جريدةالإشارة

في الحوارالعالي السؤال السلفي الصوفي

العلماء بالله والعلماء بأحكام الله عند ابن رشد الجد

الحرية بين مطالب الفلاسفة ومقاصد الصوفية

الســؤال السلفـي الصـوفي

الطريقة البودشيشية في الحياة العامة

التصوف ''دعوة '' لا مواجهة

السيادة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وأوجه موافقتها للسنة

شرعية الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف

مع مقاربات التصوف وقفة مع المقاربة اللغوية - المصطلحية

من الأمن الروحي إلى الأمن الحضاري

 

الإشارة عدد 26

في الحوارالعالي السؤال السلفي الصوفي

يتناول هذا الحوار جملة م ن القضايا لاستكناه رأي العلماء والمفكرين المسلمين في التصوف، دون اعتبار لحدود الزمان والمكان، لا يلتزم إلا بالبحث عن الحكمة أنى كانت، دون النظر إلى قائلها، لذلك ينتقل بين الآراء المبثوثة في ثنايا الفكر الإسلامي ساعيا للكشف عن الرؤية السليمة للتصوف ومنهجه .

 

التربية الصوفية:

سؤال: هل يمكن بيان أساس النهج الصوفي في تربية الأجيال!

جواب: '' تأثيرات النفوس بعضها في بعض أمر لا ينكره حس سليم ولا عقل مستقيم، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك، وسيما عند تجردها نوع تجرد عن العلائق والعوائق البدنية، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك وسيما عند مخالفة هواها وحملها على الأخلاق رذائلها وسافلها''.

''والمقصود أن درجة الصديقية والربانية ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هي أفضل درجات الأمة، ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كل عمل بتعليمهم وإرشادهم، أو علم غيره شيئا من ذلك كان له مثل أجره ما دام ذلك جاريا في الأمة على آباد الدهور، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب : ''والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم''، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ''من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا'''' -ابن القيم-

سؤال: ولكن ألا يكفينا في مجال التربية الروحية الإصلاحية الاقتصار على النظر في النصوص الشرعية، دون الالتجاء إلى اتباع شيخ مربي؟

جواب: إن الرجوع إلى النصوص الشرعية واجب على كل مسلم، خصوصا فيما يتعلق بمقام الإسلام والإيمان، ولكن عندما يتعلق الأمر بمقام الإحسان فإننا نحتاج إلى منهج سلوكي وتربوي لا يكفي فيه إعمال الفكر في النصوص الشرعية، وإن كان لا شيء من أمر المكلف يخرج عن هذه النصوص، ولكن الفكر وحده لا يستطيع الوصول إلى ما يتعلق بالتربية الروحية، فأمرها يتعلق بتحقيق مناط خاص، ''وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها'' -الشاطبي-

سؤال: ولماذا لا نعتمد المنهج المتبع في العلوم الكسبية دون الالتجاء إلى الكتب المؤلفة في التصوف والأخذ عنها؟

جواب: إن الكتب المشار إليها محشوة بالحكايات عن أرباب الأحوال الذين ملكتهم الأحوال، وأرباب الأحوال الذين ملكوا أحوالهم، وأكثر ما تحتوي الكتب على القسم الأول، والمملوكون للأحوال لا يقتدى بهم ما داموا كذلك، ومن اقتدى بهم خرج عن الطريقة المثلى وخيف عليه الانقطاع، وهو الغالب فيمن اتبعهم، إذ هناك صار الناس حين اتبعوهم فرقا، فمنهم من اختل جسمه حتى تلف أو كاد، ومنهم من تلف عقله أو كاد، ومن من شاذ الدين بما لم يأذن الله فغلبه ومنهم من يأس من روح الله في السلوك أو كاد ومنهم من كان على طريقة خير من علم أو عمل فانقطع عنه لعارض رياء أو عجبا أو حب دنيا أو جاه ولم يتحقق

ومنهم من أساء ظنه بالطريقة وأهلها وكذب بها، إلى غير ذلك من الأمور العارضة التي لايزيلها النقل عن كتب التصوف بل يثيرها، وهذه الأمور لا يدرك كنهها إلا أربابها ولم نر فيمن تقدم أو تأخر من ثبت تحت إبالة شيخ سني محقق اتفق له شيء من هذا -ابن خلدون-

سؤال: هل يمكن توضيح الأمر أكثر؟

جواب: ''إن الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق أجمعين وإن كان واحدا في نفسه، فكل سالك يليق به من التربية ما لا يليق بغيره، والأحوال والمواجد والواردات والمواهب والعلوم واللقاءات، والعوارض في السلوك تختلف بحسب الأشخاص والأحوال، والبداية والنهاية، والقوة والضعف، وسبيل سلوكهم غير متفق، فقد يكون الرجلان على وزن واحد في العلم والعمل، وترتيب الرياضة، ويعرض لهما عارضان مختلفان، فيحتاجان إلى دواء مختلف، إن جعل واحدا لم يصلح، أو متحدان، إن جعل مختلفا لم يصلح، ويعرض لهما عارضا مختلفا، فيحتاجان إلى دواء مختلف، إن جعل واحدا لم يصلح، أو متحدان، إن جعل مختلفا لم يصلح، ويعرض لهما العارض المتحد، فيصلح لأحدهما من العلاج ما لا يصلح لآخر، وترد على كل واحد منهما الأحوال والمواجد والإلقاءات متفقة ومختلفة، فيفرق الشيخ بين مؤتلفها، ويجمع بين مختلفها بحسب ما أراه الله، هذا فيما يعرض له في التخلق والتحقق معا، التحقق بالتوحيد أشد وأحرى و لا يكتسب الدخول فيه من كتاب، بل تحت شيخ خاض بحر التوحيد ثم وقف على ساحله يدعو إليه، وشأن هذا السلوك أعظم والتحرز فيه أتم، والعوارض الطارئة على سالكه أقوى وأدهى وسائر ما يذكر من الفرق في هذا النمط، إنما أصل هلاكهم السلوك في هذا الطريق من غير شيخ محقق عارف، أو الخروج عن نظره فيه فالاحتياج فيه إليه كاحتياج الجسد إلى الغذاء، ابن خلدون

سؤال: إذن كيف يمكننا أن نميز بين دورشيخ التربية ودور شيخ الفتوى العلمية؟

جواب: إن شيوخ الطريقة شيوخ تربية وارتياض ودلالة على أحوال معاينة، خارجة عن الاختيار، ليست من قبيل المحسوسات ولا العلوم المتعارفة، وشيوخ الفتيا وحملة الشريعة شيوخ نقل وإبانة إخبار عن كيفية عمل داخل تحت القدرة (واللازم على المكلف بالنسبة للفريقين اعتقادا) '' وجوب الحق لهم وتعظيمهم واتباع هديهم'' ابن خلدون.

جواب: ''أما القول بأنها ''شريعة ثانية فتشنيع من القول إنها طريقة خاصة مغايرة لطريقة الشرع العامة، عثر عليها الصديقون واقتفوها حرصا على الدرجات العلى، وعلموا بعد ذوق معانيها ووجدان مداركها كيف تتعلق بها الأحكام الخمسة، وألقوا فهم ذلك لمن خاض لججهم، وعبر بحار ذوقهم فهي مندرجة تحت الأحكام الخمسة اندراج الخاص تحت العام، لكن لتعذر العبارة عن متعلق الأحكام الخمسة، وعدم عموم البلوى، خفي ذلك إلا على أهله المختصين بتعارفها، ومعرفة حكم الله فيها ابن خلدون.

سؤال: فكيف نميز على مستوى الأهداف بين الفقهاء في التعامل مع المكلف ومنهج الصوفية؟

جواب: '' إنما عني الفقهاء بتحرير الحدود والأحكام الجزئية التي هي مظان التنازع والمشاحة، والأخذ بالحظوظ الخاصة، والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة، وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط الفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل إلى ما حرم الله فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاح ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل، فهم يزعونهم عن مداخلة الحمى، وإذا زل أحدهم يبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية آخذين بحجزهم، تارة بالشدة، وتارة باللين

فهذا النمط هو كان مجال الفقهاء، وإياه تحروا، وأما ما سوى ذلك مما هو من مكارم الأخلاق فعلا وتركا فلم يفصلوا القول فيه، لأنه غير محتاج إلى تفصيل، بل الإنسان في أكثر الأمر يستقل بإدراك العمل فيه فوكلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده، إذ كيف ما فعل فهو جار على موافقة أمر الشارع ونهيه، وقد تشتبه فيه أمور، ولكن بحسب قربها من الحد الفاصل، فتكلم الفقهاء عليها من تلك الجهة، فهو من القسم الأول، فعلى هذا كل من كان بعده من ذلك الحد أكثر كان أعراقه في مقتصى الأصول الكلية أكثر، وإذا نظرت إلى أوصافه صلى الله عليه وسلم تبين لك الفرق ما بين القسمين، وبون ما بين المنزلتين، وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة واتصافهم بمقتضى تلك الأصول

وعلى هذا القسم عول من شهر من أهل التصوف، وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول وأصحابه، وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات فأجروها بالأصول الأولى على حساب ما استطاعوا، وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك، فعاملوا ربهم في الجميع، ولا يقدر على هذا إلا الموفق الفذ، وهو كان شأن معاملات الصحابة كما نص عليه أصحاب السير - الشاطبي-

سؤال: ولكن ألا ترون أن في منهج الصوفية مجانبة لليسر وتضييقا على المكلف؟

جواب: '' لم تزل الأصول يندرس العمل بمقتضاها لكثرة الاشتغال بالدنيا والتفريع فيها حتى صارت كالنسي المنسي، وصار طالب العمل بها كالغريب المقصي عن أهله، وهو داخل تحت معنى قوله عليه الصلاة السلام: ''بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء''

ومن ها هنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من حلتهم المعروفة، فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهم شرعا، فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا ما لم يكلفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة، وحاشا الله ما كانوا ليفعلوا ذلك، وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة، وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة، لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام، ونصوص التنزيل المكي الذي لم ينسخ، وتنزيل أعمالهم عليه تبين لك أن تلك الطريق سلك هؤلاء وباتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر، فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم، فقال أما على مذهبنا فالكل لله، وأما على مذهبكم فخمسة دراهم، وماأشبه ذلك، علمت أن هذا يستمد مما تقدم، فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله ولم يبين فيه الواجب من غيره، بل وكل إلى اجتهاد المنفق ،لا شك أن منه ما هو واجب، ومنه ما ليس بواجب، والاحتياط في مثل هذا مبالغة في الإنفاق في سد الخلات وضروب الحاجات، إلى غاية تسكن إليها نفس المنفق، فأخذ هذا المسؤول في خاصة نفسه بما أفتى به، والتزمه مذهبا في تعبده، وفاء بحق الخدمة وشكر النعمة، وإسقاطا لحظوظ نفسه، وقياما على قدم العبودية المحضة، حتى لم يبق لنفسه حظا، وإن أثبته له الشارع اعتمادا على أن لله خزائن السماوات والأرض، وأنه قال: ''لا نسألك رزقا نحن نرزقك''، وقال: ''ما أريد أن يطمعون'' وقال: ''وفي السماء رزقكم وما توعدون''، ونحو ذلك، فهذا نوع من التعبد لمن قدر على الوفاء به

ومثله لا يقال في ملتزمه'' إنه خارج عن الطريقة، ولا متكلف في التعبد، لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح فيه كل الناس قيد في التنزيل المدني حين فرضت الزكوات فصارت هي واجبة انحتاما، لا تتعدى إلى ما دونها، ويبقي ما سواها على حكم الخيرة، فاتسع على المكلف مجال الإبقاء جوازا، والإنفاق ندبا، فمن مقل في إنفاقه ومن ومكثر، والجميع محمودون، لأنهم لم يتعدوا حدود الله

ومنهم من لاينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع، بل يبقي بيده منه شيء، متحملا منه أمانة لا ينفك عنها إلا بنفاذه أو كالوكيل فيه لخلق الله، سواء عليه أمد نفسه منه أم لا، وهذا كان غالب أحوال الصحابة، ولم يمن إمساكهم مضادا لاعتمادهم على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى وأما من أبقى لنفسه حظا فلا حرج عليه، وقد أثبت له حظه من التوسع في المباهات على شرط عدم الإخلال بالواجبات -''الشاطبي-''

سؤال: هل يمكن أن نستند بالنسبة لمنهج الصوفية إلى شرعية تاريخية، فنقول بوجود هذا المنهج السلوكي التربوي في عهد الصحابة والسلف؟

جواب: إن الصحابة رضوان الله عليهم لما شرح الله صدورهم للإسلام، وقبلوا من الهداية ما كانوا فيه على بينة من ربهم، صرفوا الاهتمام إلى أعمال الباطن فكانوا يراعون أنفساهم، ويراقبون خطراتهم، ويحذرون غوائل قلوبهم، وفي هذا كانت أكثر مفاوضاتهم وفزع بعضهم إلى بعض واعتبر ذلك في سؤال عمر بن الخطاب حذيفة رضي الله عنهما، وقد ذكر حذيفة المنافقين وأشار إلى ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم، فقال له عمر ناشدتك الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماني فيهم قال: لا ولست أبرئ بعدك أحدا، فانظر إلى حذر عمر رضي الله عنه من هذا النفاق إذ لو كان مراد عمر وحذيفة بهذا النفاق مدلوله المشهور: هو إظهار الإسلام وإضمار الكفر كما كان في منافقي المدينة وغيرهم لما حذر عمر من ذلك وفزع فيه إلى علم حذيفة، إذ هو يعلم من نفسه أنه مبرأ منه وكيف يخفى هذا على عمر، وكل واحد يعلم من نفسه ما أكن وما أبدى، فالذي حذره عمر صنف آخر من النفاق وهو ما يكون في أعمال الباطن من خفايا المهلكات، تقع فلتة ولا يعلمها الإنسان من نفسه، ويعلمها النبي باطلاعه على القلوب ومعاينته لأعمالها وأسرارها وبما خصهم الله به من ذلك، وساغ إطلاق النفاق على هذا الصنف من الأعمال لما فيه من مخالفة مضمر الباطن لظاهر الدعوى ثم لما درج الصحابة رضوان الله عليهم وجاء العصر التالي لعصرهم، تلقى أهله هدي الصحابة مباشرة وتلقينا وتعليما، وقيل لهم التابعون، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب وفشا الميل عن الجادة والخروج عن الاستقامة، ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها، وأقبل الجم الغفير على صلاح الأعمال البدنية والعناية بالمراسم الدينية من غير التفات إلى الباطن ولا اهتمام بصلاحه، وشغل الفقهاء بما تعم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة، حسبما طالبهم بذلك منصب الفتيا وهداية الجمهور، فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعباد، وطلاب الآخرة منقطعين إلى الله، قابضين على دينهم كالقابض على الجمر حسبما ورد، ثم طرقت آفة البدع في المعتقدات فهذا معتزلي أو رافضي أو خارجي، لا تنفعه أعماله الظاهرة ولا الباطنة مع فساد المعتقد الذي هو رأس الأمر، فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدرون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسموا بالصوفية -ابن خلدون-

 

د أحمد غاني

أستاذ باحث في علم أصول الفقه

فوق


العلماء بالله والعلماء بأحكام الله عند ابن رشد الجد

هذه النصوص عبارة عن اختيار أقوال شهد بها أصحابها في حق التربية الروحية ورجالها، من باب الاستئناس بوجهات النظر المختلفة.

