

الـدكتور :
محمد
بنيعيـش
******
بسم الله الرحمن الرحيم
)قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون.
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ماملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، ولا يضربن بأرجلهن ليعلم مايخفين من زينتهن، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (
صدق الله العظيم
(سورة النور آية 30-31)
و بناتي الطاهرات العفيفات
وإلى كل امرأة مسلمة تنشد النور في صفاء الإيمان
وتـتـزيـى بجلـبــاب الحــيــاء لتحصيــل الإطمئنــــان.
بسم الله الرحمن الرحيم
وآله الطاهرين وسلم تسليما.
الحمد لله الذي جعل الحاجبين جمالا للوجه وسترا للعينين، إذ لولا قيمة ونفاسة العين لما كان لها حاجب وساتر، ولولا وجود الحاجب لما كان للعين جمال وتجدد قوة في الاستمتاع والاستفادة من المناظر.
فحاجب العين يكسبها مناعـة وجمالا، لأنه من جهة لا يجعلها مبتذلة ببروزها الشفاف عند الإبصار، ومن جهة يحفظها من وقع الصدمات ومن العثار وشتى الأضرار.
ومن هنا فلم يسم الحاجب حاجبا في أغلب الظن (مأخوذا من مادة حجاب) إلا لدوره في حجب العين عن الوقوع في المعاطب، والاسترسال في النظر بغير مراقب، وذلك لكيلا تتعرض للعمى والكلال والتيه والضلال لأنها شديدة الحساسية والتأثر والإنفعال... والمرأة من هذا المثال قياسا تعد أم العين وعدستها التي لاتعوض بثمن، وخاصة حينما يصيبها العشي أو العمى والرمد، بسبب الإهمال وغياب الحياء وصالح الأعمال، كما أن الحجاب بالنـسبـة إليها يكون الحاجب الذي يزيدها وقارا وبهاء إذا وظف بشروطه الشرعية.
فالحجاب له وظيفته الجمالية والوقائية وذلك لخاصية المرأة الانفعالية الغالبة عليها، وهو انفعال الحنان والمحبة، إذ أن هذه الخاصية لاتـزيدها في نظر الرجل إلا قيمة وحرصا على صيانتها، وذلك بسترها عن كل مايحول انفعالها الإيجابي الى انفعال سلبي، ربما قد يصبح بصورة شاذة منقلبا ومتحولا نحو الوضع الفاعلي إن هو وظف بغير طريقه الشرعي، وبصورة مفرطة ومتطرفة كما هو عليه حال أغلب المتبرجات في عصرنا، حتى ليكاد يخيل للمرء أن الأرض أصبحت عبارة عن كومة مغناطيسية تحمل فوقها مجموعات شحنات كهر-شهوية.
ولاينبغي للمرأة أن تنظر الى وصفنا إياها بخاصية الإنفعال كعنصر سلبي يحط من قيمة شخصيتها وإدراكاتها، ولكن على العكس من ذلك، فهو يمثل قمة الإيجابية بالنسبة إلى وجودها نفسا وجسدا ووظيفتها في المجتمع أما وزوجة.
وتظهر هذه الإيجابية في تمثيلنا للمرأة ووظيفتها في المجتمع بوظيفة العين وفضلها على سائر الأعضاء البارزة في الجسد، حيث لاملاحظة لبروزها وأشكالها إلا من خلال العين.
فلو كانت السلبية والايجابية تقاس بالفاعلية والانفعالية لكانت العين تعتبر من أخـس الأعضاء في جسم الإنسان، لأنها أشدها تـأثـرا وانفعالا بالأشعة والحرارة أو البرودة والحموضة ، بينما العكس هو الحاصل في تثمين العين وتسعيرها حيث لاتقدر بثمن، لأنها أعز من أن تثمن وأغلى من أن يحتويها سعر ولو خيرت بمال الدنيا كلها.
فالحاجب لايكتمل دوره إلا من خلال الأشفار والأهداب المرتبطة به عضويا والمحددة به شكلا ووظيفة، كما أن حجاب المرأة في الإسلام لايكتمل معناه حتى يوصل شكله بمضمونه، وخاصه بعامه ومطلقه بمقيده .
فهو إما حجاب خاص بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبناته، وإما حجاب عام ملزم لنساء المؤمنين وبناتهم.
ونحن في هذه الدراسة لن نقتصر على الحديث عن حجاب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه المصطلح أصلا، لأنهن قد طبقناه تطبيقا، وبقين المثال الأعلى والقدوة الأطهر في باب الحجاب والإلتزام بأمره ومايقتضيه من الآداب، بدون تأويل ولاتعطيل أو انصراف عنه بتبرير.
