، بل يسمعون من الرائي ويفسرون بحسب ما يرون ثم يلتمسوا ما يؤكده في الكتاب أو الحديث أو الخبر أو الأثر أو المثل .. الخ .
وهذا يعني أن تفسير الأحلام لا يعتمد على دليل علمي أو دليل شرعي بقدر ما يعتمد على دليل معرفي بحسب ما يرى الصوفية .
والمراد بالدليل المعرفي هنا هو الطريق إلى معرفة العبد لنفسه ، فهذه المعرفة توصله إلى معرفة التفسير أو التأويل المناسب لحلمه أو رؤياه ، بعيداً عن المنطق العلمي أو العقلي .
كيف ذلك .. ؟
هناك عوامل في العالم الكوني تؤثر في النفس البشرية ، وتنسخ فيها انطباعاتها ومؤثراتها ، وهذه الانطباعات الكونية المؤثرة في النفس ، تجد مدى أوسع للظهور حال النوم ، وظهورها في عالم النوم تحكمه قوانين خاصة ، وهي قوانين خارجة تماماً عن القوانين الكونية التي استنتجها علماء الطبيعة أو الفيزياء لحد الآن .
وكما أن من يعرف أو يكتشف قوانين الطبيعة يستطيع على أساسها تفسير الظواهر الكونية ، فإن من يكتشف قوانين النفس يستطيع ان يفسر الأحلام .
ولكن ليس الأمر على هذا الإطلاق كما يرى الشيخ محمد الكسنـزان قدس الله سره ، فلكل نفس قوانين خاصة بها ، ولهذا يصعب بل يستحيل وضع جدول أو معجم لحل رموز الرؤيا للجميع ، لأن ما ينطبق على فرد يختلف عنه للفرد الآخر بسبب اختلاف القوانين أو الأحوال النفسية لكل فرد من الأفراد .
إن معرفة الشخص لنفسه - عند الشيخ محمد الكسنـزان - هي السبيل الأمثل لحل رموز عالم الأحلام بشكل يقيني لذلك الشخص ، لأن هذه المعرفة تعني إطلاع ذلك الشخص على خفايا نفسه وعلاقة تلك الخفايا بالعالم الكوني ، وبالتالي يستطيع معرفة معنى ما يرى في المنام . فقد يرى احدهم رؤيا نتيجة تأثره بحادثة معينة فيفسرها بما يتناسب وتلك الحادثة ، وربما يرى مثلها في وقت لاحق فيفسرها بغير التفسير الأول لأنه يكون عارفاً بنفسه أن حاله أثناء هذه الرؤيا غير حاله في الرؤيا الأولى .
وهنا ينبغي التذكير ان الطريق إلى معرفة النفس هو نفس الطريق إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، ولقد اشتهر بين الصوفية الحديث القائل مَنْ عَرفَ نفسهُ فقد عَرفَ ربهُ [10] فطريق المعرفة واحد ، ونتائج المعرفة - بالنسبة للعبد - واحدة أيضاً .
الهوامش:
[1]- الكهف : 65.
[2] - البقرة : 282 .
[3] - أخرجه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، في كتاب الرقاق - حديث رقم 6021 .
[4] - النور : 35 .
[5] - السيد الشيخ محمد الكسنـزان – الطريقة العلية القادرية الكسنـزانية – ص 82 .
[6] - البقرة : 31 .
[7] - يوسف : 70 .
[8] - الحج : 27 .
[9] - ابن سيرين - تفسير المنامات الكبير – ص 8 .
[10] - أنظر : كشف الخفاء - ج 2 ص262 - حديث رقم 2532 .
المصدر : من كتاب الرؤى والاحلام في المنظور الصوفي - أ.د. الشيخ نهرو الشيخ محمد الكسنزان الحسيني
|