 

تفضيل الأولياء على العلماء

سئل ابن رشد الجد الفقيه عن قول الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه الإحياء لما ذكر معرفة الله سبحانه والعلم به وقال إن الرتبة العليا في ذلك للأنبياء ثم الأولياء ثم العارفين ثم العلماء الراسخين ثم الصالحين فقدم الأولياء على العلماء، وفضلهم عليهم· وقال القشيري في أول رسالته: أما بعد فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه· فهل هذا كقول أبي حامد؟ وهل المذهب صحيح أم لا؟ فقد قال بعض الناس لا يفضل الولي على العالم، لأن تفضيل الشخص على الآخر إنما يرفع درجته عليه لكثرة ثوابه المرتب على عمله فلا فضل إلا بتفاوت الأعمال· وقد ثبت أن العلم أفضل من العمل لأنه متعد، وخير العمل قاصر، والمتعدي خير من القاصر فثوابه أكثر وصاحبه أفضل·

فأجاب: أما تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الله فقول الأستاذ وأبي حامد فيه متفق، لا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال، وبما يستحيل عليه من العيب والنقصان أفضل من العارفين بالأحكام، بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول، لأن العلم يشرف بشرف المعلوم وبثمراته· فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، وأن ثماره أفضل الثمار، فإن معرفة كل صفة من الصفات توجب حالا عليه، وينشأ من تلك الحال ملابسة أخلاق سنية، ومجانبة أخلاق دنية، فمن عرف سعة الرحمة أثمرت معرفته سعة الرجاء ومن عرف شدة النقمة أثمرت معرفته شدة الخوف، وأثمر الخوف الكف عن الإثم والفسق والعصيان مع البكاء والأحزان والورع وحسن الانقياد والإذعان· ومن عرف أن جميع النعمة منه أحبه، وأثمرت المحبة آثارها المعروفة، وكذلك من عرفه بالعظمة والجلال هابه وعامله معاملة التائبين المعظمين مع الانقياد والتذلل وغيرهما·

فهذه بعض ثمار معرفة الصفات· ولا شك أن معرفة الأحكام لا تورث شيئا من هذه الأحوال، ولا من هذه الأقوال والأعمال، ويدل على ذلك الوقوع، فإن الفسق فاش في كثير من علماء الأحكام بل أكثرهم مجانبون للطاعة والاستقامة، بل وقد اشتغل كثير منهم بأقوال الفلاسفة في النبوة والإلهيات، ومنهم من خرج عن الدين، ومنهم من شك، فتارة يترجح عنده الصحة، وتارة يصح عنده البطلان، فهم في ريبهم يترددون· والفرق بين المتكلمين والأصوليين، وبين العارفين أن المتكلم قد تعرف عنه علومه بالذات والصفات في أكثر الأوقات فلا تدوم له تلك الأحوال، ولو دامت لكان من العارفين، لأنه شاركهم في العرفان الموجب للأحوال الموجبة للاستقامة فكيف يساوي بين العارفين والفقهاء؟·

والعارفون أفضل الخلق وأتقاهم لله سبحانه والله سبحانه يقول: ''إن أكرمكم عند الله أتقاكم''·

ومدح تعالى في كتابه للمتقين أكثر من مدحه للعالمين· وأما قوله تعالى: ''إنما يخشى الله من عباده العلماء''، فإنما أراد العارفين به وبصفاته وأفعاله دون العارفين بأحكامه، ولا يجوز حمل ذلك على علماء الأحكام، لأن الغالب عليهم عدم الخشية وخبر الله تعالى صدق، فلا يحمل إلا على من عرفه وخشيه، وقد روي هذا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو ترجمان القرآن·

أقسام العلماء بالأحكام

ثم إنا نقول: العلماء بالأحكام أقسام:

أحدهما: من تعلم لغير الله، وعلم لغير الله، فتعلم هذا وتعليمه وبال·

الثاني: من تعلم لغير الله وعلم لله فهذا ممن: ''خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا'' ولا أدري هل هو يقوم إحسانه بسيئاته أم لا؟·

الثالث: من تعلم لله وعلم لله وهو ضربان:

أحدها: أن لا يعمل بعلمه فهذا شقي لا يفضل على أحد من أوليائه، وإن عمل بعلمه فإن كان عالما بالله تعالى وبأحكامه فهذا من السعداء، وإن كان من أهل الأحوال العارفين بالله فهذا من أفضل العارفين إذ حاز ما حازوا وفضل عليهم بمعرفة الأحكام وتعليم أهل الإسلام·

وأما قول من يقول العمل المتعدي خير من العمل القاصر فإنه جاهل بأحكام الله تعالى بل العمل القاصر أحوال:

إحداهن: أن يكون أفضل من المتعدي كالتوحيد والإسلام والإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر، وكذلك الدعاء، ثم الخمس إلا الزكاة، وكذلك التسبيح عقب الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قدمه على التصدق بفضل الأموال وهو متعد، وقال: ''خير أعمالكم الصلاة''· وسئل صلى الله عليه وسلم: ''أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإيمان بالله· قيل ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله· قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور''·فهذه أعمال كلها قاصرة وردت الشريعة بتفضيلها·

القسم الثاني: ما يكون متعديه أفضل من قاصره، كبرّ الوالدين، إذ سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ''أي الأعمال أفضل؟ فقال: بر الوالدين''· وليست الصلاة بأفضل من كل عمل متعد، فلو رأى المصلي غريقا يقدر على إنقاذه، أو مؤمنا يقتل ظلما، أو امرأة يزنى بها، أو صبيا يؤتى من الفاحشة،وقدر على التخليص والإنقاذ لزمه ذلك مع ضيق الوقت، لأن رتبته عند الله أفضل من رتبة الصلاة، والصلاة إن قيل ببطلانه أمكن تاركها القضاء·

فهذان القسمان مبنيان على رجحان مصالح الأعمال، فإن كانت مصلحة القاصر أفضل من مصلحة المتعدي، وإن كانت مصلحة المتعدي أرجح قدمت على القاصر، فتارة يقف على الرجحان فيقدم الراجح، وتارة ينص الشارع على تفضيل أحد العملين فيقدمه، وإن لم يقف على رجحانه، وتارة لا يقف على الرجحان ولا نص يدل على التفضيل، فليس لنا أن نجعل القاصر أفضل من المتعدي، ولا أن نجعل المتعدي أفضل من القاصر، لأن ذلك موقوف على الأدلة الشرعية· فإذا لم يظهر شيء من الأدلة الشرعية لم يجز أن نقول على الله ما نعلمه أو نظنه إلا بدلالة شرعية·

العرفان أساس التفاضل بين الناس

فائدة: إذا استوى الناس في المعارف بحيث لا يفضل بعضهم بعضا في ذلك، فلا فضل على بعض إلا بتوالي العرفان واستمراره، لأن توالي ذلك شرف قد فات البعض، وفاز به البعض، وكذلك لا تدوم الأحوال الناشئة عن هذه المعارف إلا بدوام المعارف، ولا تدوم له الطاعة الناشئة عن الأحوال إلا بدوام الأحوال، فإذا دام صلاح القلب بدوام المعارف والأحوال دام صلاح الجسد بحسن الأقوال واستقامة الأعمال· وإذا غلبت الغفلة على القلب غلبت الأحوال الناشئة عن المعارف وفسد القلب بذلك، ففسدت بفساده الأقوال والأعمال·

والمعارف رتب في الفضل والشرف بترتيب الفضل والأحوال الناشئة عنها على رتبها في الفضل والشرف والكمال وكذلك ما يترتب عليها من الأقوال والأعمال·

والحال الناشئة عن معرفة الجلال والكمال، ينشأ عنها أفضل الأعمال وهو التعظيم والإجلال، وملاحظة سعة الرحمة ينشأ عنها الطمع والرجاء، وملاحظة التوحيد بالنفع والضر ينشأ عنها التوكل على الله في العمل في جميع الأحوال، فالتائب أفضل من الراجي·

فهذه نبذة من أوصاف العارفين بالله تعالى· ومما يدل على فضلهم على الفقهاء ما يجريه الله تعالى عليهم من الكرامات الخارقة للعادات، ولا يجري شيء من ذلك على أيدي الفقهاء إلا أن يسلكوا طريق العارفين، ويتصفوا بأوصافهم· وما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره، ولا يصح قول من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما فضل بأعماله الشاقة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فضل بتكليم الله تعالى إياه تارة على لسان جبريل، وتارة من غير واسطة، وكذلك فضل بالعلوم التي يختص بها الرسل والأنبياء عليهم السلام، وكذلك فض بالمعارف والأحوال، ولهذا قال: وإني لأرجو أن أكون أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية· وكذلك لما احتقر بعضهم قيام رسول الله إلى قيامه، وصلاته إلى صلاته، وأنكر ذلك صلى الله عليه وسلم فذكر أن تفضيله عليهم إنما كان بمعرفته بالله تعالى· وهذه أكثر جهات تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مشقة عليه فيها، وكيف لا يكون كذلك والله تعالى يقول: ''إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي''؟ ومثل هذه المقالة لا تصدر إلا من جلف جاف؟ وكيف يفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعماله الشاقة مع أنه لا شبه لأعماله وصبره وتأذية قومه بأعمال نوح وصبره وتأذية قومه، وما أسرع الناس إلى أن يقولوا ما ليس لهم، ولو أنهم سكتوا لكان خيرا لهم والله تعالى أعلم.

 

الونشريسي

المعيار

فوق


الحرية بين مطالب الفلاسفة ومقاصد الصوفية

تبين هذه الدراسة فهم الصوفية للحرية

وتمثلهم لها في ارتباطها الوثيق بالجانب الروحي والأخلاقي للإنسان.

 

قيمة الحرية

يعتبر وجود الإنسان وماهيته من أعقد الإشكالات التي واجهت الفلاسفة والحكماء، لِما يكتنفها من أسرار ويحفّها من غموض، لذلك تفرقوا طرائق قددا في شأن هذا المخلوق العجيب، وتضاربت أقوالهم ومذاهبهم وتباينت مفاهيمهم حوله، ولم تكن نظرياتهم بشأنه إلا نسبية تقف في معزل عن الحقيقة المطلقة· فالإنسان بئر مظلمة، أغوارها متشعبة، وداخلها معقد، وجحورها مشحونة بالأسرار وطافحة بالغموض·

تلك الأغوار المتشعبة والجحور الغامضة في نفس الأمر نسق من الإحساسات النفسية والشعورية تنبني عليها إحساسات واضحة لا غبار عليها، ويتصدر هذه الإحساسات الجلية الإحساس بالحاجة الملحة إلى الحرية لإثبات الذات وإدراك التطلعات· فالحرية والوجود متداخلان منذ أن خلق الله الخلق ويسّر له سبل الانطلاق في مناكب هذا الكون، أي أن الحرية منحة إلهية وأيضا كسْب إنساني، وقد كان رأي بعض الفلاسفة صائبا حين ربط حرية الإنسان بوجوده ونفى أي فارق بينهما، ورأى أن الإنسان يكون ناقصا ما دامت حريته ناقصة·

وهذه الحرية إن وجدت التربة الخصبة التي تتجذر فيها والظروف والملابسات التي تتعهدها بالرعاية نمت وسمقت وأينعت ثمارها في النفوس والعقول، ليسود الإبداع، وتتحرك دوافع الإنتاج، وتتفجر الطاقات للحركة والبناء، واختراق الآفاق وتحدي الطبيعة، ولذلك عرف الفيلسوف برغسون الحرية بإنها: ''حالة شعورية وديمومة خلاّقة باستمرار، نكتشفها مباشرة في حياتنا الداخلية ولا يمكن التعبير عنها بلغة''·

ولا ينكر منكر أن الشخصية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحرية، إذ بسيادة أجواء الحرية تصقل الشخصية وتبلور، وتغدو قادرة على الوعي بالواقع، وناضجة في مواجهتها لحركة الحياة، وهذا بناء على ما ذكرنا من تلازم الحرية والوجود، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بناء على ارتباطها بمسألة التكليف الذي يترتب عليه الثواب والعقاب· ولا جرم أن ربطها بالتكليف يستلزم ربطها بالإرادة والعقل·

الحرية عند الفلاسفة

فقد ذهب فلاسفة الإسلام كابن مسكويه والفارابي وابن زكريا الرازي إلى أن الحرية الحقة هي ضبط الهوى وإلجام شهوات النفس بالعقل، وهو أيضا مذهب الفيلسوف اليوناني زينون الذي تأخذ بتعاليمه المدرسة الرواقية حيث قررت أن الحرية تكتسب قيمتها بمدى خلوها من الهوى وتحررها من الشهوة والألم· ولعل الفيلسوف الألماني فشته كان مقاربا لهذا المعنى حين ذكر في كتابه ''غاية الإنسان'' أن وجود الواجب يدل على وجود الحرية·

الحرية عند المتكلمين

كما ارتبطت الحرية عند متكلمي الإسلام بالإرادة والاختيار خاصة في مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة من الله تعالى -كما هو مذهب الأشاعرة - أم هي مخلوقة من العباد - كما هو مذهب المعتزلة -؟ وقد ظهرت خلافات في المسألة لا يعنينا الخوض فيها، لكن حصل الاتفاق أو كاد على ما يلي: العقل هو مناط التكليف، والتكليف موجب لحرية الاختيار، وهذه الحرية موجبة للحساب، وهذا يفضي إلى القول بتلازم العقل والحرية·

