التغيير الاجتماعي عند الوهابية
(الآفاق والسلبيات)
تأليف :
المقدمة :....................................................................
الباب الأول : التاريخ المذهبي للمجتمع الوهابي الأول .........
الفصل الأول : مجتمع الجزيرة العربية قبيل الحركة الوهابية ....
أولا : الحالة السياسية ...................................................
ثانيا : الحالة الدينية والاجتماعية .....................................
ثالثا : الخصائص السلبية لمنطقة نجد وأهلها ......................
الفصل الثاني : الحركة الوهابية وبعض ملامح التغيير ..........
أولا : التعريف بمحمد بن عبد الوهاب ..............................
ثانيا : محمد بن عبد الوهاب ومذهبه العقدي والروحي ..........
ثالثا : محمد بن عبد الوهاب (المصلح) الديني والاجتماعي.....
رابعا : الاستمرار العام للحركة في مجال التغيير الاجتماعي حتى نهاية القرن 19.......................................................
الباب الثاني : التركيبات الاجتماعية وتغيراتها ...................
الفصل الأول : الوحدة الصغرى في المجتمع (الأسرة) ..........
الفصل الثاني : البداوة والتحضر ....................................
الفصل الثالث : التعايش المذهبي والطائفي ........................
الباب الثالث : أهم الأنماط الاجتماعية وتغيراتها .................
الفصل الأول : النمط التعليمي .......................................
الفصل الثاني : النمط الصحي والزراعي ..........................
أولا : الصحة ...........................................................
ثانيا : الزراعة ..........................................................
الفصل الثالث : النمط السياسي .......................................
الباب الرابع : الحدود والتطلعات نحو التغيير الإجتماعي ......
الفصل الأول : الحدود المنهجية والتطلعات المستقبلية ...........
أولا : الحدود المنهجية .................................................
ثانيا : الحدود التطبيقية .................................................
ثالثا : الإمكانات والتطلعات المستقبلية ..............................
الفصل الثاني : الحركة الوهابية بين سياسة التقرير والتبرير....
أولا : تبادل الدعم بين السلطة والفقه الوهابي .....................
ثانيا : زئبقية قاعدة الولاء والبراء في الحركة الوهابية ..........
الخاتمة : .................................................................
قائمة المصادر والمراجع :............................................
بسـم اللــــه الـرحـمن الرحيـم
والصـلاة والسـلام على مـولانـا رسـول اللــه وآلــه وصحبــه
يبدو أن طرح موضوع الوهابية على مستوى دراسة اجتماعية تلحظ الممارسة العلمية في الزمان والمكان للمتذهبين بها ليس بالأمر الهين واليسير، لأنه يتطلب بحثا ميدانيا وواقعيا لرصد آثار هذه المذهبية التي لم تكن مجرد مذهبية شخص أو عالم فقيه فقط، وإنما هي مذهبية شعب ومجتمع يكرسها عقيدة وسلوكا وسياسة في الداخل والخارج، وبذلك أصبحت تمثل حركة يساهم في تأسيس برامجها ومناهجها رجال الفقه والسياسة والاقتصاد وما إلى ذلك، ولهذا فهي عند دراستها تعرف تداخلا وتشابكا موضوعيا يصعب فصل عناصرها عن بعضها البعض لأنها تعرف وصلة هامة بين التنظير والممارسة وبين فتاوى الفقه والسياسة.
ولقد كان الغالب على الباحثين ومازال الأمر على ما كان عليه أن تدرس الوهابية في حقل ضيق لا يخص سوى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب النجدي وآرائه في دعوته إلى تصحيح العقيدة والالتزام بالسلفية حسب منظوره الخاص، ومن هنا فالأبحاث جلها تركزت على دور محمد بن عبد الوهاب، بتحليل موقفه العقدي ومحاربته لما يصطلح عليه بأهل البدع وتهديمه للأضرحة ومنع التوسل بالأولياء... وما إلى ذلك مما أصبح في عداد الابتذال النقدي والاصلاحي إن صح التعبير- بسبب تكرار هذا الموضوع في كل محفل وخطاب ومؤتمر بأسلوب سطحي وتقليدي إنتقادي معروف، ومن هنا فقد كان الرد على هذه الحركة أيضا من جنس طرحها المشهور، وتوالت الـآليف ما بين مؤيد للوهابيين وناقد لغيرهم، وما بين رافض للوهابيين ومؤيد لغيرهم وخاصة في هذا الباب الفقهي العقدي.