ومن هنا سعينا الى دراسة الحجاب من جهة الأمر الشرعي العام باعتباره جنسا تندرج تحته أنواع ، تجمع مابين المكوث في البيت والنقاب والجلباب والخمار، قد تتفاوت درجات تطبيقاتها بتفاوت الضرورة الداعية اليها عموما وخصوصا ، تقييدا وإطلاقا.
إذن فلامشاحة في الإصطلاح ان كان المعنى مفهوما والمقصد واضحا، لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني، فقد يكون حجاب بـلاستـر وقد يكون ستر بغير حجاب، أو يكون ستر وحجاب، وهذا من كمال المصطلح والمضمون. لأن مصطلح الحجاب أدق في المعاني من مصطلح الستر رغم أنـه مرادف له. إذ كل حاجب ساتر وليس أن كل ساتر حاجب،
]وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالآخرة حجابا مستورا[.
ولهذا فضلنا عنونــة الكتاب ب (حجاب المرأة وخلفيات التبرج في الفكر الإسلامي) حتى يتناسب العنوان مـع مضمون البحث وغايته.
إذ أن هذا الكتاب محاولـة لدراسة موضوع الحجاب في بعده الروحي والسلوكي ، وهو مرتكزعلى قواعد إسلامية تعالج أعماق النفس الانسانية، وتحدد السلوك البشري تحديدا علميا ورصينا، خاليا من الغلو والتوهم، ومن التشدد والتبرم أو من السطحية والترسم، وهذه القواعد أنتجت فكرا إسلاميا سليما، يرصد السلوك رصدا صادقاويزاوج بين ملاحظة الداخل النفسي ومعطى الخارج الاجتماعي والكوني، فتعاونت الذاتية الصادقة مع الموضوعية الواقعية في صياغة نظرياته تعاونا موحدا لايهدر حق هذا على حساب ذاك إذ الحق هو المطلوب مبدأ وغاية.
وقد جاء هذا التأليف بعد تأن وانتظار طويل، وبعد ملاحظة وسبر علمي وميداني لخلفيات التبرج وسلبياته، متسم بالصبر والحياد وعن قرب شديد من أحداث المجتمع الإنساني عموما والإسلامي خصوصا مع تغيرات بعض أنـماطـه الـسلوكية وانحداراتها.
وبعد استقراءات لمختلف أقوال الناس ومظاهر سلوكهم وتحولاتهم وتبريراتهم، وجدت من يبرر خلع الحجاب أو سترة الرأس والتساهل بتقارب الأنفاس بين الجنسين في شتى مرافق الحياة الاجتماعية، إما بمبرر الجهل بالحكم الشرعي، أو عدم تقدير الاثارة الغريزية من جانب الشهوة لدى كل من الرجل أو المرأة، أوبالتجاهل عن طريق سلطة العرف والعادة في البيت والمدينة والسوق والمدرسة والنادي، والمواسم والحفلات وشتى المناسبات...
كما قد يوجد من يبرر التبرج ولواحقه بوهم تهذيب الغرائز وترويضها على أساس مناقضة مقتضياتها، وقد يبرر بما هو أكثر تناقضا وذلك بزعم الحرية الشخصية في اللباس والسلوك والتعبير وبخلع الحواجز بين الجنسين دون تحفظ كمنفذ للاباحية والانحدار في درك البهيمية ورحاها الدورية والمؤدية للكلل والغثيان...
وقد سلكت في هذه الاستقراءات دراسة منهجية تعتمد على التحليل الموضوعي لكل خلفية، وهو تحليل قائم على قواعد علم النفس الاسلامي الذي يستند على النص القرآني والحديثي بالدرجة الأولى، ويفسر بالنصوص التراثية في الفكر الاسلامي دون استدعاء للحيثيات المذهبية ومواطن اختلافاتها. لأن موضوع الغيرة والشرف ونقاء الأنساب وصيانة الأعراض تعد من أهم المواضيع التي تم الاتفاق عليها مبدأ وغاية لدى جل المفكرين المسلمين، من فقهاء ومتكلمين وصوفية وحتى ذوي النزعات الفلسفية...
وهذا التفسير بالتراث عضدته بتفسيرات عصرية ترتكز على مبدأ وحدة العلوم الخادمة لوحدة العقيدة والسلوك لدى المسلمين، إذ الوحدة قائمة بين العلوم النظرية الصحيحة والعلوم التطبيقية، والانسانية الحية والمادية الجامدة، والروحية التجريدية والسلوكية المتحركة والظاهرية. لأن الأصل في الوجود واحد وهو الحق الذي لا تتناقض سننه الشرعية مع سننه الكونية :
]ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا[ صدق الله العظيم.