الحرية الحقة

بيد أن الحرية الحقة ليست هي تلك الفكرة المجردة المحلقة بأجنحة فلسفية في فضاء المثاليات، والصارمة لحبال المودة مع الواقع، بل هي الحرية ذات المضمون الفاعل في تحقيق التحرر داخل النفس البشرية، وذات المحتوى المنطلق لخلق أجواء الحرية التي تكرّم الإنسان وتقدسه ما دام فاعلا في الحياة منقبا عن كنهها وأسرارها· ومن هنا كان التنظير من لدن فلاسفة كُثُر عبثا لا طائل وراءه لتصيير الحرية كلاما معقدا لا ينحل إلا لمن يأخذ بناصية لغة فلسفية تقنية، ولتباري المنظّرين لها في سربلتها بسربال الغموض، واجتثات جذورها من تربة الواقع ليحكم عليها بالسجن المؤبد داخل مصنفات الفلاسفة والمفكرين التجريديين، وبين قضبان منتدياتهم الثقافية والفلسفية·

إن الحرية بمعناها الحق المذكور أعلاه هي المطلب المقدس الذي رفعت لواءه الشعوب والأمم منذ أقدم العصور، بل منذ نشأة الخليقة على وجه البسيطة، وأزهقت للظفر بها المُهج، وانبرت للذود عن حوضها الأقلام قبل أن تقتطف ثمراتهاشرذمة من محترفي التسييس المفرّغ من محتوى التأنيس أو المكبل بشراك التلبيس·

لقد كانت هذه هي الفكرة المركزية التي دعا إليها الأنبياء والأصفياء وغيرهم من صناع التاريخ الصالحين، والمقصد الأسنى الذي لأجله جاءت الديانات، وبكلمة: إنها غاية الإنسان·

ولا أقصد بالحرية ذلك المحتوى المرتبط بالسلوك السياسي داخل الإطار الاجتماعي وحسب، بل إلى إماطة اللثام عن الحرية بمفهومها الروحي المتعالي، وهي ذات المقصد التحريري للنفس الإنسانية : تحريرها من الأمراض الباطنية وتغليب نوازع الخير على نوازع الشر في النفس، وبالمنطق الديني: التخلص من شرور الشيطان وضغط النفس الأمارة بالسوء·

الحرية عند الصوفية

ولذا كان المتصوفة هم أنضج الناس في تجاربهم مع النفس وأعمقهم في البحث عن حقيقة الحرية وعلاقتها بالنفس، لا سيما أنها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالجانب الروحي والحرية عندهم ضربان: حرية ذاتيه ويقصد بها التحرر من النفس الأمارة بالسوء، وحرية غيرية ويقصد بها التحرر من مكائد الشيطان، وتحقق هاذين الضربين من الحرية يفضي ضرورة واقتضاء إلى التحرر الاقتصادي والاجتماعي···، وبعبارة شرعية: تحقق الجهاد الأكبر يفضي ضرورة واقتضاء إلى النصرة في الجهاد الأصغر· فتكون الحرية بالمفهوم الصوفي حرية كاملة بخلاف غيرهم ممن ركزوا في تحصيل الحرية على التحرر من الغير -بالمفهوم الاجتماعي لا الشيطاني - مما جعلها قاصرة لا تفي بالمطالب الحقيقية والمقاصد التحفيزية لعمارة الإنسان لهذا الكون· ويبلغ ذلك النضج مداه في تعريفهم للحرية، فقد رسموها بقولهم: ''هي الانطلاق من رق الأغيار''، وحصروها في ثلاث مراتب: 1- حرية العامة من رق الشهوات، 2- وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق، 3-وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار (اصطلاحات الصوفية للكاشاني باب الحاء)·

فالحرية بمراتبها الثلاث -وإن كان بعضها فوق بعض-تعني التحرر من عبادة النفس بصراع شاق ومضن يفضي إلى اقتحام عقبة المراتب الثلاث لتحقيق مسمى الإنسان الكامل الذي تحرر من كل الأغيار الباطنة والظاهرة ليخلص لله وحده ويكون في مستوى تمثيل كلمة الإخلاص علما وعملا· إنها حقيقة الحرية التي دعت إليها الأديان السماوية، ألم يقل الله تعالى في القرآن الكريم: ''وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين''؟! ألم يقل السيد المسيح في الإنجيل: لا يستطيع الإنسان أن يدخل ملكوت الله إذا كان عبدا لسيدين؟!

الحرية والإبداع

لا جرم أن هذه الحرية تنعكس بالإيجاب على الإرادة والسلوك، فكلما حافظت الحرية على مضمونها الحقيقي واستعصت عن تدجين التسييس وتطويع التلبيس وارتقت في مدارج المراتب الثلاث المذكورة كلما صُقلت الإرادة، وهذب السلوك، وكانت الفاعلية الذهنية والعملية أكثر حيوية في استغلال الكون ، وسبر أغواره، واستخلاص الأسس والقوانين التي تنبني عليها حضارة ربانية لا يطرقها الصدع والانخرام، وعلى النقيض من ذلك كلما انتهكت حرمة الحرية بإجابة داعي النفس الأمارة بالسوء كلما تدنت بصاحبها في أخس الدركات وكشَّر الفساد عن أنيابه ليفتك بالإنسان والمجتمع، وبحلول ظلم النفس بالاستجابة للمطالب الحيوانية في النفس تغليبا وترجيحا ولت الحرية فرارا ولم تعقب، وتبخرت لفرارها أجواء الخلق والإبداع، واقتصر السعي والبحث في الحرية على جمال الظواهر تقديسا وتعبّدا، فتضيع إمكانية استخلاص عناصر الجمال الباطني الذي لا يدركه إلا من تحرر متحقِّقا بحقائق الجمال والجلال الإلهيين·

إن ظلم النفس بالمعنى المذكور يزرع خوفا باطنيا يبعث على اضطرابات نفسية قد تفضي إلى تدمير ذاتي كما يتجلى في ظاهرة الانتحار التي تفاقمت في المجتمع المعاصر بالرغم من فائض التنظير الذي يغمر أسواق الكلام التجريدي على الحرية وتوابعها·

إن الظلم يشل الذهن عن قدرته الفعلية في التخيل المبدع، وعن بذل جهده في ترتيب هذا التخيل الفاعل ونظمها لإنزال مقتضاها إلى حيز الواقع فتفعل فعلها في التغيير والابتكار خدمة للإنسان وتحقيقا لكرامته الباطنية والظاهرية لا تسخيرا له بتصييره آلة صماء تُقزّم وظيفتها لخدمة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يجعله عبدا لها باسم الحرية·

لذا نلفي الشعوب الرازحة تحت نير التفسخ الأخلاقي القائم على ظلم الإنسان لنفسه وعبادته لهواه أكثر الشعوب انغماسا في الهيام بالأسطورة والخرافة إذا كانت أمة متخلفة تكنولوجيا، مما قد يكون تفسيرا للمعاناة الذاتية والاستسلام والخنوع لهيمنة النفس في بعدها الشيطاني، وهروبا يائسا من الواقع السياسي المتعجرف بأنانيته المستعلية ومراوغاته الماكرة·

ونظرة متعجلة إلى شعوب العالم الثالث تزودنا بالخبر اليقين، إنها شعوب متخلفة فكريا حتى النخاع لما يخيم على عقليتها من الأْعراف البالية والتقاليد الخرافية· ولست بذلك أطعن في ذات الأعراف والتقاليد، فهذه من المقومات الأساسية في بناء حضارة الأمم ومن الأسس الضرورية في صيانة هويتها وثقافتها من الانسلاخ، وإنما أقصد الأعراف الفاسدة والتقاليد الشائنة التي تجر بحبالها أعناق معتنقيها إلى مستنقع ظلماني حيث عبادة الشيطان واتباع هوى النفس، ولا تربطهم بالواقع المحيط بهم إلا أوهام لا تصمد لمواجهته، من أجل تحقيق الترقي بشقيه الروحي والمادي·

فما أحوجنا في عصرنا هذا لأمثال الحكيم الترمذي لنعيد لتحرر العقل صفاءه! ولأمثال الإمام الغزالي لنعيد لحرية التدين حياتها! ولأمثال الشيخ الأكبر ابن عربي لتحرير باطن الذوات بمقتضى وحدة الشهود! وبكلمة: ما أحوجنا إلى ''تصوف حي''!

ومن هنا يظهر أن العلاقة تركيبية بين ظلم النفس والتخلق الأخلاقي والفكري من جهة والحرية المكبوتة والاستقلالية المخنوقة من جهة أخرى·

ولنرجع عودا على بدء لمسألة ربط الحرية بالإبداع لنذكر إشكالا وجيها وهو: رب عقول مبدعة خلاقة شخصت في دياجير الظلم بشقيه النفسي والسلطوي وقتل الحريات بشقيها الروحي والدنيوي! لكن الإشكال يندحر بهذا الجواب'' إن هذا لا ينكره منكر، بيد أنه شذوذ عن القاعدة لا ضرب لأساسها، وفلتة من فلتات الدهر لا ظاهرة من ظواهره، ومن شذ عن القاعدة فتخطّى حواجز الظلم بشقيه النفسي والموضوعي فأبدع فإن إبداعه - لا جرم - يكتنفه الاحتشام ويحفه التحفظ· وإن كان الإبداع حاصلا في أجواء الحرية بمفهومها المادي والتجريبي فقد أوضحنا قصورها فلا نعيد· وكيف للإبداع المخنوق أو المجرد أن يدرك المرتبة السَّنية التي يعتليها الإبداع الراتع في حقول الحرية بمفهومها الإلهي والمترعرع في أحضان الاستقلالية بمفهومها التعرفي؟! إن هذا هو السر في كون المتصوفة قد أبدعوا بما عجز عن الإتيان بمثله غيرهم، فقد ألفوا أجمل المصنفات· ونظموا أجمل الأشعار، وعزفوا أجمل الألحان، وهذا أوضح من أن يستدل عليه، وفي العيان ما يغني عن الخبر·

وصفوة القول: إن الحرية كفكرة ذهنية، ومنزع فطري، وفاعلية مبدعة، وجمال عرفاني وتعرّفي، قمينة بأن تشيد صرح حضارة تعيد للإنسان آدميته المسلوبة وحقوقه المهضومة في عالم طغت فيه الأنانية المستعلية، وتحكمت فيه شريعة الغاب أو كادت، وصارت السلطة العليا للنفس الأمارة بالسوء والهوى، مما فرّغ ثقافات الشعوب من قيمة الحرية كفلسفة تُعتقد وقلب يَنبض وسلوك ينتهج .

 

 

د· خالد زهري

أستاذ باحث في الفكر الإسلا

فوق


الإشارة عدد 27

الســؤال السلفـي الصـوفي 

الحلقة الثالثة 

يتناول هذا الحوار جملة من القضايا لاستكناه رأي العلماء والمفكرين المسلمين في التصوف، دون اعتبار لحدود الزمان والمكان، لا يلتزم إلا بالبحث عن الحكمة أنى كانت، دون النظر إلى قائلها، لذلك ينتقل بين الآراء المبثوثة في ثنايا الفكر الإسلامي ساعيا للكشف عن الرؤية السليمة للتصوف ومنهجه.

تحضر في الفكر الإسلامي بقوة بنية الحوار، إذ أن المفكر الإسلامي في كتاباته كان يستحضر دائما مقولات خصمه واعتراضاته وحججه، فيأتي فكره حواريا وإن غاب المحاور، لهذا سنعتمد هذه البنية الداخلية للنص في الفكر الإسلامي لبناء هذا الحوار وصياغة الأسئلة، كما سننتهج منهجية التناصف، إلا أننا لن نضيف في الجواب إلا ما يقتضيه الربط لكي تصل الفكرة منسجمة للقارئ·

إذا كان الحوار قديما يقتضي وحدة الزمان والمكان، وحاليا مع انتشار وسائل الاتصال والقنوات الفضائية يقتضي وحدة الزمان، فإن هذا الحوار تنتفي فيه الحدود الزمانية والمكانية على مستوى الفكر الإسلامي، فالمحاور فيه هو المفكر الإسلامي الذي تنوعت تجلياته في تاريخ الإسلام بمختلف أبعاده الزمانية والمكانية. فلن نلتزم بمفكر إسلامي واحد، إذ سنقفز على حدود الزمان والمكان، مقتفين أثر الحكمة لالتقاطها أنى وجدناها، والذي يهمنا في هذا الحوار هو الفكرة ذات الأصول الإسلامية، دون تقيد بقائل معين، وإن كنا بعد كل جواب سنحيل على قائله مراعاة للأمانة العلمية وتنبيها إلى وزن القائل في الفكر الإسلامي. وبالله التوفيق

سؤال: كيف يعرف التصوف الحقيقي؟·

جواب: الوصول إلى الحد الحقيقي بصفة عامة أمر عسير، فكيف إذا تعلق الأمر بتجربة روحية لعل من أبرز خصائصها استعصاؤها على اللغة الطبيعية، واعتماد أهلها على الإشارة في تبليغها لعدم قدرة العبارة على ذلك ؟ لذلك كان من الطبيعي أن لا ننتظر من الصوفية أن يأتونا بتعريف للتصوف يستجيب للمقاييس المنطقية أو يندرج تحت نوع من أنواع الحدود، كما كان من الطبيعي أن ننتظر تنوعا في هذه التعاريف وتعددا فيها، بل وانفتاحا على إغناء هذا الجانب مع كل داخل في التجربة الصوفية ومتحقق بها، ولهذا نجد أن حصر تعريف التصوف في عدد معين هو مما لم يتفق عليه الصوفية، فمنهم من رأى أنها تزيد على الألف ومنهم من رأى أنها تزيد على الألفين، ومنهم من رأى أنها لا تنحصر، وسعى إلى إيجاد ما تتفق فيه ·

سؤال: فهل يمكن ذكر بعض التعاريف التي تركز على ما اتفق عليه ؟

  جواب: من هذه التعاريف:  

- التصوف أوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة من الله

- التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع وعمل مع اتباع

- التصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة إذا خلا عمله من العلل وحظوظ النفس

- التصوف تعظيم أمر الله، وشفقته على عباد الله.

التصوف هو الخلق والمحبة سمة الطائفة وعنوان الطريقة.