لكن هؤلاء وأولئك قد نسوا أو تناسوا أن الوهابية لم تكن مذهبا فكريا أوعقديا محضا، وإنما هي حركة جعلت من توجهها العقدي والفقهي قاعدة للحكم والتصرف السلطوي، فأصبحت بهذا تتحمل مسؤولية مجتمعها في كل تصرفاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وذلك من خلال الاتفاق التأسيسي للدولة الوهابية الذي تم بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن مسعود، وهو اتفاق بين سلطة اللسان وسلطان السنان على صورة مشبوهة وذات خلفيات غامضة!
وهذا الكتاب يمثل محاولة متواضعة وعلمية موضوعية في غايتها وأهدافها بأسلوب جديد نوعا ما في دراسة الوهابية، ليس في معطياتها الفكرية والمذهبية العقدية الفقهية ذات الصبغة التبديعية والنقدية فقط على سبيل المناوأة والمعارضة كما هو معهود أغلب البحاث، ولكن في واقعها الاجتماعي وآثارها على السيرورة العامة للمجتمع الوهابي بأهم أنماطه، بدءا من عهد التأسيس الأول إلى العهد الثاني للدولة السعودية المعاصرة، وبذلك يتبين مدى تأثير المال والسلطان على التوجه المذهبي وتحفظاته في الحركة الوهابية، من حيث تفاعله إيجابا أو سلبا مع هذه الطفرة النوعية التي عرفها المجتمع ماديا بعدما عرف طفرة الوهابية المذهبية في العهد الأول وتطلعاتها لكي تصبح مذهبا عالميا تتدخل في توجهات ومذهبيات المجتمعات الإسلامية حيثما وجدت، وبمزاحمتها تحت غطاء ونشر العقيدة السلفية حسب زعم الوهابيين وذلك عن طريق التمويه الجدلي والإغراء المالي...
ومن هنا كان اختياري لهذا الموضوع "التغيير الاجتماعي عند الوهابية" مريدا من خلاله إلقاء نظرة سريعة على مجتمع تحكمت في عاداته وتقاليده وأخلاقه وعلاقات تركيباته وأنماط حياته حركة هادفة وقائمة على ثوابت خاصة بها، تنظيرا وممارسة وتاريخا وبيئة.
ومن خلال هذه النظرة ستتبين لنا آفاق التغيير الذي أحدثته هذه الحركة في مجتمعها. وهو هل كان تغييرا جذريا أم عرضيا شكليا؟ كما هل كان التغيير استمراريا منضبطا أم أنه كان مرحليا يتبدل بتبدل الأشخاص وتقدم السنين وبشحة المال ووفرته، وبالانصهار وفقدان الهوية أو الحفاظ عليها عند الاحتكاك والانعراك بالغير إنسانا كان أم مادة مغرية؟.
ولقد عانيت الأمرين في إنجاز هذا البحث وجمع مواده، وذلك لأني احترت من أي فتيل آخذ، وترددت على المكاتب فلم أجد من المراجع الجلية في هذا الموضوع ما يشفي الغليل، وإن وجدت بعضها لكنها كانت لا تعالج هذا الموضوع إلا معالجة سطحية تمر عليه مر الكرام.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أشيد بأستاذي الدكتور رشدي فكار- رحمه الله - الذي استفدت كثيرا من نصائحه في هذا الموضوع وتبيينه لبعض الأساسيات الخاصة بدراية مناهج التغيير الاجتماعي، فجزاه الله عني خيرا وأثابه على ما أسداه لي من نصيحة.