وقد قسمت هذا البحث الى ثلاثة فصول وهي:
الفصل الأول : البعد التوحيدي لحجاب المرأة في الفكر الإسلامي.
الفصل الثاني : بواعث التبرج بين خلفيات الجهل والتجاهل.
الفصل الثالث : التبرج بين خلفيات الشذوذ السلوكي والنفسي.
الخـــاتمة
)سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا(
)إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم(.
والله ولي التوفيق.
د : محمد بنيعــيش.
في الفكر الإسلامي
تـمـهـيــد ذوقــي:
|
فسبحان من أعطى الوجود بجوده |
** |
وقسمـه قسميـن للكشف والحجـب. |
|
فـأشهد ذا فضـل وسبق عنايـة |
** |
وأوقف ذا خلـف الحجاب بلا ذنـب |
|
فقـف وتأدب واتعظ ثم ولا تـقل |
** |
حجـبت بلا ذنـب وهذا من الذنـب |
|
ألا إنمـا العقبـى لمن بـات سره |
** |
يرى البعد والتقريب في الذنب والعتب[1] |
|
لقد ظهرت فلا تخفى علــى أحد |
** |
إلا علـى أكـمـه لايعرف القـمرا |
|
لكن بطنت بما أظهرت محـتجبا |
** |
وكيـف يعـرف من بالعزة استتـرا |
- تشوفك الى مابطن فيك من العيوب خيـر مـن تشوفك الى ماحجب عنـك من الغيـوب.
- الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عـن النظر إليه، إذ لو حجبـه شئ لستره ماحجبه، ولو كان لـه ساتر لكان لوجوده حاصر، وكـل حـاصـر لشئ فهو لـه قاهر وهو القاهر فوق عباده.
- إنما حجب الحق عنك شدة قربه منك .
- إنما احتجب لشدة ظهوره وخفي عن الأبصار لعظم نوره.
وهذا الفصل قسمته إلى مبحثين كالتالي :
المبحث الأول: الأصل العقدي للحجاب والغيرة في الفكر الإسلامي.
أولا: حـجاب المرأة بين الذاتية السياسية والاعتبارات الموضوعية
حينما يدرج موضوع ديني في لعبة ذاتية تتيه حقيقته ويشتبه على العامة وأصحاب النظر السطحي أمره، خاصة إذا كانت هذه اللعبة مزايدة سياسية أو عنصرية متخلفة طاغية، أو ذات طابع تعصبي ليس له من وظيفة وغـاية سوى إقصاء أو إسكات الآخر حتى لايصبح طرحه هو الجالب للأنظار والمحرك الأولي للالباب والأبصار .
1/ ملخص تناقـض العلمانــيـيــن فـي رفض حـجاب المـرأة.
وحجاب المرأة المسلمة يعد من أبرز المواضيع التي استهلكت فيها الأحكام الذاتية استهلاكا، وتاه الناس في تحديد أبعادها تيها،وذلك لأن الغالبية ممن تعرضوا لهذا الموضوع تنظيرا أو تطبيقا قد أسقطوا أحكامهم بشكل انشطاري محض، إما من باب القياس الذاتي القائم على المماثلة المغلوطة من خلال الملاحظة الداخلية، وإما من باب قياس المماثلة المغلوطة أيضا من جهة الملاحظة الخارجية الناقصة، فلم يتعاون الداخل مع الخارج وبالتالي أسقطت الاحكام على موضوع حجاب المرأة. أبرزها ذات منطلقات سياسية وكذا اقتصادية واجتماعية عرفية وعصبية بائدة محضة...
فالغربيون في عصرنا مثلا رغم ادعائهم المزعوم بأنهم ذوو اتجاهات سياسية ديموقراطية لم يسعهم إلا أن يخترقوا قواعد اللعبة بشكل مكشوف، رغم أن ذلك يضر بسمعتهم الإدعائية فيما يتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان التي يزعمون حمل لوائها ومناصرتها.
ومن هنا فقد تناقضوا مع أنفسهم سياسيا واجتماعيا بل حتى تقنيا وفيزيائيا كما سنرى. إذ من أبرز هذه التناقضات السياسية والإجتماعية لديهم رفضهم للحجاب عند المسلمين مع إبقائهم أو سكوتهم عن حجاب الراهبات في كنائسهم ومزاولتهن لأعمالهن به خارجه