الصوفي من إذا استقبله حالان أو خلقان كلاهما حسن، كان مع الأحسن·

سؤال: هل يمكن توضيح هذا التعريف الأخير؟

جواب: لقد اعتبر الخلق ميزانا للتنافس في مجال التصوف، فالتمكن في الأخلاق الفاضلة يعلو بمرتبة صاحبه في المراتب والمقامات الصوفية، وقد وقع التركيز على أن هذه الأخلاق تكون ملابسة لصاحبها ملابسة ذوق وفعل، لا ملابسة علم فقط (المقصود الثقافة العقلية التي لا تتجسد في الفعل) ورسم فحسب، أي أنها أخلاق ترقي وشهود، فهي نصيب الصوفي من التحقق بالأخلاق الإلهية في حدود ما تسمح به الطاقة البشرية (من أخلاق الرحمة والمغفرة وغير ذلك)، ومن هنا كان التخلق في المستوى الصوفي تعاملا مع الحق قبل أن يكون تعاملا مع الخلق، فهو يستلزم الصدق مع الحق، ولذلك كانت الأخلاق الصوفية خالية من التصنع الذي هو أول الأكدار التي يصفي منها الصوفي قلبه، كما أن هذا الصدق يجعل الصوفي يعامل كل الخليقة بنفس الأخلاق، فالتعامل في الحقيقة مستمد من الخلاق لا من الخلق، وهو منظور يختلف تماما عن منظور من يؤسس تعامله الأخلاقي على رؤية الخلق وهو ما نلمسه في التعاريف السابقة.·

سؤال: ولكن هل ينحصر التصوف في البعد الأخلاقي بمفهوم التعامل مع الخلق؟

جواب: ''إن الكثير من الكتاب الحديثين -متابعين في ذلك الكثير من الصوفية - قد حددوا التصوف نفسه لا تزكية النفس وحسب- بأنه الخلق الطيب.·يقول أبو بكر الكتاني (المتوفى سنة 322 هج): ''التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف''، ويقول أبو محمد الجريري (المتوفى سنة 311 هج)، وقد سئل عن التصوف: ''الدخول في كل خلق سني، والخروج من كل خلق دني''، أما أبو الحسن النوري فإنه ينفي عن التصوف أن يكون رسما منهجيا تخطيطيا، أو أن يكون علما كسبيا، ويجزم بأنه خلق، ويعلل النفي والإثبات فيقول: ''ليس التصوف رسما و لا علما، ولكنه خلق، لأنه لو كان رسما لحصل بالمجاهدة ولو كان علما لحصل بالتعليم، ولكنه تخلق بأخلاق الله، ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق الإلهية بعلم ورسم''·

على أن أبا الحسن النوري نفسه يحدد الأخلاق التي يرى أنها التصوف، فيقول في موضع آخر معرفا التصوف: ''التصوف الحرية والكرم وترك التكلف والسخاء''·

على أن هؤلاء الذين ذكروا هذه التعاريف الأخلاقية للتصوف، ذكروا هم أنفسهم تعاريف أخرى وذلك -على الأقل- يدل دلالة لا لبس فيها على أنهم لم يروا كفاية الجانب الأخلاقي في تحديد التصوف، وتعريفه.·ومن الطبيعي أيضا أن تكون الأخلاق الكريمة شعار الصوفي فيما بين الأساس والثمرة، فهي إذن ملازمة للتصوف وللصوفي ملازمة تامة، لا تتخلى عنه ولا يتخلى عنها، ويعبر ابن سينا عن بعض ما يتحلى به الصوفي من أخلاق، معللا ذلك فيقول: ''العارف شجاع، وكيف لا و هو بمعزل عن تقية الموت؟ وجواد، وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل؟ وصفاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها زلة بشر؟ ونساء للأحقاد، وكيف لا وفكره مشغول بالحق ؟''.

سؤال: إذن فالصوفي عابد، وهو على خلق كريم، ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى شئ آخر؟ فما هو هذا الشئ الآخر؟

جواب: هذا الشئ هو ''الإرادة المصممة التي لا تلين، الإرادة التي تزيـل  -لقوتها وتصميمها- كل ما يقف أمامها من عقبات في سبيل الوصول إلى الله سبحانه"·

إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا -على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم- بالفرار إليه: (ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين)·

والإنسان يفر إلى الله من الكفر إلى الإيمان، ويفر إلى الله من المعاصي إلى الطاعات، ويفر من الكون إلى المكون، ومن النعمة إلى المنعم، ومن الخلق إلى الخالق، ومن نفسه إلى ربه. ·

إن الفرار لانهاية له لأن الترقي لانهاية له، وكما أن الفرار إلى الله مستمر دائم، فإن الهجرة إليه سبحانه وتعالى مستمرة دائمة.· والهجرة إلى الله والفرار إليه بمعنى واحد، وهو بمعنى مستغرق شامل يشرحه في عمومه وشموله قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ممتثلا أمر الله سبحانه وتعالى وتوجيهه في قوله تعالى: ''قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ''·

وصلاة الإنسان إذن نسكه، و محياه وممـاتـه إنما تكـون في الوضـع الإسلامــي لله سبحانه وحده، حيث لا شريك له: من حب ومدح، أو ثناء وزلفى، أو جنة، أو بعد عن النار: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغذاة والعشي يريدون وجهه، و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه، وكان أمره فرطا)·

والتصوف: ذكر دائم، أي تذكر له سبحانه وتعالى في كل لمحة ونفس، وهي اتجاه بكل الأعمال إلى الله، وهو هجرة لا تنقطع إليه سبحانه، وقد تتعذر في المبدأ وتشق في أول الطريق، فكان لابد من تهيئة الجو المناسب للمران والتعبد فترة من الزمن.

سؤال: هل يمكن بيان موضوع التصوف ومن أين استمد، و ما حكمه ؟

جواب: أما موضوعه (أي التصوف) فهو الذات (الإلهية) العلية لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها، إما بالبرهان أو بالشهود والعيان، وقيل موضوعه النفوس والقلوب والأرواح، لأنه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها، وواضعه هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأما استمداده فمن الكتاب والسنة وإلهامات الصالحين وفتوحات العارفين، وأما حكم الشارع فيه فقال الغزالي إنه فرض عين،··· وحيث كان فرض عين يجب السفر إلى من يأخذه عنه إذا عرف بالتربية واشتهر الدواء على يده، وأما تصور مسائله فمعرفة اصطلاحاته والكلمات التي تتداول بين القوم كالإخلاص والصدق والتوكل والزهد والورع والرضا والتسليم والمحبة والفناء والبقاء وكالذات والصفات والحكمة والروحانية والبشرية وكمعرفة حقيقة الحال والوارد والمقام وغير ذلك، وأما نسبته من العلوم فهو كلي لها وشرط فيها، إذ لا علم ولا عمل إلا بصدق التوجه إلى الله، وأما فائدته، فتهذيب القلوب ومعرفة علام الغيوب ''

سؤال : كيف يمكن تصور موقع التصوف في النسق الديني الإسلامي؟   

جواب: ''...التصوف في جوهره هو الفهم الواعي للدين، والعمل به على شكل عبادات وسلوك يمارسه المسلم مع نفسه و مع غيره ومن ثم تتجلى الحياة الروحية المتزنة التي قوامها الإيمان والعمل. كما أن التصوف علم فقه المعرفة، وأساسه إصلاح القلوب، وقمته المعرفة في محيط ما وراء الطبيعة، فوظيفة العقل معرفة الطبيعة ووظيفة القلب معرفة ما وراءها من غيبيات، فالقلب شطر الإيمان الأعظم وبه تحل المشاكل التي لا طاقة للعقل أو العلم المادي بحلها كالقضاء والقدر وحقائق ما بعد الموت، فنطاق هذه المعرفة ليس العقل أو الحس، بل هو نور يقذفه الله في قلب عبده الذي طهر قلبه وزكاه، فيتم له الكشف والشهود والإلهام الصادق محكوما بالكتاب والسنة.  

سؤال : هل يسلم ما يقال من حدوث اسم التصوف وما يستنتج منه البعض من حدوث مضمونه ؟

جواب: إن التصوف باعتباره سلوكا متمثلا في الإنحياش إلى الله مع العكوف على العبادة·ليس بالأمر الغريب عن الإسلام، فقد كانت هذه النزعة العملية فاشية بين الصحابة والتابعين وإنما استحدث الاسم نفسه، ويبدو أنه كان معروفا في القرن الهجري الأول (السابع الميلادي) بحسب الرواية التي وردت عن الحسن البصري.

سؤال: هل المنهج الصوفي هو فقط المواظبة على فعل العبادات؟ أو هل هو فقط الإكثار من النوافل :قياما بالليل وصوما بالنهار ونحو ذلك ؟ أم ماذا ؟

جواب: إن للعبادة أثرا لا ينكره أحد في تصفية النفس وتزكية الروح، ولكنها إذا كانت تهدف من وراء ذلك إلى دخول الجنة ونيل الأجر والثواب بقيت عبادة مشكورة مأجورا صاحبها، مثابا عند الله سبحانه وتعالى، و لا يتجاوز للقائم بها    -على هذا الوضع وبهذه الصورة- وصف العابد إلى وصف الصوفي. ·

  ووصف العابد من غير شك منزلة عظمى ولكن العبادة على هذا النمط كأنها ''معاملة ما" والعابد على هذا الوضع، كأنه يعمل في الدنيا لأجرة يأخذها في الآخرة هي الأجر والثواب

  أما الصوفي، لإنه يريد الحق الأول، لا شئ غيره، و لا يؤثر شيئا على عرفانه وتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنه نسبة شريفة إليه، لا لرغبة أو رهبة، وتعبر السيدة رابعة العدوية عن هذا المعنى، فتقول: ''إلهي :إذا كنت عبدتك رهبة من النار، فاحرقني بنار جهنم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنة فاحرمنيها، وأما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك ·فلا تحرمني يا إلهي من جمالك الأزلي''، وتقول رضوان الله عليها: ''ما عبدته خوفا من ناره، وحبا لجنته، فأكون كالجير السوء، بل عبدته حبا وشوقا إليه''.6 والواقع أن الله سبحانه وتعالى إذا عبد رغبة في الجنة، أو عبد رهبة من النار، فإنه سبحانه وتعالى لا يكون المطلوب الأول ولا يكون الغاية التي يسعى إليها العابد، وإنما يكون سبحانه كأنه واسطة بين العابد و ما رغبه وهو الجنة، أو رهبة وهو النار. ···

سؤال: فكيف يمكن أن نفهم وحدة المنهج الصوفي مع تعدد الممارسات والطرق الصوفية ؟

جواب: القدماء والمحدثون -سواء أكانوا من الصوفية أم من مؤرخي التصوف- يتجهون إلى أن التصوف منهج وغاية، إنه طريقة وحقيقة، إنه سلوك ونتيجة·

والصوفية يشبهون الوحدة التي تجمع بين المنهج والغاية بالدائرة ومركزها، ويقول الشيخ عبد الواحد يحيى: ''إن الطريقة هي الخط، الذاهب من الدائرة إلى المركز·وكل نقطة على الدائرة هي مبدأ الخط، وهذه الخطوط لا تحصى -كلها- إلى المركز، إنها ''طرق''، وهي طرق تختلف تبعا لاختلاف الطبائع البشرية،ولهذا يقال: "الطرق إلى الله كنفوس بني آدم"  ومهما اختلفت فالهدف واحد، لأنه لا يوجد إلا مركز واحد، وإلا حقيقة واحدة، على أن هذه الاختلافات الموجودة في المبدأ، تزول شيئا فشيئا، وذلك حينما يصل السالك إلى درجات عليا. والطريقة والحقيقة مجتمعتان يطلق عليهما: التصوف، وهو ليس مذهبا خاصا، لأنه الحقيقة المطلقة، وليست الطرق مدارس مختلفة، لأنها طرق أي سبل موصلة جميعها إلى الحقيقة المطلقة : لتوحيد الواحد·

                                    أستاذ باحث في أصول الفقه

فوق


الطريقة البودشيشية في الحياة العامة

هل للطريقة القادرية البودشيشية التي يندرج في سلكها آلاف المريدين الذين ينتمون إلى مختلف الشرائح الاجتماعية (أطباء، مهندسون، جامعيون، طلبة، عمال···) طموحات سياسية؟ هل تفكر في خوض المعترك السياسي الوطني كحزب إسلامي معتدل مثلا؟

هذه الأسئلة ومثيلاتها يطرحها بعض الملاحظين السياسيين والمحللين السوسيولوجيين الذين يتتبعون عن كثب التوسع العددي والنمو الكيفي للطريقة القادرية البودشيشية واستقطابها لعدد متزايد من المنخرطين الجدد·وهي أسئلة تَنِمُّ عن قصور في الفهم وضعف في التحليل ناتج عن دراسة خارجية وسطحية للطريقة القادرية البودشيشية وإقحامها في قوالب فكرية جاهزة دون محاولة الغوص في أعماقها للتعرف على الآليات ''الربانية التي تحكمها، هذه الآليات التي لا تُكتشف بالفكر ولكن تنكشف للشعور بالمشاركة الوجدانية'' وليس بالتحليل النظري·

فإذا كان تشييء الظاهرة الاجتماعية يساعد الباحث على فهم الظاهرة فهما موضوعيا كما هو معروف في مناهج البحث السوسيولوجي، وذلك بفصل الذات الباحثة عن موضوعها، فإن الظاهرة الصوفية لا يمكن فهمها موضوعيا إلا بالاندماج في التجربة الصوفية اندماجا شعوريا تنصهر معه الذات في موضوعها، تصبح معه الذاتية عين الموضوعية·

من هذا المنطلق يحاول هذا المقال الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه ويبدد في نفس الوقت سحب الغموض المخيمة في سماء الفهم.·

إن الطريقة القادرية البودشيشية تسعى لتحقيق أهداف مختلفة تماما عن الأهداف التي تتوخاها التنظيمات السياسية كما أنها تختار وسائلها من جنس أهدافه.ا·

فإذا كانت غاية الصوفي هي تحقيق القرب من الله ومعرفته فإن هذا المسعى الروحي لا يمكن إلا أن يتبنى وسائل روحية متلائمة معه فنحن لا نمخر عباب البحر على متن سيارة ذات عجلات مطاطية، كما أننا لا نسير في الطريق على متن باخرة·

لذلك لا يمكننا منهجيا وصم الطريقة القادرية البودشيشية بـ''السلبية السياسية'' أو ''الخمول السياسي'' ما دامت أنها ليست تنظيما سياسيا ولا حركة نقابية. فلا وسائلها ولا أهدافها لها طابع سياسي حتى نُصدر عليها مثل هذا الحكم.