وقد قسمت بحثي هذا إلى الأبواب التالية :
البـــــاب الأول : التاريخ المذهبي للمجتمع الوهابي الأول
البـــاب الثــاني : الـــتركيبــــات الاجتماعيـة وتغيراتـهــا
البـــاب الثالــث : أهــم الأنمـــاط الاجتماعيـة وتغيراتـهـا
الباب الرابع : الحدود والتطلعات المستقبلية نحو التغيير الاجتماعي.
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" والله ولي التوفيق.
الدكتور : محمد بنيعيش
التاريخ المذهبي للمجتمع الوهابي الأول
إنه لمن الضروري قبل الخوض في دراسة المجالات الاجتماعية الأساسية التي كانت مستهدفة التغيير لا بد لي من استعراض الأرضية التي ارتكز فيها دور هذه المدرسة بأسلوب شبه تاريخي تمتزج بثناياه مواضيع ذات صلة قريبة أو بعيدة بالحياة الاجتماعية بمفهومها العلمي، باعتبار أن مثل هذا الطرح سينزلنا على مواطن الضعف أو القوة، الاتساع أو الانحسار الذي امتازت به هذه المدرسة في المجال محل البحث.
وعلى هذا المنظور، فقد قسمت الباب الأول إلى فصلين :
الفصل الأول :
مجتمع الجزيرة العربية قبيل الحركة الوهابية.
الفصل الثاني :
الحركة الوهابية وبعض ملامح التغيير الاجتماعي.
مجتمع الجزيرة العربية قبيل الحركة الوهابية
من المعلوم أن المرحلة محل الدرس من تاريخ ومجتمع الجزيرة العربية، بل من تاريخ الأمة الإسلامية كلها تقريبا قد وصلت إلى درجة هي شبه أفول وانغماس في شعب الظلام والانحراف عن الصراط السوي، وكان مصدر هذا الوصف، ما أوردته أغلب الكتب المؤرخة لهذه الفترة من حياة الأمة الإسلامية والجزيرة العربية خصوصا. ويتمثل هذا الانحراف وهذا التخلف والفوضوية في كل مظاهر الحياة الاجتماعية القائمة آنذاك، تقسم كالتالي :
فقد كان كل قطر من أقطار الجزيرة العربية يتميز باستقلال ذاتي أو شبهه، وعلى كل قبيلة أو عشيرة من هذا القطر أو ذاك أمير أو شيخ [1] يطبق على المنطقة التي يحكمها المبدأ العشائري القائم على العصبيات والمفاخرات، والانتصار الأعمى للأخ بالسيف سواء كان ظالما أو مظلوما، لا يرقبون في ذلك الا ولا ذمة، ولا يحكمون كتابا ولا سنة، بل حكمهم نخوتهم وأهواؤهم وأنفتهم واندفاعهم اللامعقول في السطو على جيرانهم[2]، بالإضافة إلى ذلك عجز هؤلاء الشيوخ أو الأمراء عن إقامة الأمن والنظام في الوسط الذي يتقلدون زعامته.
فكان طبيعيا أن يحدث في بلد هذه سياسته، صراع وحروب سافرة، خاصة، وأن انتماء هذه المنطقة السياسي للخلافة العثمانية لم يكن سوى انتماء شكلي أو إسمي، فلا ولاء يقدم ولا ميزانية ترصد، ولا ثروة تستغل من هذا الطرف أو ذاك، بل كان الغالب على شكل العلاقة بين الخلافة المركزية والجزيرة العربية باستثناء بعض المناطق المحددة كمكة والمدينة وساحل البحر الأحمر[3] هو المعارضة والعصيان لأوامر الخلافة، حتى أن هناك بعض المؤرخين من يدعي أن السياسة العثمانية آنذاك كانت تحبذ هذا الوضع بالجزيرة العربية وتمد في تعميمه ورسوخه،[4] لكي يسود الجهل وتنتشر البدع، ويطغى الانحراف والتخلف على أصحاب هذه المنطقة، مستهدفة من وراء ذلك إعاقة توحيدها وتقويها وبالتالي مطالبتها بالانفصال التام عن النفوذ العثماني الذي لم يعد قادرا على حماية نفسه، وبالأحرى أن يواجه الحركات الانفصالية ذات البعد المكاني، والموقع الجغرافي الصعب الاقتحام[5].