لكن هذا لا يعني السقوط في سلبية مطلقة فالصوفي، يمارس سياسة ''المواطن'' ويهتم بالمصالح العليا لبلاده كواجب ديني وأخلاقي ''الوحدة الترابية، الاستقرار السياسي، السلم الاجتماعي···'' لأنها تنسجم مع روح التصوف وبل وتعتبر من مظاهره الخارجية.·

من هذا المنطلق تشارك الطريقة القادرية البودشيشية في الحياة العامة، وفي إحداث التغيير الاجتماعي الإيجابي مباشرة أو بطريقة غير مباشرة على عدة مستويات.·

- على مستوى الفرد حيث تشكل الزاوية القادرية البودشيشية مركزا مهما لإعادة التأهيل الروحي والأخلاقي لكل المنضوين تحت لوائها من خلال بث الأخلاق الإسلامية العالية فيهم ليس عن طريق الخطاب الوعظي ولكن عبر الشعور الداخلي من خلال ذكر الله تعالى الذي يحدث انقلابا داخل النفس الإنسانية ويستبدل فيها إرادة الشر بإرادة الخير.·

هذه الأخلاق التي تصطدم بها كل البرامج الإصلاحية والتصحيحية والتي يتم استبعادها على مستوى التحليل باعتبارها عناصر ''غير علمية'' ويستنجد بها في فترات الأزمة لامتصاص الصدمات الاجتماعية والنفسية.·

- على المستوى الاجتماعي من خلال مساهمة الأفراد المنتمين للطريقة في البناء الاجتماعي كل من موقعه الذي يحتله في السلم الاجتماعي والمسؤولية المناطة به.·

فالقاعدة العامة التي تحكم سلوك المريد في كل اختياراته هي أنه كلما تقدم في سيره الروحي كلما كانت اختياراته متلائمة مع متطلبات الشريعة الإسلامية، وبعيدة عن الهوى وحظ النفس.·

- ثم إن الطريقة القادرية البودشيشية تتعامل أيضا مع بعد غيبي باعتباره شهودا حاضرا، فالطريقة عندما تأمر أتباعها بالاستدامة على ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، وقراءة صحيح البخاري والشفا للقاضي عياض···إلخ فإنها تحرك ''أسبابا معنوية'' لها تأثير فاعل وعميق في نفوس مريديها وفي المحيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لشعورها العميق بمعية الله تعالى وقدرته المطلقة التي لا يعجزها شيء، وهي بذلك تمارس ''وطنيتها'' ولكن في مستوى يغيب عن كثير من الناس لانحجابهم بكثافة المادة عن شفافية الروح، وبالأسباب عن مُسبِبها.·

وقد أحسسنا مرارا بسريان اللطف الإلهي في الأحداث التي يمر بها المغرب ببركة الأذكار وسلك القرآن التي يأمر شيخ الطريقة القادرية البودشيشية بالعكوف عليها درأ 'للأخطار واستجلابا للطف الإلهي مما نشعر به شعورا خاصا يرقى إلى درجة يقين المعاينة.·

 

  د. محمد صحري  

  أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق  

فوق


التصوف ''دعوة '' لا مواجهة

الحركة الصوفية والتحديات الراهنة

تتناول هذه الدراسة قيمة التجربة الصوفية ومشروعيتها الأخلاقية وكيف حاول الاستشراق تشويهها بدوافع استعمارية. وقد بينت هذه الدراسة الأدوار الطلائعية التي قام بها التصوف في تاريخ الإسلام.

أود أن أستهل دراستي هذه بالتأكيد علي تلك الحقيقة التي كانت محط إدراك كثير من الملاحظين في القديم والحديث ألا وهي أن التجربة الصوفية جزء لا يتجزأ من التجربة الدينية، إذ التصوف "بعد" من أبعاد هذه التجربة الأخيرة، مادامت التجربة الدينية تترجم في النهاية إلي بطانة عقائدية وممارسة أخلاقية، وهل التصوف إلا تصفية القلب وتزكية النفس والتخلق بالخلق الحسن، وكل من زاد عليك في التخلق فقد زاد عليك في التصوف····!

مشروعية التجربة الصوفية

لذا فإن الجدل الذي عرفته الساحة الفكرية منذ أوائل القرن الماضي حول مشروعية التجربة الصوفية·إنما كان جدلا يعكس في الواقع تلك القطيعة التي لم تفصل بين المفكر المسلم الحديث وبين تراثه الصوفي فحسب ، بل إنها قطيعة فصلت في نفس الآن المفكر المسلم وبين تراثه الأخلاقي الإسلامي بوجه عام، فبقدر ما انحطت نسبته الصوفية انحطت نسبته الأخلاقية، فكان الابتعاد عن مكارم الأخلاق الإسلامية في عهود الانحطاط إيذانا بالابتعاد عن مكارم الأخلاق الصوفية، لأن هذه من تلك ، وهي بعد من أبعادها الضرورية.

الاستشراق والتصوف

وبعد أن هدأت عاصفة النقد واللوم والبحث عن أسباب الانحطاط وتعليل «تأخر المسلمين وتقدم غيرهم"·أراد المثقف المسلم الحديث والمعاصر أن يعود إلي ذلك التراث الصوفي في الإسلام ليتعرف على تجربته وليستنطق "نصوصه" لكنه وجد تلك النصوص وقد سبقه إلى تحليلها ودراستها وإخراجها في شكل جديد ثلة من المستشرقين. إلا أن هذه "المعرفة" الاستشراقية، رغم قيمتها في إزاحة الغبار عن تلك النصوص الصوفية وتقديمها للمسلم المعاصر في ثوبها الجديد، كانت تمثل في حقيقة الأمر "عائقا معرفيا" يحول دون التعرف العلمي السليم على واقع التجربة الصوفية وبعدها الحقيقي ضمن التجربة الإسلامية العامة.

ويتمثل ذلك العائق المعرفي في الدراسات الاستشراقية في كون هذه الأخيرة حددت لها منذ البداية هدفا «إديولوجيا» لم يكن البحث العلمي الذي يغلفه يمثل سوى غطاء يخفي الرغبة الدفينة في تسخير «المعرفة» لأجل «السيطرة» على الآخر، بعد تشويه واقعه وإعادة «تأويله». لقد كان الاستشراق يعكس بالفعل التحولات الفكرية والسياسية لأوربا القرن التاسع عشر، أوربا المعتقدة للمركزية الاثنية «ETHNOCENTRISME»· والمتطلعة للسيطرة على الشرق المريض، اقتصاديا وسياسيا، أوربا التي وجدت في «هيجل» وعيها بذاتها وفي دولة «نابوليون» نموذجا للمستقبل، ولم يحمل «بونابارت» معه إلى القاهرة ذلك الطابور الثاني من رجال الفكر والعلوم حبا في الحكمة والمعرفة بقدر ما فعل ذلك تصميما على تطويع كل علم لأجل السيطرة على الشرق وتأويل كل «معرفة» تأويلا يزيل العقبات أمام ذلك الهدف الأساسي.

هكذا لم تكن التجربة الصوفية، شأنها شأن باقي نواحي التحرير الإسلامية، لتسلم من تأويل «المعرفة الاستشراقية» التي حاولت منذ البداية أن تجعل من التصوف الإسلامي مجالا سهلا، في الظاهر على الأقل لتقديم مختلف التأويلات والتبريرات التي تبرر عودة المارد الأوربي إلى العالم الإسلامي وتمهد له الطريق لغزو القلوب والعقول قبل غزو الأجساد والأوطان، لقد صار التصوف في «المعرفة» الاستشراقية يمثل الثورة الروحية في الإسلام، أليس الإسلام كما نعرف دين توحيد وتنزيه، يفصل بين الخالق والمخلوق، ويندد بكل أنواع «التشبيه» ويحذر من كل اعتقاد بالحلول أو بوحدة الوجود؟ وحيث إن «التصوف» هو بعكس ذلك «مشاركة» في الحياة الإلهية واعتراف بإمكانية الاتصال بين العبد والمعبود، وحلول أحدهما في الأخر فإن التجربة الصوفية في الإسلام تجربة شاذة في بيئتها غير منسجمة مع روح الإسلام ، فإنها إذن أقرب إلى المسيحية القائلة بإمكانية تلك المشاركة في الحياة الإلهية والقائمة على المعرفة الغنوصية وعلى التجسيد والحلول. وعليه فإن التصوف في العمق يمثل بالفعل «ثورة روحية» ضد الإسلام الفاصل بين العالمين، ومضمن هذا أن هذه الثورة الروحية تمثل في آخر التحليل «بضاعة مسيحية» نبتت رغم تلك العوائق في قلب الإسلام وعاشت معه واخترقت جسمه.·وعليه فما المانع أن تعود اليوم الثقافة المسيحية برمتها، عقيدة وسلوكا ودولا، إلى العالم الإسلامي الذي سبق له وأن تعود على مثل هذه الثقافة عبر التراث الروحي الصوفي؟!

ذلك باختزال التأويل الذي فرضته المصالح السياسية والاقتصادية على ''المعرفة'' الاستشراقية لظاهرة التصوف بالمشرق، أما في المغرب الإسلامي فقد تفتقت تلك المعرفة الاستشراقية على تأويل مشابه مع إضفاء بعد سياسي طاغ عليه، مراعاة واستغلالا من طرف المستشرق لخصوصية التركيبة الاجتماعية بالمغرب. فحيث واجهت المعرفة الاستشراقية كثرة الطرق الصوفية بالمغرب وازدياد تعلق العوام بالأضرحة والزوايا وانتشار ذلك في ربوع بوادي المغرب، فقد أصبحت عناصر التأويل الاستشراقي لظاهرة الطرق الصوفية بالمغرب «جاهزة» حيث أصبحت هذه الطرق هي الأخرى تمثل «ثورة» مزدوجة، ولكن هذه المرة هي ليست ثورة روحية ضد الإسلام لصالح المسيحية، بل إنها ثورة تمثل حنينا إلى بلاد البربر، لقد تأثر المستشرق بنقد الوهابية والسلفية للطرق الصوفية واتهامها لها بالوثنية والشرك فعز عليه أن ينسبها وهي متهمة بكل ذلك إلى المسيحية، كما نسب التراث الصوفي المكتوب إليها، فاعتبر التمسك بالأضرحة والأولياء حنينا إلى الماضي الذي ألغاه مجيء الإسلام ودخول العرب إلي بلاد البربر، وهذه هي الصورة الثانية من تلك الثورة: فالطرق الصوفية بالمغرب بقدر ما هي تمثل ثورة ضد التوحيد الإسلامي فهي ثورة «بربرية» ضد الجنس العربي، وضد دولة «المخزن» وما على الدولة الأوربية إلا أن تعيد عملية الفصل القديمة وتصدر «الظهير البربري» كبيان وترجمة لتلك «المعرفة» الاستشراقية ولتأويلها الإيديولوجي المكشوف.··

هكذا ندرك لماذا تصبح المعرفة الاستشراقية حول التجربة الصوفية في الإسلام عائقا يحول دون التعرف على طبيعة تلك التجربة نظرا لاختلاط المعطيات العلمية في تلك المعرفة بالتأويلات الاديولوجية، بل حتى حينما بدأ أقطاب الاستشراق يتخلون عن الزعم بغربة التجربة الصوفية في الثقافة الإسلامية واعتقدوا خلافا لذلك بأصالة هذه التجربة داخل الخطاب الإسلامي، فإن بعضهم ظل مع ذلك يتصورهم باستمداد التصوف الإسلامي أصوله خارج الثقافة الإسلامية مثلما توهم أتباع «ماسينيون» أن المسيح نفسه قد تجلى من جديد لدى المسلمين من خلال حياة الحسين بن منصور الحلاج!

وبذلك يتبين أن التعامل الاستشراقي القديم مع التجربة الصوفية الإسلامية كان في الأغلب تعاملا نسبيا محكوما بأهدافه الإديولوجية التي فرضتها عليه المركزية الأوربية ووعي أوربا بنفسها كنقيض للآخر، يبغي الهيمنة والاستحواذ ولايهتم بالحقيقة وبالموضوعية. وإذا ما ظهرت هذه الحقيقة مناقضة للتأويلات التي درج عليها الخطاب الاستشراقي فإن هذا الأخير لا يتأخر في الاستنجاد بقاموس من القدح والطعن لإخفاء تلك الحقيقة وتشويه صورتها، كما هو الشأن مثلا في التفسيرات الاسطغرافية لانتفاضات الحركات الدرقاوية المتواصلة ضد التواجد العثماني والفرنسي في الجزائر ومقاومتهم للاجتياح الفرنسي في منطقة توات جنوب صحراء المغرب، تماما مثل التفسيرات المغرضة للمواقف النضالية لابن عبد الكبير الكتاني قبيل عقد الحماية أو انتفاضة الدرقاويين مع جمهور الشعب في أحداث 1953.··

وحيث إن كل المواقف تلقي بعرض الحائط وتنسف التأويل الاستشراقي للطرق الصوفية بالمغرب على أنها ثورة ضد المخزن، فقد بات على المنظر الاستعماري أن يلجأ هذه المرة إلى أسلوب القدح والاتهام بالشوفينية والتعصب لتلك الحركات الوطنية التي شاركت فيها طرق صوفية بفعالية منذ القرن التاسع عشر بكافة منطقة المغرب العربي.

التصوف والمجتمع

لا يبقى إذن، للتحرر من تلك البقايا الإيديولوجية، إلا العودة بالخطاب الصوفي جملة إلى بيئته الفعلية، وبربط تاريخ التصوف بتاريخ المجتمع الذي انبثق منه، أقول تاريخ «المجتمع» وليس تاريخ الدول والمماليك، إذ يمكنني أن ألاحظ أن تاريخ مجتمعاتنا الإسلامية والعربية لازال يشكو من نقص نتيجة اقتصاره على التاريخ السياسي لتعاقب الدول و على تهميش يكاد يكون مطلقا للتاريخ الحركي والفعلي للمجتمع، الأمر الذي صارت معه الكتابة التاريخية تعكس في الغالب تاريخ «النخبة» وتاريخ المراكز الحضرية والمدن، العواصم، ولا تعكس بالضرورة تاريخ الحركات الاجتماعية الشاملة، وهل نستطيع أن ننكر تمثلنا لتاريخنا الحديث والمعاصر بالمغرب ولازالت تهيمن عليه تلك الرؤى المركزية التي صيغت إما في فاس أو الرباط أو مراكش أو غيرها من «الحواضر» التي تهدف تمركزا «لنخبة» لعلها همشت دور باقي «الأطراف» البعيدة في صناعة «الحدث الاجتماعي» الذي هو أساس الحدث التاريخي. ··

الأدوار الطلائعية للتصوف

ولاشك أننا حينما نختار «توسيع» رؤيتنا التاريخية وتنويع زواياها ونولي وجهتنا نحو بؤرة المجتمع وتفاعلاته اليومية نلتقي بالفعل بالدور الكبير الذي لعبته التنظيمات الصوفية كوثبة من «الوثبات الحيوية» التي تعبر عن حركات المجتمع وتطوره «الذاتي» وفي تاريخ المغرب خاصة من الشواهد ما ينهض دليلا على تلك الوثبات الحيوية وعلى تلك التنظيمات الذاتية التي عبر عنها المجتمع المغربي من خلال تنظيماته الصوفية، خاصة إبان انحلال الدول وتراجع السلط، وبالأخص في ظل اللامركزية التي عرفتها الدولة في تاريخ الإسلام عامة وتاريخ المغرب خاصة. لأجل هذا يكون من المتعذر التعرف على أسباب وعوامل انتشار الدعوة الإسلامية إذا ما تم الاقتصار على رصد حركات الدول و«فتوحاتها العسكرية»، فانتشار الإسلام بواسطة هذه الدول ظل دائما دون انتشاره بواسطة «القدوة الحسنة» التي كان لرجل التصوف، بجانب الفقيه والعالم والتاجر، الحظ الأوفر في تشخيصها وفي تخزينها على أرض الواقع والممارسة ولعلي لا أجد ما أقرب به إلى الأذهان نتائج تلك «القدوة الحسنة» والنموذج الأخلاقي لرجال التصوف أفضل من المقارنة بين ذلك الفشل الذريع الذي منيت به حركات «التبشير» في العالم الإسلامي رغم استناده إلى قوة المال والسلاح وإغراء الحضارة منذ القرن التاسع عشر، وما حققه الإسلام المعزول من تلك الأسلحة من انتشار عن طريق «الدعوة» والقدوة الحسنة التي كان لرجال التصوف الفضل الأكبر في حمل لوائها. وإذا وجب علينا هنا ألا ننسى الدور البارز الذي لعبه التراث الصوفي الإسلامي في تطعيم الثقافة الأوربية وخاصة في تلطيف خشونة وسذاجة عقائد بعض كبار المبشرين أنفسهم كما هو الحال بالنسبة لرامون لول المنظر الأول للحركات التبشيرية، إلا أن تنسك وتصوف هذا الأخير كما هو تنسك أمثاله من المبشرين ما كان بقصد المواجهة ولا بقصد الدعوة وإنما كان بقصد الاستعباد والغزو، لا بقصد المحبة والتخلق. ولهذا لا نظن أن إقدام الكنيسة في العقود الأخيرة على مجرد طلب وجوه مبشريها وتحويل بشرة أساقفتها من البياض إلى السمرة، لا نظن ذلك عملا مفيدا يمحو ذلك الارتباط الجوهري بين تاريخ الاستعمار وتاريخ الكنيسة والمتجذر في ذاكرة الإنسان الإفريقي والأسيوي، الذي مهما كان ضعف درجة وعيه فهو بفطرته الإنسانية يميز بين الدعاة أو التعامل بمنطق المقايضة وبين القدوة الحسنة التي مثلها صوفية الإسلام الذين جعلوا من إخلاص العبودية لله هدفا وحيدا لدعوتهم وكمالا إنسانيا من حق الجميع مشاركتهم فيه.

ولا يجب أن ننسى بهذا الصدد أن التصوف لم يعمل فحسب على توسيع الرقعة الجغرافية للإسلام، بل إنه خاصة في مراحل التراجع الحضاري وارتفاع سدود العزلة، قد عمل على إبقاء جملة من الروابط الروحية والفكرية التي لم تكن تخلو أحيانا كثيرة من بعض المظاهر الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية.····

التصوف ليس رهبنة

غير أننا نود بعد تلك الملاحظات التي تبرزها بوضوح دروس تاريخ انتشار الإسلام في العالم القديم، نود في الأخير أن نشير إلى أن الصوفي المسلم ما كان بإمكانه أن ينجح في دعوته وأن يصير «قدوة» لغيره لولا أنه لم يسلك مسلك الإسلام نفسه في الابتعاد عن تلك «الرهبنة» المقيتة، ويبادر إلى مشاركة الناس حياتهم الخاصة والعامة، ويضرب لهم المثل في التخلق بمقام «الجمع» الذي يقضي بتنزيل القيم والنماذج على مستوى ما يستطيعه الناس ويحيونه ويعيشونه. فكان الصوفي فردا من مجتمع الناس، يأكل ويتاجر ويتزوج كما يفعل الناس، لكنه في نفس الآن كان يمثل قدوة لهم ونموذجا يتطلعون إليه ويعلمون بمتابعة مسيرته بينهم غير أن كلامي هذا لن يكون له معنى في وقتنا الحاضر دون التأكيد على ضرورة عودة الصوفي المسلم إلى الانتباه مجددا لما يجري في محيطه من تغيرات تخص حاضر العالم الإسلامي وتمس بالضرورة مستقبل الإسلام. ولا يجدر بالمتصوف الذي عرف في الماضي بحذره الشديد وبطموحه الإنساني الكبير وبتخطيه للحدود الجغرافية والعوائق المكانية وقدرته على الحوار والتكيف. لا يجدر أن يظل اليوم حبيس المشاكل الوهمية أو القضايا الجزئية، وليدرك أنه قد آن الأوان لتضافر الجهود قصد إعادة قطار الدعوة على الطريق السليم وذلك لن يكون دون وعي هذا الصوفي بما يجري حولنا ورصده لما يدبر من خطط لإعادة غزونا في عقر دارنا، وإذا كانت ''المرأة'' أو ''الأسرة'' و''الأمية ''و''الفقر'' هو الثالوث الذي تستغله إلى اليوم، بقصد ومع سبق إصرار، دوائر التبشير المعاصرة بوسائلها المتطورة الحديثة للعودة من جديد لنشاطها القديم، فإن الملفت للانتباه أن تلك الدوائر تؤكد علاوة على ذلك وتعترف أنه لا نجاح لها في غزوها التبشيري هذا إلا بين الذين يبتعدون عن أصول الإسلام وعن التوحيد الإسلامي الخالص ويميلون إلى الشعوذة ويؤمنون بالأرواح وبما تسميه تلك الدوائر بالإسلام الشعبي!

وأعتقد أن هذا النوع من الصيد في الماء العكر يملك له المتصوف المسلم من رصيده الفكري والخلقي ما يجعله قادرا على مواجهته ودفع خططه، وذلك بما يتحلى به من قدرة على الحوار و «الدعوة» الخالصة إلى الله والأمل في المستقبل، وتلك مسؤولية لابد من الإعداد لها وتحمل أعبائها «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون» صدق الله العظيم.

هوامش:

*ألقي هذا العرض في ندوة "التصوف وازدهار الإسلام" التي نظمتها مجلة المريد بالدار البيضاء سنة 1997

1-حول هذه الأحداث، انظر كتابنا "إصلاح الفكر الصوفي" الدار البيضاء. دار الأفاق الجديدة، ط،2،1994 ص.289-294 وكذا الهوامش المذكورة هناك.

د. عبد المجيد الصغير

أستاذ الفلسفة والتصوف بكلية الآداب بالرباط

فوق


الإشارة عدد 28

السيادة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وأوجه موافقتها للسنة

يتناول هذا المقال مسألة إنكار القول بلفظ السيادة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذكر اسمه، وخاصة فيما يتعلق بقراءة الصلاة الإبراهيمية، و ما مدى موافقتها للسنة

بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف يجدر بنا أن نقف وقفة مع موضوع ذي صلة بالمناسبة -والمناسبة شرط في الكلام- حيث يلاحظ في الآونة الأخيرة وبشكل مثير أن بعض الاتجاهات الدينية تبالغ في مسألة إنكار القول بلفظ السيادة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذكر اسمه، وخاصة فيما يتعلق بقراءة الصلاة الإبراهيمية المشهورة، سواء عقب التشهد في الصلاة أو عند ختم الدعاء؛ وتعتبر ''سيدنا'' مخالفة لما ورد في السنة كما يستفاد -حسب فهمهم- من سياق جملة نصوص حديثية نبوية أهمها:

- الحديث: '' من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد''ـ(1)- الحديث: '' لا تسودني في الصلاة''(2)

- الحديث: ''··يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد''(3)·

وغالبا ما يسقطون مثل هذا الكلام على كل لفظ زائد مقترن باسم الرسول صلى الله عليه وسلم، نحو لفظ ''مولانا'' أثناء القول:''مولانا محمد'' أو'' مولانا رسول الله'' صلى الله عليه وسلم·

نعم، إن التمسك بالسنة والأخذ بها أمر محمود ومطلوب، ومن أوجه ذلك-كما هو معلوم- ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إما قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خِلقية أو خلقية. لكن هذا الأمر يبقى على إطلاقه لأنه يحتاج إلى مزيد بيان لمنهج البحث وتملك أدوات الاستقراء العلمي الدقيق للنصوص الشرعية قرآنا كانت أو سنة من أجل فقه كيفية الأخذ بسنة من السنن كيفما كانت، حتى لا تحملنا الرغبة في الإقتداء بسنة ما على ارتكاب ما يخالف السنة نفسها، وأحيانا الخروج عنها كما هو حال القضية المطروحة·وغير خاف أن كل تقصير في طريقة البحث عن حقيقة من الحقائق سواء كان من الجانب المنهجي أو العلمي أو الآلي يؤدي لا محالة بصاحبه إلى استنتاجات خاطئة، وقد يجر ذلك إلى منزلق خطير هو إصدار أحكام جزافية بناء على تلك النتائج التي يعتقد صحتها، فينتشر ذلك في عامة الناس وتعم به البلوى، وما أخطر مثل هذا!!!

ولتمحيص تلك الأدلة الحديثية التي غالبا ما يستدل بها منكرو لفظ ''سيدنا'' وشبهه في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل إدراج الأدلة النقلية والعقلية التي ترجح جواز هذا الفعل بدل إنكاره وتؤيد سنيته بدل تبديعه، ننظر فيها تباعا:

- فأما الدليل الحديثي الأول، فمعناه عام وشبيه باللفظ النبوي المشهور:·"كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة·'' وكل ذلك يقوم دليلا-بالأساس

- على أن من ابتدع بدعة في أمور جوهر الدين كالعبادات: من غسل ووضوء وصلاة وصوم وحج·أو المعاملات على خلاف ما شرعه الله لرسوله وارتضاه له يكون مردودا عليه فعله ويؤثم عليه؛ كما قد يؤخذ من هذا الدليل وذاك ترهيب من يريد التجاسر على أمر الدين تبعا لمزاجه وهواه رغبة في نيل مصلحة أو سعيا في تحقيق منفعة.·

- وأما الدليل الحديثي الثاني، فهو مجرد كلام منسوب إلى رسول الله كذبا، وحديث موضوع لا أصل له سندا ومتنا كما نبه عليه المحققون، فلا عمدة عليه-إذن- ولا عمل به البثة·

- بينما الدليل الحديثي الثالث، فعلى الرغم من صحته سندا ومتنا فإنه لا يعني بالضرورة أن زيادة لفظ ''سيدنا'' عند التصلية بدعة مثلما يظهر من خلال منطوق النص فحسب، دونما النظر إلى قرينة سبب الورود، والمعنى المقصود، واستقراء باقي النصوص، وإجراء ما يلزم من المقارنات والمقابلات.·

صحيح أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال-كما ورد في النص الحديثي الثالث- كان صريحا وواضحا، لكن ما ينبغي أن يعلم أنه صلى الله عليه وسلم يروى عنه أنه قبل الجواب أطال في السكوت ثم أجاب، وفهم سكوته هذا على أنه كان يتردد في قول ''سيدنا'' في حقه بنفسه، ففضل أن يجيب بما نقل عنه وتضمنه حديثه الشريف، وحمل ذلك بطبيعة الحال على التواضع منه صلى الله عليه وسلم، ولا سيما وأنه قد سئل عن أمر يتعلق به هو شخصيا فكان رده صلى الله عليه وسلم قمة في التواضع، وكيف لا وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وهو الذي خصه ربه بالخطاب حين امتدحه وأثنى عليه بقوله: '' وإنك لعلى خلق عظيم''(4)·

وإن ما يعضد هذا النوع من الفهم ويقوي منحاه ويحمله على جادة الصواب هو وجود نصوص حديثية أخرى-بغض النظر عن القرآن- تضمنت لفظة السيادة تنصيصا، وصدرت من الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه عن نفسه كنحو قوله فيما رواه أبو هريرة (ض)'': أنا سيد ولد آدم ولا فخر'' وفي رواية '' أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع''(5)؛ والواضح من النصين أن هاهنا مقاما يقتضي مثل هذا المقال، وهو إظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعمة الله عليه، تبعا لقول الله تبارك وتعالى: '' وأما بنعمة ربك فحدث''(6)

·ولعل ما يقوم دليلا على صحة هذا الملحظ هو الحديث الذي نقل عن أنس بن مالك (ض) أن رجلا قال: يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياأيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل" وتكفي هذه الإشارة منه صلى الله عليه وسلم بأنه يذم من المدح ما يتجاوز الحد ولا يناسب المقام مراعاة لمقتضى الحال ووازع الخلق والأدب·(7)

والحق أن تسييد الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو زيادة في الإخبار بواقع سلوكه صلى الله عليه وسلم (8) كما نبه على ذلك الحنفية والشافعية (9)؛ وقد انفرد المالكية في هذا الباب بإشارة لطيفة وهي أن الأدب يراعى قبل السنة ما دامت المعاملات في أصلها تحمل على التوفيق، عكس العبادات التي لايعمل فيها إلا بالتوقيف والتوقيت كما هو معلوم·وقد استند المالكية في هذا على ما جرى بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في مسألة الإمامة بالناس في الصلاة كما يستفاد من نص الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: '' كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له فأعاد الثالثة، فقال إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه، قيل للأعمش: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر فقال برأسه نعم" رواه أبو داود عن شعبة عن الأعمش بعضه، وزاد أبو معاوية: جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما"(10)

ولذلك أثر عن أبي بكر (ض) الله عنه قوله:'' ماكان لإبن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم''؛ لأنه- كما يحكي القاضي عياض نفسه- لا يجوز لأحد أن يؤمه، ولا يصح التقدم بين يديه في الصلاة ولا غيرها، لا لعذر ولا لغيره؛ وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك بصفة أشمل كما دلت عليه الآية الكريمة في مطلع سورة الحجرات: '' يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله''

·وغني عن البيان، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حظي بأرقى صور التشريف والإكبار من لدن الله تعالى قبل أي أحد، بحيث ما ثبت في نص من القرآن أن نادى الله عليه باسمه أو اسم آخر غير مشرف ولا معظم على خلاف الأنبياء(11)·