وفي رأيي - وإن كان قبل أوانه- أن إعطاء هذه المسألة مثل هذا البعد، فيه نوع من الانسياب نحو اللاموضوعية، والانفعالية المذهبية في نسبة بعض الأمور إلى الدولة العثمانية دون حجة ثابتة، وإن كانت لا تبرأ من بعضها الآخر القريب من مثل هذا الادعاء، خاصة إذا علمنا أن صاحب هذا الاتهام من المتبنين والمشايعين للمدرسة الوهابية.
ثانيا : الحالة الدينية والاجتماعية
فإذا كان الجهاز السياسي والإداري، مختلا وعقيما وظالما، وكان القادة متخلفين وفاقدي الأهلية للريادة القويمة، فماذا ينتظر إذن أن ينعكس ممن كان هذا وصفه على البنية الاجتماعية التابعية؟ وماذا سيكون موقع هذا المجتمع القاعدي في السلم التقييمي والتوازن الفكري والصفاء الديني؟.
إن المؤرخين يوردون أسوأ التعابير في وصف الحالة العقدية والاجتماعية التي كانت عليها الجزيرة العربية آنذاك، بحيث يقال أن المجتمع العربي كان قد بلغ الذروة في الانحطاط، وأهم مظاهره هو خروج معاصري هذه الفترة عن قواعد وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وارتكابهم المحرمات والموبقات، بحيث تلبس توحيد كثير من الناس آنذاك وخاصة العامة منهم في المنطقة النجدية بأنواع من الشرك وفساد في الاعتقاد كالتمسح بالقبور والتعلق بالمقبورين لدفع كروبهم وتلبية رغباتهم - حسب زعم الوهابية!
فكانوا مثلا : في " الجبيلة" يؤمون قبر " زيد بن الخطاب" يرجون أن تحسن أحوالهم ويستجاب طلبهم[6]، ولم يقتصر الأمر على التعلق بالأموات بل تعداه إلى الاعتقاد في الجمادات، فكانت هناك شجرة تدعى بفحل النخل في بلدة "منفوحة" تأتي إليها العوانس، وتتوسلن بها علهن يعثرن على زوج في أقرب الآجال. وكانت صيغة توسلهن كما يرويه المؤرخون على الشكل التالي " يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول[7]".
كما كانت هناك شجرة أخرى، تدعى بشجرة الديب تأتي إليها النساء وتعلقن عليها الخرق البالية، وخاصة العوانس منهن والعواقر علهن يتزوجن في الحين أو يلدن بعد عقمهن، كما أن بعض الأمهات كن يفعلن ذلك حرصا على أن لا يموت لهن من أولادهن الذكور...، ويقال أنه كان رجل في "الخرج" يدعى "تاج" تقدم له النذور والقرابين في انتظار نفعه واتقاء ضره، وكان بعض أصحاب النذر يذبح ذبحا، ويلطخ جسمه بدمه ليقبل نذره...، وفشت مسألة تعليق القلائد في أعناق الأغنام لكي تعيش ولا تصاب بأذى، وحتى التجار كانوا يضعون ظلف الحيوان على أبواب متاجرهم، وتسارع الناس في حمل التمائم والأحجبة والخرز، وانتشرت عادة لطم الخدود وراء الجنائز والصراخ والولولة حين تحل بهم مصيبة الموت، وأكثر من هذا كله شاع تقديس الفلوات والأماكن الخالية، وقدمت فيها القرابين للجن لكي ترضى عنهم أو تشافي مرضاهم[8] إلى غير ذلك من الاعتقادات الباطلة.
وهذه الظاهرة الأخيرة، تذكرني بمثيلتها توجد عندنا في المغرب وخاصة في بعض المناطق البدوية، حيث يقيم بعض المخبولين ولائم للجن تسمى بـ "الضيافة" لمعالجة المصروع، وبعد العج والرج ونتف الشعر! تقدم المآكل غير المملحة فيذهب بها إلى فلاة أو خندق ثم تطرح هناك، في انتظار أن ياتي الجن إليها ويأكلها، حتى يرضى عن ذلك المصروع ويجنبه شره بزعمهم!!!.
ومثل هذه الظواهر يندى الجبين من ذكرها، خاصة ونحن مسلمون وفي بقعة إسلامية تدين بالإسلام الحنيف دين التوحيد الخالي من الشرك والأوثان والأوهام!
ولقد استتبع هذا الانحراف العقدي والفكري انحراف في الفضائل والأخلاق وابتعاد عن أوامر الشريعة الإسلامية السمحة، حيث صار يشرب الخمر والأفيون والأراجيل في كل مكان[9] وهتكت الحرمات وذهبت الحشمة وارتكبت المحرمات بسبب الاختلاط بين الرجال والنساء في المواسيم والاحتفالات، حتى أن بعض الكتاب[10] ادعى قصور قلمه عن وصف الحالة التي كان عليها المجتمع العربي بالجزيرة آنذاك، ثم إن علاقة التركيبات الاجتماعية بعضها ببعض كانت رمز عداء ومناوشة وتبادل احتقارات وعصبية ضيقة تتقلص من مستوى الإقليمية إلى حد عصبية الأحياء والشوارع، وأكثر العداء الاجتماعي كان قائما بين أهل الحضر وأهل البادية[11]، فلقد كان سكان المنطقتين دائما على حذر وأهبة للاعتداء متى سنحت الفرصة بذلك[12].
تلكم كانت تمريرة خاطفة صورت فيها الأحوال الاجتماعية التي كانت عليها الجزيرة العربية عموما ونجد خصوصا، لكن وصف هذه الأخيرة قد وقع فيه نوع من الغلو على ما أرى ودخله شيء من المبالغة في تقييم الوضعية آنذاك، والسبب في ذلك تباين هذا الوصف عند بعض المؤرخين عما عند البعض الآخر، فحينما نرى مسعود الندوي يقول "ولقد كانت حالة نجد سيئة للغاية وأقل ما يمكن أن يقال أن أهل نجد كانوا قد جاوزوا الحد في الانحطاط الخلقي، فلم يكن عندهم أي اعتبار للخير والشر في مجتمعهم"[13] نرى لوثروب ستودارد يقول : " وكانت نجد في ذلك العصر (1700) على انحطاط العالم الإسلامي وتدليه أنقى البلدان إسلاما وأطهر الأقطار دينا"[14]، هذا إذا علمنا أن صاحب النص الأول من المتبنين للمذهب الوهابي، وصاحب النص الثاني يعتمد الوهابية على كتابه في إثبات مصداقية وقوة مذهبهم في الإصلاح الديني العقدي والتغيير الاجتماعي، وهو الشيء الذي يريبنا في الأخذ بكل ما يكتبه المؤرخون الوهابيون عن حالة نجد بصفة مطلقة!.
وكما يتبين لنا، أن الانحراف العقدي عند أولئك الناس الذين ذكرت كان لا يخلو من ارتباط بمظاهر اجتماعية خاصة، وأن هناك تداخلا بين تأثير المعتقد في المجتمع وتأثير الحالة الاجتماعية على تصوره عندهم.
فما التمسح بالقبور إلا دليل على عدم وفاء الأحياء بإشباع رغبات وضروريات المحرومين، وكذلك دليل الظلم الاجتماعي والجهل المثبط للعزائم، وما تعلق العوانس بفحل الفحول أو شجرة الذئب إلا انعكاس لأزمة الزواج القائمة آنذاك بسبب عضل الأولياء والآباء لمن هن تحت ولايتهم، وإغلاء مهورهن من أجل مصلحتهم المادية، مما سبب إحجام الشبان عن الزواج وبالتالي فوات قطاره على أولئك العوانس اللاتي كن من بين ضحايا هذا السلوك الجائر في المجتمع آنذاك.