والجدير بالذكر، أن ترك لفظ ''سيدنا'' عند ذكر اسم الرسول(ص) لا يترتب عليه أي إثم ولا ذنب، لأنه من باب ما يندب في حقه صلى الله عليه وسلم؛ ولا أدري كيف وضع في منزع الخلاف بين علمائنا منعا وجوازا؛ لكن مع ذلك فمن سيد الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذكره يكون أفضل ثوابا وأجرا على من تركه،(12) لما في ذلك من كبير احترام لمقام سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه، امثتالا لقول الله تعالى:'' لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا''(13)

ثم ما يزيدنا يقينا في جواز تسييد مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر الإلهي الموجه إلى فئة المومنين بلزوم الصلاة على سيدنا محمد- بعد إقرار صلاته سبحانه عليه بمعية ملائكته-، وقد أنزل في هذا الأمر قرآنا يتلى ويتعبد به حين قال الحق سبحانه وتعالى:'' إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"(14)، فلزم من آداب الصلاة عليه تسييده، تأدبا وتعظيما وتشريفا، عملا بفحوى الآية الكريمة '' لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض'' (15)

·ومما ينبغي أن يعلم أن كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يتداولون هذا اللفظ فيما بينهم بداعي التشريف والتعظيم، كنحو ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:'' كان عمر يقول: '' أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا" يعني بلال (16)، بل جرى ذلك عرفا على لسان العرب كقولهم: إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا·· فأي ضرر-إذن- يترتب على القول بالسيادة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذكر اسمه، أو يأباه الدين حتى يصير بدعة في حجم البدعة الحقيقية(17)

·وإن من العجب العجاب وغرائب هذا الأمر، أن بعض المنكرين لتسييد مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وللأسف الشديد- تجدهم لا يرضون لا لأنفسهم ولا لزعمائهم من ينادي عليهم بأسمائهم مجردة، بل يصل بهم الحال أحيانا إلى الغضب؛ ولا ندري كيف يشتهون لأنفسهم لقب السيد، والعالم والشيخ، والإمام·· ولا يتهيبون من إنكار كل ذلك في حق سيد البشر وهو أولى به من غيره(18)· وما أحسب قول الشاعر إلا ردا على أمثال هؤلاء:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

وفي الختام، يجدر بنا أن نشير في هذا الصدد إلى ما دأب عليه علماؤنا في المغرب-مشكورين-، ويستحق منا مزيدا من التقدير والإجلال، ويحسب من كرائمهم-وما أكثرها-؛ فقد ظلوا متشبتين بتسييد مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤيدين لسنية هذا الفعل ومنافحين عنه، وذلك من خلال ترديده في أذكارهم وأورادهم، وتصدير به حلقات دروسهم ومواعظهم، وتضمينه في تآليفهم وكتبهم··، إكبارا وتعظيما لمقام رسول الله، وتيمنا ببركة ذكر السيادة في حقه، محبة في شخصه، وإظهارا لاتباع سنته، والاستمساك بهديه، ورغبة في نيل أجر وثواب ذكره.

·الهوامش:

(1)- رواه البخاري ومسلم

·(2)- حديث موضوع·

(3)- صحيح البخاري·

(4)- سورة القلم/ .4

(5)- سنن أبي داود/ كتاب السنة، وسنن ابن ماجة/ كتاب الزهد، ومسند الإمام أحمد··

(6)- سورة الضحى /11

(7)- تأمل في قول رسول الله(ص):'' لا تقولوا للمنافق سيدا فإن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل''رواه أبو داود في سننه /كتاب الأدب·ونقله الإمام أحمد في مسنده بلفظ شبيه به:'' لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم عز وجل''·

(8)- فقد أورد ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى:'' وسيدا وحصورا ونبيئا من الصالحين'' الآية39 سورة آل عمران أن السيد: هو الشريف الكريم، والفقيه العالم، ومن لا يغلبه الغضب· كما أشار الإمام القرطبي في تفسيره لنفس الآية وذكر- فيما ذكر- أن السيد هو من يسود قومه وينتهي إلى قوله· وهذه كلها أوصاف محققة في شخص رسول الله (ص) وزيادة·

(9)- ''تندب السيادة لمحمد في الصلوات الإبراهيمية، لإن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب، فهو أفضل من تركه'' الفقه الإسلامي وأدلته:د· وهبه الزحيلي/ ج: 1- ص: ,.721

(10)- صحيح البخاري/كتاب الآذان

(11)- قال تعالى لنوح'' يا نوح اهبط بسلام''، ولادم'' ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة''، ولإبراهيم'' يإبراهيم أعرض عن هذا''، ولموسى'' وما تلك بيمينك يا موسى''، ولداود '' ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض''، وليحيى'' يا يحيى خذ الكتاب بقوة'' وآخرون···أما سيدنا محمد(ص) فخاطبه بـ:'' يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك''، ''يأيها النبي'' '' يأيها المزمل'' '' يأيها المدثر''···

(12)- عن عبد الله بن مسعود قال:'' إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقالوا له فعلمنا، قال: قولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة·اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" · *سنن ابن ماجة/ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها·

(13)- سورة النور/61, وتفيد الآية الكريمة دعوة صريحة وواضحة من الله للمومنين إلى التأدب مع الرسول (ص)، أي: لا تجعلوا نداءكم إياه وتسميتكم له مثل نداء بعضكم بعضا·

(14)- سورة الأحزاب/56.

(15)- سورة الحجرات/2.

(16)- صحيح البخاري/ كتاب المناقب·

(17)- يقول الامام الشاطبي معرفا مصطلح البدعة:'' عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه'' الاعتصام /ص:28

(18)- قال الزجاج:( السيد من يفوق أقرانه في كل شيء من الخير)؛ نقلا عن تفسير القرطبي لسورة آل عمران/ الآية ,.39

ذ. ابراهيم اموننَ :

أستاذ باحث في مصطلحات القرآن والحديث

فوق


 

شرعية الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف

يبين هذا المقال شرعية الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف من خلال الكتاب والسنة وأقوال العلماء

إن الاحتفال بذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الأنبياء و المرسلين نبي الرحمة وغوث الأمة سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات، التي فيها تعظيم لشعائر الله تعالى، كما جاء في الذكر الحكيم "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام وتلاوة القرآن والأذكار وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله عليه الصلاة و السلام، كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين ابن الجوزي وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي، والحافظ ابن حجر، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي رحمهم الله تعالى.وألف في استحباب الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف جماعة من العلماء والفقهاء بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح من الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وقد أطال ابن الحاج في المدخل في ذكر المزايا المتعلقة بهذا الاحتفال، وذكر في ذلك كلاما مفيدا يشرح صدور المؤمنين، مع العلم أن ابن الحاج وضع كتابه المدخل في ذم البدع المحدثة التي لا يتناولها دليل شرعي.وما ظهر من بعض الجهلة المتطفلين على مائدة العلم من إنكار الاحتفال بذكرى ليلة المولد الشريف، هو من قبيل الجهل المنسوب لصفتهم وينبغي أن يعرض العاقل عن كلامهم ولا يلتفت إليه مطلقا لأنه صادر عن جهل منهم بقواعد العلم المعتبرة عند الأئمة، إضافة إلى فساد ضميرهم وضعف عقيدتهم. قال خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي في كتابه "حسن المقصد في عمل المولد الذي ألفه في استحباب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، قال رحمه الله تعالى بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع ، وهل هو محمود أو مذموم ، وهل يثاب فاعله ؟ قال:" والجواب عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه و ينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف، وقد كان الملك المظفر يعتني بإقامة المولد النبوي بالطعام وغيره، ويحضره أعيان العلماء الصوفية فيكثر الصدقة في يوم الاحتفال، ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر وقد مات رحمه الله تعالى وهو محاصر للنصارى في مدينة عكا أثناء الحملة الصليبية سنة ثلاثين وستمائة، وكان هذا الملك شهما شجاعا بطلا عالما عادلا رحمه الله تعالى وقد صنف له الحافظ أبو الخطاب بن دحية، مجلدا في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير وهو من أوسع الكتب المؤلفة في المولد النبوي وقد رد السيوطي على من قال :"لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة" ، بقوله:" نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود مبينا أن إمام الحفاظ أبا الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى قد استخرج له أصلا من السنة ، واستخرج له هو - يعني السيوطي- أصلا ثانيا موضحا أن البدعة المذمومة هي التي لا تدخل تحت دليل شرعي في مدحها أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة روى البيهقي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال :" المحدثات من الأمور ضربان : أحدهما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر بن الخطاب في قيام شهر رمضان نعم البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى هذا آخر كلام الشافعي. قال السيوطي:" وعمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع ، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول ، فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان، فهو إذن من البدع المندوبة كما عبر عنه بذلك سلطان العلماء العز ابن عبد السلام" وأصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة، لأن ولادته أعظم النعم علينا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، وهذا ما رجحه ابن الحاج في المدخل حيث قال :"لأن في هذا الشهر من الله تعالى علينا بسيد الأولين والآخرين، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير وشكر المولى على ما أولانا به من النعم العظيمة" والأصل الذي خرج عليه الحافظ ابن حجر عمل المولد النبوي هو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى، قال الحافظ:" فيستفاد منه فعل شكر الله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم ويؤكد الحافظ ابن حجر على ما ينبغي أن يعمل في الاحتفال فيقول:" فينبغي أن نقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وما كان مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به" ، هذا آخر كلام أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أما الإمام السيوطي فالأصل الذي ذهب إلى تخريجه عليه، هو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي عليه السلام إظهار للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته، كما كان يصلي على نفسه لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجود القربات وإظهار المسرات. ونقل السيوطي عن إما م القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري من كتابه عرف التعريف بالمولد الشريف قوله:" إنه صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثويبة عندما بشرته بولادة النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي عليه السلام، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم. وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في مولد الهاـدي"

إذا كـــان هذا كافرا جاء ذمه وثبت يداه في الجحيم مخـــــلدا

أتى أنه في يوم الإثـــنين دائما يخفف عنه للسرور بأحمـــــدا

فما الظن بالعبد الذي طول عمره بأحمد مسرورا ومات موحــــدا

 

فهذه أخي القارئ بعض قليل مما كتبه الأئمة الحفاظ في استحباب إحياء ذكرى المولد الشريف، لا يبقى معها أي شك في ثبوت جهالة من يعارض مشروعية الاحتفال بالمولد مع أنه تجدر الإشارة إلى أن الاحتفال له معاني جد سامية وخصوصا في تعريف الناشئة سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقدره العظيم الذي بات الكثير يجهله تماما. نسأل الله أن يعرفنا بقدر نبينا خاتم الأنبياء والمرسلين ويجعل حبه ساكنا في سويداء قلوبنا وممتزجا بأرواحنا وأبداننا حتى ننال شفاعته والقرب منه يكون أسعد الناس من نال القرب منه في عرصات القيامة إنه سميع مجيب.

عبد المنعم بن الصديق

فوق


مع مقاربات التصوف وقفة مع المقاربة اللغوية - المصطلحية

يتناول هذا المقال بالدراسة و التحليل آليات الخطابالصوفيمن مجاز واستعارة وكناية واعتماد الإشارة عوض العبارةو الرمز و غير ذلك

إن المقاربة اللغوية - المصطلحية تنصف الصوفية وتدرك بعضا من حقيقة خطابهم، فالصوفية يستعملون كل الآليات اللغوية المعروفة، والتي إن أنكرناها فإن كل الخطابات سيكتنفها الغموض، وتصبح دلالتها معرضة إلى أن تحمل على غير محملها، ومن هذه الآليات المجاز والاستعارة والكناية والعام الذي يراد به الخاص، والخاص الذي يراد به العام واعتماد الإشارة عوض العبارة إلى غير ذلك، ففي لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العام وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم، ولهذا يقولون :'' نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة'' والإشارة لنا والعبارة لغيرنا ''. وصار هذا سببا لفتنة طائفتين :

طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وضللوهم.

وطائفة : نظروا إلى مقاصدهم ومغزاها، فصوبوا تلك العبارات وصححوا الإشارات، فطالب الحق بقلبه ممن كان ويرد ما خالفه(1)·من القضايا التي يمكن أن تضيء المقاربة اللغوية جوانبها قضية استعمال الرمز في اللغة الصوفية، وهو أمر يعود '' إلى قصور اللغة الوضعية نفسها، إذ أنها لغة وضعية اصطلاحية تختص بالتعبير عن الأشياء المحسوسة والمعاني المعقولة، في حين أن المعاني الصوفية لا تدخل ضمن نطاق المحسوس. وقرر الغزالي ذلك الأمر أيضا·في قوله : '' لا يحاول معبر أن يعبر عنها (أي الحقيقة الصوفية)·إلا اشتمل لفظه على خطإ صريح، لا يمكنه الاحتراز عنه''·

ومن الملاحظات المهمة حول طبيعة (الرمز) الصوفي لجوء الصوفي اضطرارا إلى استخدام الأمثلة المحسوسة في التعبير عن معان غير محسوسة وغير معهودة، وهذا ما وضحه الغزالي في قوله :'' اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس''، وهو ما أثبته - فيما بعد - الباحثون سمة ملازمة لطبيعة الرمز الصوفي.

·إن هذه الطبيعة المزدوجة المتناقضة في التعبير عما هو غير محسوس بمثال محسوس تضفي على الرمز الصوفي قابليته للتأويل بأكثر من وجه، ولهذا يصادفك أكثر من تأويل واحد للرمز الواحد، مما يجعل الرمز الصوفي بقدر ما يعطي من معناه فهو في نفس الوقت يخفي من معناه شيئا آخر، وهكذا يكون الرمز خفاء وظهورا معا وفي آن واحد. فهو على نقيض الرمز الرياضي الذي أريد له أن يضبط الدلالة ويقصي بعيدا أية إمكانية أو مرونة للتأويل أو التفسير الذي قد تحمله العبارات اللغوية الاعتيادية''(2)

·إن مسألة حجاب الرمز الذي قد يحول بين القارئ وبين النص الصوفي هي من أعوص المشكلات، باعتبار أن حجاب الرمز هذا قد يكون وراء كثير من التشوهات التي تلحق فهم القارئ للنص، وبالتالي إلى تشوه الرؤية الفكرية للتصوف ككل، ومن هنا كان من الضروري التوسل بآليات فهم النص الصوفي كي لا تقع في هذه المزالق، خصوصا وأن ''مؤلفات وأقوال المتصوفة تزخر بالرمز، والرمز من حيث هو رمز، له قابلية لتأويلات شتى، لذا شدد المتخصصون على وجوب الحذر، يقول عفيفي:'' كان لزاما على الناظر في أقوال الصوفية أن يكون على حذر في فهمها وتأويلها والحكم عليها، وإلا صرفها إلى غير معانيها، وقديما أنشد أحد الصوفية:

إذا نطقوا أعجزك مرمى رموزهم وإن سكتوا هيهات منك اتصاله (3)·

إن القراءة الجامدة التي تقصي البعد الوجداني في النص الصوفي هي قراءة واقعة في خلل الفهم لا محالة، فالرمز الصوفي ''عالم خاص لكي ندخله لا بد أن نتجاوز'' العقل'' (4)،لأنه إنما يعمل وفقا لمبدأ الذاتية وعدم التناقض والرمز على العكس من ذلك يحتضن الأطراف المتناقضة وهو لا ينكشف لنا عن طريق التصورات المجردة، وإنما يكشفه الحدس الذي يمس باطن الذات فيجلو لها حقائق تجل عن الفهم، لو أردنا أن نتناولها بعدة المنطق التقليدي والمعرفة العقلية، ومعنى هذا أن التجربة الصوفية ينبغي أن تفسر بمنطق آخر عاطفي وجداني،لأننا لسنا في مجال فيزيائي يعتمد على المعطيات الحسية، وهذا المنطق المفسر للتجربة الصوفية بما فيها من وضعية روحية وما فيها من أذواق وتلويحات وظواهر نفسية ووجودية على إثبات التمزق والوحدة المتوترة التي تستقطب الأطراف المتقابلة.·

وتوضيح ذلك أن الصوفي إنما ينشد خلاصه ويحقق علوه وهو مغروس في طينة هذا العالم الذي يبدو موقفا نهائيا مفروضا، لكنه في ارتباطه بالعالم يستوحش مما سوى الله لأنه هو الوجود الحق المطلق. وهكذا تنمو النزعة الصوفية تحت تأثير ديالكتيك وجداني يتسم بالتوتر.

وهاهنا ينبغي أن نميز بين لغة موضعية ولغة رمزية وفقا للتمييز بين ما هو فيزيائي وما هو نفسي حيوي، ومن البديهي أن التجربة الصوفية لا يجدي في تناولها اللغة الأولى لأنها تجربة ذات طابع نفسي حيوي، ولذا نجدها لغة مرموزة توائم ما تعبر عنه من أحوال نفسية ووجودية عالية'' (5).

وتجرنا المقاربة اللغوية إلى المقاربة الإبداعية الأدبية، وهو مجال للصوفية فيه الباع الطويل باعتبار ما أنتجوه من أدب عال شعرا ونثرا، وإن كنا سنجد أن البعض يؤاخذ الصوفية نظرا لبعد غور الرمزية التي يستعملونها في أدبهم، والحقيقة هي ما عبر عنها صاحب اتجاهات الأدب الصوفي الذي يقول: '' التصوف في حقيقته إيثار وتضحية، وهو نزوع فطري إلى الكمال الإنساني والتسامي والمعرفة، والواقع أننا إذا تأملنا أدب الصوفية شعرا ونثرا·وجدنا رمزا غريبا، ونمطا عجيبا، وبعدا عن التصريح، وإيثارا للتلويح، واعتمادا على الإشارة، وعلاقات خفية في التجوز بالكلام، ودرجات بعيدة بين المعاني الحقيقية والمعاني اللزومية لا يكاد يفهمها فاهم، ولا يصل إلى جوهرها عالم أو حالم"·وليس الرمز في الشعر الصوفي راجعا إلى الكنايات البعيدة وحدها، وإطلاق أسماء من قبيل الرموز الخفية على مسميات لا يراد التصريح بها، كإطلاقهم الخمرة على لذة الوصل ونشوته.والمعاني الحسية التي يستعملها الصوفية في الدلالة على المعاني الروحية يرمزون بها إلى مفاهيم وجدانية على الرغم من الرداء المادي الذي تبدو فيه، ومن ثم استعمل الصوفية الوصف الحسي والغزل الحسي والخمر الحسية وأرادوا بها معاني روحية.

وسبب ذلك هو عجز الصوفية في طوال الأزمان عن إيجاد لغة للحب الإلهي تستقل عن لغة الحب الحسي كل الاستقلال، والحب الإلهي لا يغزو القلوب إلا بعد أن تكون قد انطبعت عليه آثار اللغة الحسية، فيمضي الشاعر إلى تصوير عالمه الجديد، فالصوفية يطلقون الخمر والعين والخد والوجه، ألفاظا ترمز إلى مدلولات غير تلك التي تعارف عليها الناس في دنيا الحس. والرمزية في الغزليات والخمريات ليست بالغريبة عن الشعر الصوفي في الإسلام، بل إنها لم تبد في غير التصوف بمثل هذا الغنى وعلى نحو من ذلك الصدق، ومع ذلك ابتكر الصوفية ألفاظا جديدة لهم هي أقرب إلى المصطلحات العلمية التي لا يقف على معانيها إلا الواصلون إليها. إن الصوفي لا يشرك في الحب أبدا، محبوبه واحد لا يريم عنه، ومعشوقه ثابت لا يتغير ولا يتبدل، ولكنه يعبر عنه بتعابير مختلفة، وذلك لإظهار الهيام وألوانه. وقد يكون سببه إظهار الحيرة، والصوفي الحق يرتاح إلى الحيرة كما يرتاح الجاهلون إلى اليقين، وأحيانا يكون الرمز أيضا بكثرة اللوازم والوسائط المستعملة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ولهذا نظير في الكنايات البعيدة والاستعارات البعيدة في البيان.·

وأحيانا أخرى يكون سبب الرمز أن الأديب لا يتحدث بلغة العقل، بل بلغة الروح والباطن والمشاعر الخفية، وأنه يعبر عن معان عميقة لا يمكن أن يفهمها العامة ولا كثير من الخاصة، وغير ذلك من الأسباب. والرمزية الموضوعية التي قد يكون من أسبابها الموضوع نفسه أو استعمال الأقيسة المنطقية والمقاييس الفلسفية، والأولى قد يمكن أن تعرف بأنها الإغراق في أوجه البديع والبيان، وخاصة الاستعارة والمجاز والتمثيل والتورية. وهكذا نجد الرمزية شاعت شيوعا كثيرا في كتابات الصوفية نثرها وشعرها وقد يكون الصوفية مضطرين إلى استعمال الرمز لأن الحاجة ألجأتهم إليه لأنهم يعبرون عن معان ومشاهد وإحساسات نفسية لا عهد للغة بها ولا بالتعبير عنها··''(6)·

الهــوامش

1 ابن القيم ، مدارج السالكين ، ج 3 ص .330

2 ناجي حسين جودة ، المعرفة الصوفية) دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة) ص 129·

3 ناجي حسين جودة، المعرفة الصوفية "دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة" ص .129

4 العقل هنا بمعناه اليوناني، انظر في هذا الصدد كتاب تجديد المنهج في تقويم التراث، د· طه عبد الرحمن

5 د· عاطف جودة نصر، شعر عمر بن الفارض : دراسة في فن الشعر الصوفي ص،143 .

6 الدكتور علي الخطيب، اتجاهات الأدب الصوفي، ص .11

 

د· أحمد غاني

فوق


من الأمن الروحي إلى الأمن الحضاري

رغم بلوغ الإنسان المعاصر ذروة كبرى في التقدم العلمي، لم يصل السعادة المنشودة والاطمئنان الكامل. فأصبحت الحاجة ماسة إلى التربية الصوفية لتوافق بين متطلبات الأمن الحضاري و الأمن الروحي

مما لا ريب فيه أن الإنسان المعاصر بلغ ذروة كبرى في التقدم العلمي والتكنولوجي، مكنه من سبر أغوار هذا العالم واستكشاف خباياه وفتح آفاق كانت مجهولة ومستعصية عليه بالأمس القريب، وساعده على تيسير جوانب عديدة من حياته المادية والمعيشية،· فهل كان ذلك سببا كافيا لبلوغ السعادة المنشودة والاطمئنان الكامل؟

أ- أزمات الإنسان المعاصر وإشكالية العلاج:

كل الدراسات والأبحاث والخطابات المتعلقة بهذا الموضوع تجمع وتؤكد على أن تحقيق ذلك مازال بعيد المنال، وتعزو الأمر إلى وجود عدة معوقات وعوارض تتجلى في الأزمات الحادة والمتنوعة، والتي تعددت بشأنها مقاربات التشخيص والعلاج· وبالرغم من ذلك مازالت مستعصية عن الحل· وأبرز مظاهر هذه الأزمات ما يعيشه الإنسان المعاصر من قلق وحيرة وشذوذ ومخدرات وانتحار وإجرام وحروب وويلات أخرى متعددة ناجمة عن فراغ روحي كبير وظمأ قلبي شديد.·وقد سلم هذا الإنسان زمام أمره للعقل وحده الذي استأثر بالتدبير والاستشارة والإنجاز، وأقصى أنماطا أخرى للمعرفة، فظهرت أزمة العقل واضحة جلية، أغرقت الإنسان في التشكيك وعدم اليقين، وجعلته يتخبط في مستنقع التلوث الفكري والعقدي، فتم باسم العقل إقصاء الروح وتهميشها، وطغت العقلانية بمحدودية آفاقها وقصور مداركها، مما أوقع الإنسانية في مآزق ومواقف تكاد تعصف بأسمى المعالم والمعاني والعطاءات الحضارية.·وفي ظل هذا الجموح العقلي، هيمنت الحياة المادية على كل ما هو معنوي وروحي، فانعدم الأمن الروحي، وحدث الخلل الحضاري، وانفرط عقد الوئام بين مقومات الوجود الإنساني، واختل التوازن بين مطالب الجسد والروح، مما زج بالإنسانية في حياة ملؤها ثقافة الاستهلاك والاغتراب واللاهوية، وفقدت بذلك متطلبات الأمن الحضاري.·

ب- المنطلق من الأمن الروحي إلى الأمن الحضاري:

أمام اتساع الهوة بين الجسد والروح، وفشل العلماء والخبراء في رأب الصدع بينهما، أصبحت الحاجة ماسة إلى وثبة روحية تعيد التوازن المفقود ، وتفتح قلب الإنسان على آفاق الروح وأنوارها، وتبعث قوتها الكشفية والذوقية، ليتجاوز بذلك حدود المعرفة العقلية والأساليب المنطقية· فالحضارة البشرية لا تقوم إلا على التوافق بين الجسم والروح، وبين العقل والقلب، إذ بذلك تكتمل صفة الإنسان بالجمع بين المعرفة العقلية والعرفان القلبي ،ويضمن الأخذ بجميع مناحي الحياة ومطالب الدين والدنيا.·هذه الوثبة الروحية، والتي لا تتم إلا في إطار تربوي أخلاقي، تضمن الحصانة والوقاية من كل زيغ وانحراف، وتشكل بنية تحتية أخلاقية تصلح كأساس للبناء الاجتماعي المتماسك، فتكتمل بذلك أهم شروط الأمن الروحي الذي لا مناص منه لتحقيق الأمن الحضاري، وهذا ما يقوم عليه المنظور الصوفي الذي يجمع بينهما في ترابط وتكامل.

·ج- الأمن الروحي وعلاقته بالأخلاق والدين:

لقد تبين مما سبق ضرورة الانطلاق من الأمن الروحي لتحقيق الأمن الحضاري، ويتأكد ذلك إذا علمنا أن هوية الإنسان هي أخلاقية في كنهها وطبيعتها، إذ لا إنسان بدون أخلاق، كما أن العمل بالأخلاق ركن ثابت ومتجذر في الديانات السماوية، إذ لاأخلاق بغير دين ولا دين بغير أخلاق. ·ومن هنا تظهر حتمية تجاوز المقاربة الثقافية الغربية للأخلاق ،والتي تحصر الأخلاق في قوانين وضعية تفرض بتوجيهات فوقية وتعتمد على الحملات الإعلامية والندوات والمحاضرات، وتروم جلب المنفعة للأفراد والجماعات عن طريق فوائد ظاهرة ونتائج مغرية، لكنها تنحصر في السلوك الظاهري فقط ولا تباشر القلوب والأفئدة· لذلك لا يؤمن أن تنعطف بالفساد، وما تفتأ تتعرض لأبشع أنواع الخروقات والإفساد.· فأنّا لمثل هذه الأخلاق الوضعية السطحية الجمودية أن تحقق للإنسان أمنها الروحي المفقود؟إن هذا الأمن الروحي المنشود يتأتى في ظل مقاربة صوفية للأخلاق، يكون السلوك الظاهري فيها موافقا للباطن، والعمل يصدر تلقائيا عن القلب سواء كان التزاما فرديا أم التزاما مع الجماعة، لأن الأخلاق في المنظور الصوفي تمتاز بكونها مشدودة إلى معاني روحية ربانية، وموصولة بمصدر علوي يؤمنها من الانعطاف والانحراف، ويحفظها من الغطرسة والأنانية والجشع والاغتراب·هكذا نخلص إلى المعادلة الأساسية والتي نجملها فيما يلي:لا أمن حضاري بدون أمن روحي، ولا أمن روحي بدون أخلاق، ولا أخلاق بدون دين، ولا دين إلا بالتكامل بين ما هو روحي ومادي، وما هو قلبي وعقلي، وما هو دنيوي وأخروي، وبين ما هو شرع وحقيقة.· ولا يتحقق هذا التكامل إلا بتربية صوفية ممنهجة ومؤطرة.

·د-التربية الصوفية كوسيلة لتحقيق الأمن الروحي:

إن التربية الصوفية باعتمادها على التنمذج الكامل والقدوة الحية، وخوض التجربة والممارسة العملية، تفتح للقلب آفاق التزكية والرقي في مدارج المعرفة والسلوك، فيتحقق الإنسان بالإخلاص والاستقامة، ويراقب ربه ويحاسب نفسه. وبهذا يصبح صالحا لنفسه ولغيره، فاعلا في مجتمعه وفي عصره، وفعالا في عطائه وإنتاجه، وآمنا مطمئنا، وأمينا مؤتمنا، وسليما مسالما.·إن تربية بهذه الخصائص والمرتكزات تكون قمينة بضمان تربية واقية من هذا النزيف الحضاري الذي تعاني منه الإنسانية، وقادرة على تحقيق الأمن الروحي الذي يُمكّن من تبديد وتلاشي الصراع الحضاري المفتعل، وكفيلة بتصحيح الاختلالات وتحقيق التوازن النفسي والتكامل العقلي والقلبي والتوافق المادي والروحي·تلك إذن هي مرامي التربية الصوفية التي توافق متطلبات الأمن الحضاري وتحقق الأمن الروحي.

ذ· منير القادري بودشيش

باحث في التصوف والتواصل

فوق