وما تعليق القلائد والظلف على أعناق الأغنام وأبواب المتاجر إلا دليل الجبن والخوف على الرزق القليل وكساد السوق نظرا لفقد العملة وسريان السرقة والسلب والنهب، مما أثر على النفوس الضعيفة والمهزوزة والضيقة عن استيعاب النظرة الصحيحة للحياة وتمكن العقيدة السليمة منها، ونظرا لكثرة الضواغط وقوتها فمن جهل إلى فقر إلى ظلم إلى جبن....الخ.
ثالثا: الخصائص السلبية لمنطقة نجد وأهلها
وإذا كانت نجد قد عرفت اختلالا عقديا وروحيا وسلوكيا حسب ما يؤرخ لها الوهابية فإن ذلك يشخص واقعا قد انطبعت عليه المنطقة سواء في الماضي أي قبل الإسلام أو عند مجيئه وانتشاره أو عند وبعد ظهور الحركة الوهابية من صميمها، أي أن زعماءها هم نجديون أصلا وطبعا كما سنرى، ولهذا فإن طبائعهم الغالبة عليهم ستكون متجذرة فيهم، يؤكدها التاريخ والنصوص الدينية والواقع السلوكي لأهل تلك المنطقة وخاصة بعد تمكنهم وغلبتهم، ومن ثم فلا يكادون يخرجون عن القاعدة العامة المتحكمة في اعتقادهم وسلوكهم بل حتى مظاهرهم الحسية والخلقية، وأساليبهم في التآمر والمجافاة وعدم ائتلاف القلوب مبدئيا وطواعية.
فمن هذه النصوص الدالة على الخصائص السلبية لهذه المنطقة وأهلها ما نجده مثلا من مساهمة في عرقلة الدعوة الإسلامية منذ بدايتها في صورة تشخيص شيطاني لممثليها كما يروي المؤرخون للسيرة النبوية في مرحلة التهيؤ للهجرة وما بعدها.
أ) " قال ابن إسحاق، فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس قال، لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس لعنه الله في شيخ جليل عليه بت له، فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا، وقالوا: أجل فادخل[15].
وهذا فيه إشارة إن صح الاستنتاج إلى أن منطقة نجد كانت تمثل مرتعا للشر والتنكر والنفاق قد بدأت عناصره تغلي منذ بداية بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من أجل الخذلان والمشاقة والمحاربة والاستعداد المبدئي للارتداد، شخصه الشيطان بذروتها في صورة شيخ نجدي لمناسبة تجمع أهل نجد ومظاهر الشيطنة والمروق. من الدين، على عكس تشخص الملك جبريل عليه السلام في صورة شخص جمالي شبه بدحي الكلبي. وهذا ما لا يعرف سره ومعناه إلا أهل الأذواق وعلماء التأويل.
ب) يوجد وصف ديني حديثي للطبيعة السلوكية والواقع العقدي إضافة إلى الخصوصية الجسدية لأهل نجد كان يدرك خطورته الصحابة رضوان الله عليهم ويحذرونه:
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي وعيينة بن بدر الفزاري وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، وقالوا: يعطي صناديه أهل نجد ويدعنا، قال: إنما أتألفهم، فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق. فقال: اتق الله يا محمد! فقال: من يطع الله إذا عصيته أيؤمنني على أهل الأرض فلا تأمنوني، فسأله رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد فمنعه، فلما ولى قال: إن من ضئضئي هذا أو عقب هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"[16].
وهذا الحديث فيه عدة أحكام ومعاني ومواصفات عقدية ونفسية واجتماعية عند أهل نجد غالبا، إضافة إلى غياب الاحترام اللائق بمقام الرسول صلى الله عليه سلم لديهم، بحيث قد يجعل النجدي ومن تطبع بطبعه وأفكاره الجافة حاكما على المشرع نفسه وعلى الصحابة والأولياء والعلماء، وهذا ما سيتسرب إلى فكر الوهابية المتأخرة كوراثة تاريخية واجتماعية ونفسية بحيث شخصوا هذه الجراءة في عدة صور وتحت غطاء السلفية المزيفة أو الزئبقية إن صح التعبير كما سنرى في الواقع الاجتماعي، وبالتالي أصبح الطبع ه